سوق الانتقالات الأوروبية تفقد نكهتها دون صفقات كبرى

الأندية الأوروبية تعيش ركودا لافتا على مستوى التعاقدات يعكسه بوضوح إحجام الفرق عن عقد صفقات وازنة.
الأحد 2020/01/26
محارب جديد يعزز كتيبة الريدز

تتأثر سوق الانتقالات بنشاط الأندية الكبرى ومدى جدّيتها في الحصول على لاعبين ذوي خبرة ومهارات عالية، لكن ما يلاحظ في العامين الأخيرين أن هذه السوق، خصوصا في موسمها الشتوي، تعيش ركودا لافتا على مستوى التعاقدات يعكسه بوضوح إحجام الفرق الأوروبية عن عقد صفقات وازنة رغم بروز وجهات جديدة لـ”تفريخ” مواهب واعدة على غرار رد بول سالزبورغ النمساوي.

لندن – كثيرا ما تترقّب الأندية الكبرى، وخصوصا في أوروبا، سوق الانتقالات وتخصص ميزانية هامة لإبرام تعاقدات في هذا المركز أو ذاك، لكن الحديث عن صفقات كبرى بلغة الأرقام في السوق الشتوية لهذا العام، والتي ستنتهي مع موفى الشهر الحالي، يصبح فاقدا لقيمته رغم حاجة بعض الأندية إلى لاعبين ذوي مهارات عالية وخبرة كبيرة.

وظن الكثيرون أن سوق هذا العام ستكون واعدة بعدما كان ليفربول المبادر لعقد أول صفقة بضم الياباني تاكومي مينامينو في ديسمبر الماضي قادما من رد بول سالزبورغ النمساوي، كما فتح تعاقد بوروسيا دورتموند الألماني مع النرويجي إيرلينغ هالاند قادما من سالزبورغ أيضا تأويلات كبيرة حول جدية الأندية الأوروبية في دعم رصيدها ببعض العناصر الواعدة.

لكن ما كشف عنه نشاط سوق التعاقدات أنه باستثناء بعض الانتقالات على سبيل الإعارة أو الصفقات التبادلية لبعض الوجوه غير الوازنة، يتواصل التشويق في الميركاتو الشتوي دون أي صفقة مدوّية بانتظار ما ستسفر عنه نقاشات الساعات الأخيرة بين الأندية.

في هذا الإطار يطرح أكثر من تساؤل: ما الذي يجعل سوق الانتقالات تفقد نوعا من هيبتها في السنوات الأخيرة؟ بماذا يفسّر هذا العزوف عن شراء لاعبين جدد رغم حاجة الفرق إلى نجوم مؤثرين رغم وجود أندية قادرة على تخريج مواهب صاعدة؟ هل يعكس ذلك حالة تشبّع لدى الفرق بالاعتماد على أكاديمياتها المحلية، أم هناك معضلة حقيقية لدى بعض الأندية تبدّد حاجتها إلى القيام بتعاقدات؟

هذه الأسئلة وغيرها تمثل عناصر كبرى لتحليل ظاهرة الركود التي باتت تطبع عملية انتقال اللاعبين بين الأندية الكبرى في سوق الانتقالات. ففي السنوات الأخيرة تقلّص عدد الصفقات الكبرى بين الأندية وبات انتقال لاعب مؤثر من ناد إلى آخر أو من دوري إلى آخر أشبه بعملية تبادلية بسيطة تتم دون لغط إعلامي أو أخبار لافتة تنقّب عن مسيرة هذا النجم أو ذاك.

نظام انتقال سلس

على عكس الأخبار المدوّية عن الصفقات القياسية التي أمضتها أكبر الدوريات الأوروبية خلال مواسم مضت من أمثال انتقال النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو إلى يوفنتوس أو البرازيلي نيمار إلى باريس سان جرمان وغيرهما من اللاعبين المؤثرين، فإن ما كشفت عنه سوق الانتقالات في الموسمين الماضيين، خصوصا في الشتاء، يؤكد أن أغلب الفرق باتت تقتصر على نظام انتقال سلس بأقل ما يمكن من التكلفة المالية.

ويشير محللون رياضيون ومتابعون لنشاط انتقالات اللاعبين في الدوريات الأوروبية إلى ظاهرة مهمّة وهي سيطرة عدد قليل من الفرق على الثروة، لكنهم يتساءلون حتى وإن كان هذا الانحصار باديا في فرق مثل برشلونة وريال مدريد وباريس سان جرمان وبايرن ميونيخ أو ليفربول ومانشستر يونايتد، فإن ذلك لا يعكس حجم الإنفاق الهائل لهذه الفرق لجلب لاعبين من العيار الثقيل.

وقال تقرير للاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” هذا الشهر، إن إيرادات أكبر 30 ناديا في القارة تساوي ما حصل عليه 682 فريقا آخر في 2018، حيث لا تزال الثروة محصورة في أيدي عدد قليل من الأندية.

في إنجلترا أو إيطاليا وفرنسا وبالمثل في ألمانيا الشيء يكاد يكون مماثلا لما تتم مناقشته في أسوار برشلونة باستثناء بعض الانتدابات غير الوازنة في مراكز محددة

وأضاف يويفا في تقريره السنوي عن الأندية أن إيرادات 712 فريقا في الدرجات الأعلى، في 55 بطولة دوري في أوروبا وصلت إلى 21 مليار يورو في العام المالي 2018، أي بزيادة بنسبة 20 بالمئة عن العام السابق.

وأوضح أن إيرادات البطولات الخمس الأكبر، وهي إنجلترا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، بلغت 75 بالمئة، وهو رقم قياسي، وأن 49 بالمئة من هذه النسبة ذهبت إلى 30 فريقا فقط.

وقال رئيس الاتحاد الأوروبي ألكسندر تشيفرين إن “التقرير يوضح عددا من المخاطر المتواصلة ضد استقرار ونجاح كرة القدم الأوروبية”. وأضاف “هذا يتضمن مخاطر استقطاب الإيرادات التي تغذيها العولمة، والمشهد الإعلامي المشتت، وحالات الاعتماد المفرط على إيرادات الانتقالات”.

لكن بغض النظر عن هذه المخاطر التي يحذّر منها رئيس الاتحاد الأوروبي، فقد شقت بعض الفرق طريقها إلى النجاح بكل سلاسة بفضل استراتيجية حكيمة في التدبير وصنع النجوم دون أن يحجب ذلك القدرات المالية الهائلة التي تم ضخها لبناء فريق مثل مانشستر سيتي قادر على المنافسة محليا وأوروبيا.

وانعكست النجاحات التي يحققها سيتي بقيادة مدربه الإسباني بيب غوارديولا إيجابا على عوائد الفريق في الموسم الماضي وبات قريبا من تخطي غريمه يونايتد وجاء في المركز السادس استنادا إلى الترتيب الذي أفصحت عنه شركة “ديلويت” المتخصصة في الحسابات هذا الشهر.

وللمرة الأولى حقق برشلونة أكثر من 840 مليون يورو من الإيرادات أي أكثر بـ83 مليون يورو من غريمه المحلي ريال مدريد ضمن الفترة عينها. وحل نادي العاصمة ثانيا بنحو 757 مليون يورو ليتبادل مع النادي الكتالوني الصدارة بحسب الترتيب الأخير الصادر في يناير 2019.

واحتفظ مانشستر يونايتد بالمركز الثالث بنحو 711 مليون يورو. وأشارت “ديلويت” إلى أن “الشياطين الحمر” مهددون بخسارة هذا الترتيب في الموسم المقبل لحساب جارهم اللدود مانشستر سيتي بطل الدوري الإنجليزي في آخر موسمين أو ليفربول حامل لقب دوري أبطال أوروبا. وشرحت الشركة أن سياسة تدويل التسويق والأنشطة المرتبطة بمنح التراخيص سمحت للنادي الإسباني بالاعتماد بدرجة أقل على السوق المتقلبة لإعادة توزيع حقوق النقل التلفزيوني، وذلك بزيادة كبيرة لعائداته التجارية.

وقال دان جونز من القسم الرياضي في الشركة، إن “العمليات التجارية التي قام بها النادي جلبت 383.5 مليون يورو، أي أكثر من كامل إيرادات الفريق الذي حل في المركز الثاني عشر في الترتيب” أي بوروسيا دورتموند الألماني. وأضاف جونز “برشلونة هو مثال للنادي المتكيّف مع ظروف السوق المتغيّرة”.

لكن ما كشفت عنه سيناريوهات سوق الانتقالات في أيامها الأخيرة، لا يعكس تحركا جدّيا للعملاق الإسباني رغم حاجته الملحة إلى تعويض نجمه الأوروغوياني لويس سواريز الذي سيغيب عن الفريق إلى نهاية الموسم.

ورغم الحذر الشديد الذي يسود قلعة “كامب نو” بشأن إيجاد بديل محتمل لسواريز في أسرع وقت ممكن، باستثناء أخبار غير مؤكدة حول سعي الفريق إلى التعاقد مع لاعب من فريق لايزبيغ الألماني، فإن التململ يظل سيد الموقف في الفريق الكتالوني.

وكان برشلونة قد أكد قبل بدء سوق الانتقالات الشتوية الحالية أنه عاقد العزم على عدم الدخول في صفقات جديدة وأن الفريق لا يبدو بحاجة إلى لاعبين جدد، لكنّ متابعين يقرون بأن هذا الكلام يُحسب على الإدارة الفنية التي كان يقودها إرنستو فالفيردي والآن الأمور تغيّرت بعد تعاقد الفريق مع الإسباني كيكي سيتيين.

ظن الكثيرون أن سوق هذا العام واعدة بعدما بادر ليفربول إلى ضم مينامينو، كما فتح تعاقد دورتموند مع هالاند تأويلات حول تحرك الأندية
ظن الكثيرون أن سوق هذا العام واعدة بعدما بادر ليفربول إلى ضم مينامينو، كما فتح تعاقد دورتموند مع هالاند تأويلات حول تحرك الأندية

وفي إنجلترا أو إيطاليا وفرنسا وبالمثل في ألمانيا الشيء يكاد يكون مماثلا لما تتم مناقشته في أسوار برشلونة باستثناء بعض الانتدابات غير الوازنة في مراكز محددة تحددها حاجة هذا الفريق أو ذاك لسد مركز شاغر.

ويفسّر الكاتب والصحافي الرياضي مراد البرهومي ظاهرة الركود الشتوي للانتقالات في تصريح أدلى به لـ”العرب” بالقول “الميركاتو الشتوي يكون غالبا أكثر ركودا من الصيفي. فمثلا الصيف الماضي تعاقد الريال مع هازارد بمبلغ خيالي وانتقل كوتينيو إلى بايرن وماغواير إلى يونايتد وكلها صفقات قوية، لكنها ليست بقوة انتقال نيمار ورونالدو”.

ما يهمّ بخصوص وضعية الانتدابات التي ترتقي في فهم أبعادها إلى أزمة محيّرة لبعض المحلّلين خصوصا عندما يتعلق الأمر بأندية تخوض غمار أكثر من بطولة قاريا ومحليا وتنافس على العديد من الجبهات، أنه رغم كونها في أشدّ ما تكون الحاجة إلى تعزيز رصيدها البشري فإنها تواصل سياسة تدوير اللاعبين بما أثر سلبا على نتائجها وتراجعها في الترتيب في مقابل إجهاد يتعرض له اللاعبون انتهى بأغلبهم إلى الوقوع في إصابات محيرة.

هذه المسألة تبرز بأكثر وضوحا عند القيام بمقارنة بين أندية من الصف الأول في الدوري الإنجليزي على غرار ليفربول المتصدر والذي يخوض أكثر من مسابقة هذا العام وبين فرق مثل مانشستر يونايتد الذي يحتل المركز الخامس.

ورغم الفارق الكبير بين الناديين في السنوات الأخيرة لجهة الحضور والمنافسة في المسابقات الكبرى أو التتويجات، فإن ذلك لا يعكس حقيقة الثروة التي يتمتع بها كلاهما وترتيبهما على السلم العالمي للفرق من حيث العوائد المالية التي يحققانها.

ويدفع هذا إلى التساؤل عن الأسباب التي تجعل فريقا مثل يونايتد يواصل سياسة المداورة بين لاعبيه ولم يتخذ قرارا جريئا بخوض سوق الانتقالات لتبديد هذه الوضعية التي أرقت اللاعبين والمدير الفني أولي غونار سولسكاير منذ توليه المسؤولية العام الماضي.

أزمة محيرة

وهو ما كشف عنه سولسكاير في تصريح أدلى به، الخميس، “نجتهد من أجل التطور والتعاقد مع لاعبين، وأتمنى أن نفعل ذلك، أعتقد أن الجميع يرى أن اللاعبين مرهقون، ولا يوجد ما أشتكي بشأنه من أي لاعب، لأنهم يقدمون كل ما لديهم”.

وكان سولسكاير قد ألمح سابقا إلى إمكانية ضم لاعبين لفترة قصيرة، بعد النكسة التي تعرض لها فريقه بإصابة مهاجمه ماركوس راشفورد ستبعده ما لا يقل عن ستة أسابيع عن الملاعب.

لكن ماذا يعني انتداب لاعبين لفترة قصيرة، وهل هذا مسموح به في “أدبيات” التعاقدات التي يزعم المدرب خوضها في منتصف هذا الموسم، وإذا كان الفريق جادا في مسألة العودة إلى مساره الصحيح لماذا لا يركز على صفقات مضمونة على المدى الطويل بدل انتظار عودة اللاعبين المصابين أمثال بوغبا الذي بات بقاؤه في يونايتد من عدمه بمثابة قصة تنتظر اكتمال بقية أجزائها مع كل عودة جديدة للفرنسي إلى الميادين. الواضح أن هناك أزمة حقيقية تعاني منها الفرق الكبرى كما بقية الأندية على مستوى التعاقدات.

هذه الأزمة يتمثل أحد أركانها في “تورّط” بعض الأندية الكبرى في صفقات كبرى خلال مواسم مضت عبر انتداب لاعبين كبار بأسعار خيالية، على غرار بوغبا في يونايتد، الذي انتقل في صيف 2016 بقيمة 105 ملايين يورو كأغلى صفقة انتقال لاعب في التاريخ آنذاك. فقد كلّفت هذه الصفقة خزينة يونايتد الكثير لكن ماذا كانت النتيجة: خسارة الفريق لنجمه بسبب معضلة الإصابات التي يتعرض لها دوريا في مقابل عدم قدرته على التفويت في اللاعب، رغم العروض الكبيرة التي وصلته من أكثر من ناد أوروبي، أهمها ريال مدريد الذي ظل يطارده مع حلول كل موسم انتقالات.

رغم تراجع زخمها نسبيا مقارنة بالسنوات الأخيرة، تظل سوق الانتقالات سوقا مفتوحة وإن كان نشاطها أقل تحركا في موسمها الشتوي منه في الموسم الصيفي، وهو أمر مفهوم لجهة غياب الالتزامات المحلية والقارية للأندية والعطلة التي تتمتع بها معظم الدوريات في أوروبا بما يسمح بدراسة هذا العرض أو ذاك بأكثر تروّ. إلا أن ذلك لا يحجب مسألة هامة كان الاتحاد الأوروبي قد طرحها في تقريره السنوي حول إيرادات الأندية وانحسار الثروة في أندية بعينها، وهو أمر متروك للاتحاد بأن يعالجه بطريقته.

لكن ما يهمّ في ضوء سوق الانتقالات هو بروز وجهات جديدة للتعاقد، واعدة بما تكتنزه من لاعبين باتوا يكتسحون الدوريات الأوروبية على غرار سالزبورغ النمساوي الذي بات مركز “تفريخ” لعدة لاعبين سيكون لهم شأن عالمي في المستقبل.

22