سوق البخارية أول نبض للتجارة في العاصمة الأردنية

يعتبر سوق البخارية إحدى اللبنات الأولى التي تشكلت حولها العاصمة الأردنية، وبقي شاهدا على تطور الحركة التجارية في عمان التي تمر عبرها أهم طرق الحج، وهو اليوم سوق شعبي يجد فيه المتسوق حاجته مهما كانت نادرة.
الأربعاء 2016/01/20
من الإبرة للصاروخ

عمان - تروي الحكايات القديمة أن شيخا من بخارى كان قد قدم إلى مدينة عمان كغيره من التجار المسلمين الذين كانوا يسلكون طريق الحج التجاري المؤدي إلى أماكن الشعائر المقدسة، وكان هذا الشيخ قد مرّ بمدينة عمان قادما من بلاده أوزبكستان في آسيا الوسطى، فقرر أن تصبح المدينة الجديدة دار إقامة له، فسكن فيها وتوطّن، وأصبحت مدينة عمان أحب الأماكن إلى قلبه.

كان أول ما قام به الشيخ كمال الدين البخاري عند قدومه إلى المدينة تأسيس “سوق البخارية” القديم، وذلك في الساحة الشرقية للمسجد الحسيني سنة 1934، وحمل السوق لقبه، وبقي شاهدا على تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، فسوق البخارية ليس مجرد سوق للتسوق، بل هو معلم يمتع نظرك بفن الحرف اليدوية الأردنية، فمن هذا السوق ستكتشف إبداع الأجداد، وستحكي لك الحوانيت الشعبية تاريخ المملكة.

وبقي السوق في موقعه إلى أن شبّ حريق داخله، فتم نقله إلى عمارة فوزي المفتي في شارع الملك طلال مقابل المسجد الحسيني، وكانت العمارة قديما عبارة عن خان قديم تستريح فيه القوافل التي تحمل بضائع التجار الذين كانوا يمرون بمدينة عمان، من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام وبالعكس، حيث أن مدينة عمان كانت من أهم المحطات على هذا الطريق.

في سوق البخارية يجد الشاري كل شيء، وهو وإن عرف في البداية كسوق مختص بالتحف والإكسسوارات الشرقية، إلا أن سلعا أخرى ظهرت تباعا على رفوف الحوانيت، فحيث تحركت داخل السوق ستجد رائحة البخور تلاحق أنفاسك، وكذلك توجد كل أشكال الأرابيسك الأصيل، كما ستجد المسابح، وأيضا التحف التي تدل على أصالة الأردن.

من يقصد سوق البخارية لشراء أغراض لمنزله لن يذهب لأي مكان آخر، لأنه سوف يجد كل ما يغنيه عن التسوق في أماكن أخرى، فهو يحتوي على الهدايا والتحف والسجاد والمسابح واللوحات الفنية المطرزة بالآيات القرآنية والمناظر الطبيعية.

خبير: الحفاظ على نفس النمط المعماري الأصلي لسوق البخارية القديم ضروري للحفاظ على النمط المعماري العام لمدينة عمان

أما المستلزمات المنزلية، فهي متعددة وأكثرها تحف الزينة، مثل المناظر والصور والرسوم، والتحف الخزفية والخشبية المزخرفة، والملاعق والسكاكين، ومفاتيح العلب، والزجاجات، والأضواء الكهربائية الملونة.

إنه سوق شعبي قديم وجميل يرتاده يوميا الآلاف من الزبائن والمتفرجين والسائلين عن غرض أو أداة، والزائرين الجدد لمدينة عمان، حيث يأخذهم هذا السوق بمعروضاته المدهشة والجميلة، ولا يستطيع المتجول فيه الخروج منه، إلا بعد قضاء وقت طويل، حتى يمتع ناظريه بكل تلك الأدوات والتحف والهدايا.

أما في مناسبات الحج والعمرة، فإن هذا السوق يصبح هدفا رئيسيا للحجاج الذين يريدون إكمال ما نقص من هدايا أحضروها من الأماكن المقدسة، فيجدون كل ما يريدون من المسابح والقبعات الخاصة والحناء والبخور والأساور والعقود للفتيات الصغيرات وسجاد الصلاة الملون بصور المساجد والمآذن والقباب.

هذا السوق ينقسم إلى قسمين منفصلين، الأول له مدخل واحد يمشي فيه المتجول حتى يتفرع من الداخل إلى مسارين، واحد إلى اليمين والآخر إلى اليسار، في مساحة طويلة، أما القسم الثاني فله مدخلان يوصل كل واحد منهما إلى الآخر، وهذا السوق الداخلي على شكل نصف دائري، فما يريده المواطن في عمان من أشياء صغيرة سيجده في هذا المكان، الذي يعتبر من أقدم الأسواق التجارية في مدينة عمان منذ تأسيسها.

يقول المهندس مهند الخطيب، الخبير في ترميم الآثار بدائرة الآثار الأردنية، “الحفاظ على نفس النمط المعماري الأصلي لسوق البخارية القديم ضروري للحفاظ على النمط المعماري العام لمدينة عمان”.

ويشير إلى أن الأهمية التاريخية والمعمارية لسوق البخارية تعود إلى ارتباط نشأة هذا السوق مع تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وهو ما يعني أن كل سمة من سماته التاريخية تحكي جانبا من قصة تأسيس المملكة، في إشارة إلى أن الحفاظ على الملامح المعمارية لسوق البخارية القديم وغيره من الأسواق الشعبية ذات الأصل التاريخي هو جزء من جهد عام يستهدف الحفاظ على ذاكرة المملكة الأردنية، وما مرت به من مراحل تطور عمراني واجتماعي من جيل إلى جيل.

20