سوق الخميس بالقاهرة مقصد الغلابة والأغنياء

الخميس 2014/03/27
المفروشات والأقمشة تباع في سوق الخميس بأسعار تتناسب مع محدودي الدخل

القاهرة – يجد المواطن المصري في الأسواق التجارية كل شيء، لكن أسعارها المرتفعة لا يقدر عليها أصحاب الطبقة الفقيرة. أما في سوق الخميس بحي المطرية بالقاهرة فالرؤوس تتساوى والفروق الاجتماعية تتلاشى.

هي سيدة ذات وجنتين مشربتين بسمرة الوادي وقسوة الزمان، بتجاعيد متشابكة اختطت ملامحها، لفتت انتباهي وكانت السبب في تعرفي على الأسواق الشعبية المصرية، حيث كانت تجلس على قمة إحداها، وقد علمت منها أن هذه السوق وأمثالها المنتشرة في نواح متفرقة، لها حضور طاغ لدى جميع الطبقات ومختلف الأجناس، فهي ليست حكرا على المصريين، بل لها مساحة من الوقت يخصصها الوافدون على مصر من الخارج، يتكالبون عليها، ويجدون كل ما يريدونه هناك، فهي ترفع شعار “تعال وقرب شوف من الإبرة للصاروخ”.

والسبب في شعبية تلك الأسواق انخفاض ثمن المعروض فيها عن المحلات التجارية الفخمة، لذلك اجتمع فيها أبناء “الغلابة” مع الطبقة الراقية ومحبي التنقيب عن “الأنتيكات” والمقتنيات القديمة لعلهم يقتنصون تحفة نادرة يرضون بها شغفهم.

“العرب” دخلت أغوار إحدى تلك الأسواق للتعرف عما يدور فيها، فاخترنا “سوق الخميس الأكثر شهرة ، والمعروفة بـ”سوق العرائس بحي المطرية، وهي مقصد لكل فتاة تستعد لتجهيز عش الزوجية في القاهرة والمحافظات الأخرى.

وعلى بعد أمتار قليلة من السواح وفي أول شارع الكابلات المؤدي إلى شارع “التروللي” ترى احتفالية مميزة أشبه بمهرجانات التسوق، حيث يفترش أغلب الباعة الأرض وقبل شقشقة النهار تجد البضائع متراصة بشكل مميز. ومع أن الخميس هو يوم التنزه بالنسبة إلى غالبية المواطنين، لكنه يوم الرزق لمفترشي هذا المكان الذي نجح بجدارة في أن يجمع كل ما لذ وطاب، ولم تمنع الأجواء الحارة أو البرد القارس البائعين والزوار على حد سواء من التواجد بشكل أسبوعي.

تكامل معروضات السوق يغني الزبون عن البحث في باقي الأسواق

الكل يهرول لرص بضاعته وافتراش الأرصفة لجذب المتسوقين والمارة للشراء، متخذين في ذلك شتى الحيل لشد انتباه الزبائن، كالمنافسة بتخفيض الأسعار، أو الهتاف بفقرات غنائية سجعية باستخدام الميكرفونات والطبول التي تنجح في كسر رتابة الحركة ليتدافع عليهم الناس، وفي ثوان يلتفون حول البائع ليكوّنوا شبه دائرة من الصعب اختراقها.

وتتداخل الأصوات وربما تستطيع أن تفسر”باتنين ونص وتعالى بص .. قرب وشوف على المكشوف.. تعالى وخد تشيرت السيسي وبطاقته.. بعشرة ونص احنا وبس..”.

وعن جذور تلك الأسواق أوضح جرجس، صاحب مكان للمفروشات والستائر، أنها تعود إلى الفراعنة، فهم أول من ابتدعوا نظام إقامة السوق في يوم محدد من أيام الأسبوع، وأغلب الظن أن هذا اليوم كان الخميس.

ويستكمل قائلا: “قد توارث المصريون هذه العادة من أجدادهم، وبمرور الزمن أصبحت هناك أسواق في مناطق مختلفة تسمى بأيام الأسبوع، وفيها الفريد والجديد والمستعمل، وهناك الكثير من البلدان العربية أخذت هذا النهج من المصريين، وتأسست فيها أسواق يومية على غرار الأسواق المصرية، وتلك الأسواق تعد ظاهرة صحية، فهي تقدم جميع ما يريده المواطنون من متطلبات حياتية، والباعة يحملون بضائعهم إلى أماكن رزقهم المختلفة، فيوم الأحد يكونون على موعد مع أسواق “شبرا الخيمة” والاثنين في “بنها” أما الثلاثاء ففي “سوق المرج” والأربعاء في أسواق مدينة بورسعيد الساحلية لعلهم يجدون ضالة زبائنهم ليأتوا لهم بها يوم الخميس.

و”سوق الخميس” إحد أهم الأسواق التي تعرض المفروشات وأقمشة التنجيد بأسعار تتناسب مع محدودي الدخل، فقماش الستائر تجده معلقا ويرفرف في الهواء الطلق لكي يجذب الزبون بجميع أنواعه وألوانه الزاهية وأسعاره الرخيصة.

وعن الفروق في الأسعار بين السوق والمحلات التجارية قال أبو كريم، تاجر “شنط”، إنها تعود إلى أنهم لا يتحملون تكاليف الضرائب، ويعملون دون سجلات أو تأمينات للعمال، على عكس المحال التي تضيف على سعر المنتج القيمة الايجارية للمحل وضريبة كبيرة مقابل هامش الربح الذي يريد أن يحصل عليه التاجر من زبائن “مريشة” تقطن مناطق راقية كالمهندسين والزمالك وجاردن سيتي وغيرها.

إقبال كبير من قبل ربات البيوت على سوق الخميس

وتجد نهاد، طالبة جامعية، في سوق الخميس الماركات التي تفضلها من المصنوعات الجلدية تحت بند “بواقي”، حيث تتفق مع البائع الذي تتعامل معه منذ سنوات على أن يخصها بأفضل القطع التي يبتاعها من “بواقي” المصانع، وتتباهى و”تتمنظر” بها أمام زميلاتها وهي أوفر كثيرا من المحلات.

وتأتي جيهان، ربة منزل، وهي أم لثلاثة أطفال إلى السوق مرة في الشهر، لأن المعروض فيها لا يختلف في نوعيته عن المعروض في المحلات، ومنتجاته على درجة عالية من الجودة، بالاضافة إلى أن تكامل المعروضات تغنيها عن البحث عن مستلزماتها في باقي الأسواق، وهذا ما يشجعها على الشراء منها لها ولأبنائها، وقد اعتادت أن تحضر إلى السوق في الصباح الباكر لكي تحصل عما تريده قبل أن يتخطفه الناس، وتضعه في “شنط” فخمة وتقنع أولادها أنها جلبته لهم من أفخم المحلات في القاهرة.

أما زوجة أبي كريم فتعرض بفخر ما لديها من “عبايات كرداسية” يطلق عليها أسماء عديدة مثل “اللهلوبة واللوتس وبنجابي” ويصطف أمامها عدد لا بأس به من السودانيات وفتيات يجهزن لزواجهن.

عم ربيع قال لـ “العرب” إنه غير مهتم إذا كانت بضاعته ستباع أم لا، لأنها خسارة له إن بيعت ومكسب لمن يقتنيها، فهي عبارة عن طوابع وعملات تعود إلى فترة مصر الملكية، يمتزج فيها القديم المعتق بالحديث “الطازج”، بالإضافة إلى بعض الساعات و”الأنتيكات” المتنوعة ولوحات فنية نادرة.

أما أيمن، صاحب ورشة نجارة، فهو يأتي إلى السوق مرة كل شهر ليحصل على ما يريد من عدة، كالمنشار و”الشاكوش” بأسعار زهيدة قد تصل إلى 10 جنيهات أو أقل.

وتقول ولاء، وهي محاسبة بأحد البنوك إن علاقة وثيقة تربطها بالسوق حتى بعد زواجها، لأن كل أسبوع تجد فيها الجديد والعديد من تشكيلات الستائر، وفيها أيضا ملابس متعددة الأغراض بأسعار زهيدة.

وفي نهاية السوق تجد باعة قطع غيار الأجهزة الكهربائية والسيارات القديمة، وأيضا الهواتف النقالة المستعملة، والسؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة على تلك الأسواق، بعد أن بدأت تتسابق عليها أقدام بعض الجاليات الصينية المقيمة في القاهرة، هو: هل سيسمح المصريون لهم بالتوغل بينهم وضرب منتجاتهم المحلية كما فعلوا بالسوق المحلية في أنحاء مختلفة؟

20