سوق السيدة عائشة بالقاهرة يبيع كل ما يخطر على البال

الأسواق الشعبية في مصر تعود إلى العصر الفرعوني وتعرض كل شيء ابتداء من الكتب القديمة حتى الأثاث والتحف القديمة وتجارة الحيوانات والملابس.
الخميس 2018/11/15
بضاعة في متناول الفقراء

الأسواق الشعبية ظاهرة اجتماعية تنتشر في كل البلاد العربية، حيث تجد الباعة يفترشون الأرصفة في أيام العطلات والأعياد، بل إنهم أحيانا يتسببون في تعطيل حركة المشاة والسيارات، ولذلك تنتشر هذه الأسواق في مصر كل جمعة من كل أسبوع، وتوفر كل ما يخطر على بال الناس على بسطات غير منظمة بأسعار أقل من المحلات في الأسواق العصرية، ومن هذه الأسواق الشهيرة في القاهرة سوق السيدة عائشة.

القاهرة - كل جمعة تزدحم منطقة السيدة عائشة بالقاهرة في مدخل ضريح الإمام الشافعي، وينتشر الباعة في كل مكان بمناسبة السوق الأسبوعي، حتى أن محافظة القاهرة قررت مؤخرا تخصيص مكان لهؤلاء الباعة وتجميل المنطقة لأنها تحتوي على أماكن أثرية كثيرة، والمدهش في هذا السوق أنك تجد فيه كل شيء يخطر ببالك ابتداء من الكتب القديمة حتى الأثاث والتحف القديمة وتجارة الحيوانات والملابس بكافة أنواعها.

يقول أحد تجار السوق المتخصص في بيع الثعابين “تجارة الثعابين ليست مربحة كثيرا، فهي تعتمد على الحظ، قد يأتي زبون يشتري مني مجموعة من الثعابين، وقد أظل يوم الجمعة كاملا لا أبيع سوى قطعة واحدة، وأنا أشتري الثعابين من منطقة أبورواش بالجيزة، حيث يقوم التجار هناك بالسيطرة على الثعابين وإخراج السموم منها، فتصبح آمنة، ويمكن أن تعتني بها في بيتك”.

ورغم أن الأغلبية لا تريد شراء ثعبان على قيد الحياة، لأن عامة الناس يخشون النظر إليه، إلا أن هناك مجموعة ترغب في شراء ثعبان محنط، وهناك علماء وأطباء وأجانب ودارسون يأتون لشراء هذه الحيوانات الزاحفة.

أما أشرف، فهو متخصص في بيع الحيوانات الأليفة وخاصة الكلاب بمختلف أنواعها يقول “عندي عدة أنواع من الكلاب منها، الجيرمان وبيت بول أميركي وبوكسر وبول دوج ودونوا ونابوليتال وماستيف، وأغلى أنواع الكلاب داخل السوق هي، الكولي كيغن، ويتراوح سعره من ثلاثين إلى أربعين ألف جنيه أو أكثر.. يأتي زبائن لشراء الكثير من الكلاب لحراسة منازلهم وفيلاتهم”.

واشتهر سوق السيدة عائشة منذ أكثر من سبعين عاما ببيع أجمل طيور الزينة والطيور الجارحة والنادر وجودها إلا في هذا المكان.

ملابس جديدة بأسعار رخيصة
ملابس جديدة بأسعار رخيصة

وفي سوق السيدة عائشة الشعبي المتسع لكل البضائع يضم السوق الواحد أكثر من خمسة عشر سوقا، ومنها سوق السيراميك وسوق السمك وسوق الطير وسوق الملابس والمفروشات وسوق الأجهزة الكهربائية وسوق الأجهزة الإلكترونية المحمولة الجديدة والمستعملة وسوق لفصائل نادرة وأجنبية من الكلاب والزواحف. ويحتاج الزبون لأن يلف السوق كاملا ليشتري ما يبحث عنه، ما يسمح له باكتشاف بضاعة أخرى قد تغريه بشرائها لرخص سعرها، كالهواتف الذكية مثلا.

ويقول ماجد شفيق، أحد باعة أجهزة المحمول في سوق الجمعة، “الأجهزة عندي طبعا مستعملة، ومنها ما هو غير صالح، لكن كل ما أقوله للزبون هو أن يفحص الجهاز قبل أن يغادر، فالبضاعة لا تسترجع، ولا يسألني عن مصدرها لأنني أشتريها من تاجر، وهو يشتري من تاجر آخر، وربما منها ما هو مسروق ومنها ما هو غير صالح للاستعمال، أنا لا أعلم عنها شيئا.. كل مهمتي أن أبيع فقط”.

الأجهزة الإلكترونية المستعملة تحتاج معرفة من الزبون لأن الباعة لا يعرفون صلاحيتها، كما لا يعرفون مصدرها في غالب الأحيان، وما عليهم إلا مدح تلك البضاعة أمام الزبائن لإقناعهم بشرائها.

ويقول جمال فتحي أحد باعة أجهزة الكمبيوتر “أنا عندي أجهزة ممتازة ويأتي لي طلاب من كلية الهندسة لشرائها كي يتدربون عليها، وهناك من يأتي بحثا عن جهاز ليأخذ منه قطع غيار يريدها، أو ربما لديه جهاز قديم لا يجد له قطعا في السوق، فيجدها عندي هنا، وأنا غير مسؤول إذا كان الجهاز يعمل أو لا”.

منطقة السيدة عائشة اجتذبت الكثير من الباعة والتجار، لأنها منطقة تكثر فيها المساجد والأضرحة منها مسجد السيدة عائشة ومسجد السيدة نفيسة ومساجد الإمامين التونسي والشافعي فضلا عن وجود قلعة الناصر صلاح الدين الأيوبي، إلى جانب انتشار المقابر التي يزورها الناس كل جمعة مما جعل المنطقة مكتظة دائما بالناس، ولذلك انتشرت فيها حركة البيع والشراء.

وتحتاج الأسواق الشعبية إلى الكثير من وقت الزبائن؛ فعملية البحث عن الفرصة هي المكسب الأول، ومن كان مستعجلا يكون ضحية تسرعه، فكل البضائع متوفرة وما عليه إلا الاختيار ومناقشة الأسعار.

ويقول بائع افترش أمامه معظم معدات البناء “عندي كل ما يلزمك للبناء من سيراميك وقيشاني ورخام وبلاط وأدوات النقاشة والمحارة، وكلها بأسعار رخيصة جدا كما ترى، يقبل الزبائن ويشترون لأن أسعار هذه المعدات والآلات في المحلات العامة غالية جدا”.

زبائن سوق السيدة عائشة ليسوا كلهم من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة التي تبحث عن بضاعة تحتاجها في المنزل بسعر يناسب إمكانياتها المالية المحدودة، بل هناك الكثيرون من جامعي التحف النادرة والعارفون بعالم التكنولوجيا الذين يتصيدون الفرص لاقتناء أشياء باهظة في قيمتها بسعر زهيد.

طيور الفرح
طيور الفرح

ويقول بائع للتحف النادرة والصور القديمة “أنا بعت مرة تحفا نادرة من قصر أحد الباشوات، وكانت التحفة عبارة عن مزهرية ورد مكتوبة عليها آيات قرآنية، واشتراها مني أحد الزبائن، وبعدها عرفت أنه كان بإمكاني أن أطلب أضعاف السعر الذي بعت به، وعندي صور لجمال عبدالناصر ومحمد نجيب وجنيهات عليها صورة الملك فاروق، وعندي القرش الأحمر به صورة الملك فؤاد (ملك مصر)”.

وإلى جانب الزبائن الذين يعرفون ما يشترون قد يقع آخرون ضحية بضاعة فاسدة أو منتهية الصلاحية، كمواد التجميل التي إذا انتهت صلاحيتها صارت خطرا على بشرة الفتيات اللاتي يطمحن إلى أن يكنّ أنيقات وجميلات بين الأهل والأصدقاء وفي الشارع.

وتقول إحدى البائعات “أنا هنا منذ عشرين عاما، وأحصل على العطور من السوبر ماركات الكبيرة نتيجة لسوء تخزين أو سوء تسويق؛ فعندما يصيب الغلاف الخارجي قطع أو خدش يلتجئ صاحب السوبر ماركت لبيعها بسعر أقل، وهناك بضاعة اقتربت من انتهاء مدة صلاحيتها إن لم تكن انتهت أصلا وأدوات التنظيف وبعض الأدوات المنزلية من مصانع غير معروفة”.

ويقول عادل حسين أستاذ الآثار بجامعة القاهرة “سوق السيدة عائشة من الأسواق الشهيرة، وتجد فيه كل ما تبحث عنه، ولكن دعنا نتعرف على تاريخ الأسواق في مصر؛ فقد كانت هناك أسواق شعبية منذ العصر الفرعوني حيث كان التجار يتجمعون حول الأسوار وفي الأزقة وبجوار المعابد ويمارسون البيع والشراء، وفي العصر الفاطمي انتشرت هذه الأسواق الشعبية وكانوا يتجمعون حول أسوار القاهرة وكانت التجارة قائمة على عرض وبيع الحيوانات والعطور والسجاد والبخور وأيضا المسابح، وأصبحوا يتجمعون كل يوم لبيع ما لديهم بأسعار زهيدة”.

ويضيف “كان ميدان السيدة عائشة يعرف قديما باسم ميدان الرميلة ثم ميدان القلعة وميدان محمد علي، وأخيرا ميدان السيدة عائشة، وانتشرت أسواق كثيرة في تلك المنطقة، منها سوق الخيل وسوق السلاح وغيرهما، والأسواق إلى جانب هدفها الرئيسي في البيع والشراء، كانت لها أهمية في تبادل الآراء ونقل الأخبار ومعرفة أهم الأحداث من خلال حوارات الناس في الأسواق، حيث اعتادوا دائما على اللقاء فيها وسرد الحكايات ووصف الأحداث”.

20