سوق العملات القديمة في القاهرة يعرض شواهد من التاريخ

الاثنين 2014/10/06
العملة أكثر من مجرد ورقة للتعامل المالي، بل هي شاهد صادق على مرحلة تاريخية بكل ما تحتويه من أوضاع سياسية واقتصادية

القاهرة - يتكئ البحث التاريخي على وسائل عدّة، ويستنطق أدوات شتى لتبيّن المرحلة والعصر الذين يود سبر أغوارهما، لذلك لم يستثن المؤرخ أي وسيلة أو أداة قد تفيد وتنفع، فأخضع المباني والمساكن والأدوات الفلاحية والمخترعات، وأيضا الطوابع البريدية والعملات الورقية أو المعدنية، لمحكّ البحث والتمحيص. لذلك ظلّت العملات أداة مفيدة في تبيّن ظروف السكّ والإصدار والوضع الاقتصادي الذي حف بطباعتها وظهورها.

معظم السلع تفقد قيمتها عندما يتقدم بها الزمن، إلا أن هناك سلعا تمثل استثناء لهذه القاعدة، وأهمها العملات القديمة. فتاجر العملات القديمة يمثل نوعية خاصة، تبعا لأنه يتاجر في شواهد على التاريخ، وبصحبته تجد الملوك والرؤساء والمشاهير يبتسمون على العملات المعدنية أو الورقية التي يحملها، وستجده يتباهى بعملات تحمل صورة الملكة إليزابيث والسلطان حسين ومحمد علي باشا وأيضا أم كلثوم وعبدالحليم حافظ. وسوق العملات لا تشبه أي سوق آخر، فروّادها هواة يقدّرون قيمة ملامح الزمن على العملة ويحتفون بها، يدفعون مبالغ باهظة قيمة قطعة عملة صدئة مثلا لأنها نادرة، ولذا يظل الهدف الأسمى لهواة جمع العملة أو تجَّارها هو السعي خلف كل ما هو نادر من العملات التاريخية.

وعن تجارة العملات وأسعارها، يقول محمود رمضان، وهو بائع عملات قديمة بمنطقة وسط القاهرة: العملات عموما لا تتقيّد بأسعار ثابتة، ولكن تخضع للعرض والطلب، وندرة العملة أو كثرة المعروض منها وأيضا المفاوضات بين التاجر والزبون، لكن هناك أسعارا متعارفا عليها لبعض العملات، مثل جنيه الملك فاروق الذي يباع بخمسين جنيها، وجنيه السلطان فؤاد الذي يحمل صورة الجمل يُباع بخمسمئة جنيه، وجنيه السلطان حسين كامل يُباع بألف جنيه، والعشرة جنيهات الورق التي ترجع إلى عصر السلطان فؤاد ثمنها ألف وخمسمئة جنيه، والشلن الورق للملك فاروق يُباع بمئتي جنيه، والبريزة الكرنك بمئة جنيه، والخمسون قرشا التي تحمل صورة مجموعة من الجمال بمئتي جنيه، والبريزة التي تحمل اسم السلطنة المصرية أيام السلطان حسين كامل ثمنها مئة جنيه، أما المئة جنيه التي صدرت أيام السلطان عبدالحميد ثمنها عشرة آلاف جنيه.

زبون العملات القديمة والنادرة له طابع خاص، لأنه هاوٍ لها وعلى دراية بأنواع العملات وتاريخ إصدارها وندرتها وأسعارها

ويضيف: هناك أيضا نوع آخر من العملات التي يتداولها هواة جمع العملات القديمة، وهي العملات التذكارية التي تصدرها الدول في المناسبات الوطنية الهامة أو للاحتفاء ببعض الشخصيات البارزة في تاريخ الدول، مثل “بريزة” الملك فاروق التي تُباع بخمسين جنيهاً، و”بريزة” السلطان حسين كامل التي تُباع بنفس الثمن أيضاً، وجنيه الرئيس جمال عبدالناصر المصنوع من الفضة ويُباع بخمسين جنيهاً، وجنيه السادات بخمسة وعشرين جنيهاً، وجنيه أم كلثوم بخمسين جنيهاً، بينما يُباع جنيه عبدالحليم حافظ بأربعين جنيها.

إلى جانب هذه العملات، هناك عملة نادرة يصعب العثور عليها بسهولة في سوق العملات النادرة، وهي “جنيه إدريس الفلاح” الذي يُباع بألف جنيه، وهذه العملة لها قصة يرويها لا مجدي إبراهيم، تاجـر عملات قديمة بمنطقة خان الخليلي: إدريس الفلاح شخصية حقيقية، وهو واحد من عامة الشعب قابله السلطان فؤاد بالمصادفة وتحدث معه، فتنبأ إدريس له بأنه سيصبح ملكا للبلاد، فوعده السلطان إذا تحققت نبوءته أن يضع صورته على الجنيه، وبالفعل نفّذ السلطان وعده وأمر بصك هذه العملة النادرة.

وإلى جانب العملات المصرية والتذكارية، هناك أيضا العملات العربية والأجنبية، ومن هذه العملات ورقة فئة الخمسة وعشرين دينارا عراقيا وتُباع بعشرين جنيها، والدولار الأميركي الصادر عام 1922 بمئتي جنيه، والفرنك الفرنسي الذي صدر في عام 1907 بخمسين جنيهاً، وإلى جانب هذه العملات، تُباع مجموعة من العملات المعدنية الصغيرة، وتُباع الواحدة منها بجنيه واحد.

وعن طبيعة سوق العملات النادرة، من حيث العملات الأكثر تداولاً ونوعية الزبائن، يقول محمود عبدالحافظ، بائع عملات قديمة: كل سلعة لها زبون يطلبها ويبحث عنها، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع كما يقولون، ولذلك نجد أن لكل نوعية من العملات سواء المصرية أو العربية أو الأجنبية أو التذكارية، الزبون الذي يأتي للبحث عنها ويسعى إلى اقتنائها، ولكن عموماً تأتي العملات المصرية في مقدمة العملات التي تحظى بالطلب.

تجارة العملات القديمة تجارة عالمية، لذلك تم تكوين رابطة دولية يقوم أعضاؤها بتبادل العملات فيما بينهم

أما بالنسبة إلى زبون العملات القديمة والنادرة، فهو زبون له طابع خاص، لأنه هاوٍ لها وعلى دراية بأنواع العملات وتاريخ إصدارها وندرتها وأسعارها، ولذلك غالبا ما تجد زبائن على علاقة شخصية بالتاجر، نتيجة لترددهم المستمر عليه لمتابعة سوق العملات وتطوراتها، وزبائن العملات لا تقتصر أعمارهم على فئة عمرية معيّنة- كما يؤكد فتحي رمضان- لكن هواية جمع العملات القديمة تجتذب كل الأعمار، وأيضا ليست هناك جنسية معينة، فإلى جانب المصريين هناك الإخوة العرب الذين يتميّزون بعشقهم الشديد للعملات النادرة، ويبحثون عنها باهتمام شديد، وبالطبع هناك زبائن أجانب، وأغلب هؤلاء يكون من الروس أو الصينيين الذين اشتهروا في العالم أجمع بولعهم الشديد بكل ما هو قديم وتاريخي.

وعن السوق العالمية للعملات، يقول محسن الخضيري، الخبير الاقتصادي: هناك بالفعل عملات نادرة، مَن يجدها يصبح كمن عثر على كنز أو “فتحت له طاقة القدر” كما يقولون، مثل الجنيه الذي يحمل صورة الجملين وتبلغ قيمته مئه ألف جنيه، وأيضا ريال السلطان فؤاد ويُباع بأربعين ألف جنيه، وهناك الكثير من المغامرين هواة العملات أو العاملين فيها، يبحثون عن هاتين العملتين على أمل العثور عليهما، ويرجع سبب ارتفاع ثمن العملتين إلى ندرتهما، وكذلك إلى ترويج خرافة تشير إلى قدرتهما على شفاء بعض الأمراض، ممّا أدى إلى اختفائهما من السوق تماما.

تجارة العملات القديمة هي تجارة عالمية تنتشر في جميع أنحاء العالم، ولذلك تم تكوين رابطة دولية يقوم أعضاؤها بتبادل العملات فيما بينهم، كما يُعقد لها معرض سنوي بمصر، إلى جانب العديد من المعارض في الدول المختلفة، وعلى الرغم من انتشار هذه التجارة، إلا أنها تحتاج وجود خبراء متخصصين لكشف المزيّف منها، بعد أن ظهرت حالات تزوير كثيرة في هذا المجال، نتيجة لعدم توفر عناصر الأمان في العملات القديمة كما يحدث حاليا.

12