سوق القيصرية في الأحساء يستعيد مجده وعمارته الفريدة

تزخر محافظة الأحساء بعدد وافر من الأسواق الشعبية القديمة التي تعد جزءا من تاريخها، وتشكل أحد عناصر الجذب السياحي الحيوية لها، خاصة مع كونها تحتفظ بصبغتها القديمة، بالإضافة إلى أنها متنوعة وجامعة لكل ما هو قديم وموروث، حيث يجد المتسوق فيها كل ما يبحث عنه من البضائع الشعبية والتراثية النادرة.
الأربعاء 2018/01/31
تسوق وسياحة في أروقة التاريخ

الأحساء(السعودية) - تتعامل أمانة الأحساء مع سوق القيصرية كأحد أهم عناصر الجذب السياحي للمنطقة، فضلا عن الثقل التجاري، وهذا الأمر يتضح من تبني الأمانة برنامجا تطويريا للمنطقة المحيطة بالقيصرية، وإثرائها بالرموز المعمارية الداعمة لهوية المكان المعمارية والحضرية، ومن تلك الرموز إعادة بناء جزء من سور الكوت ودروازة الكوت (باب الفتح) ودروازة الحداديد، وغيرها من المعالم ذات القيمة البصرية اللازمة للجذب السياحي.

وحرص المجلس البلدي بالأحساء مؤخرا على تمكين شريحة من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة من الاستفادة من ارتياد هذا السوق من خلال تهيئة الأرضية المناسبة لهم.

ويشكل سوق القيصرية الشعبي التاريخي أحد أهم العناصر التي يتكوّن منها الوسط التاريخي لمدينة الهفوف، وقد نال في السنة الماضية المركز الثاني بجائزة التراث المعماري لمنظمة المدن العربية.

ويرى بعض المؤرخين أن عمر القيصرية قد يناهز ستة قرون، ليصبح شيخ الأسواق الشعبية في الساحل الشرقي ومنطقة دول الخليج، لكن تصميمه المعماري تشكل في العهد العثماني عام 1822، وهو عبارة عن صفوف مِن المحلات الصغيرة والمتقاربة تقع في ممرات مُغلقة، ومسقوفة وفق الطراز المعمول بِه في تركيا وبلاد الشام والعراق قديما.

مقصد للتجار الخليجيين من الدول المجاورة

والقيصرية التي نراها اليوم هي بناء حديث شُيّد مكان السوق القديم الذي تعرض لحريق هائل سنة 2001، الحريق الذي ترك في نفوس الأحسائيين حسرة بالغة، فلهم فيه ذكريات وحكايات تربطهم بجميع المناسبات وخاصة في شهر رمضان والأعياد، إذ لا تكتمل الفرحة بالمناسبة إلا بالتسوق من سوق القيصرية وقضاء ليلة العيد بالتجول في ممراته المزدحمة وشراء جميع الاحتياجات من ملابس وألعاب.

وفي أواخر عام 2013 افتتحت أمانة منطقة الأحساء السوق مرة أخرى بشكل كامل بعد 12 عاما مِن اندلاع الحريق بِه، حيث ظهر بطرازه المعماري التراثي وبالمواد نفسها المستخدمة سابقا، مع الحفاظ على تصميمه السابق، وبحلة جديدة عصرية لا تخلو من النفحة القديمة، كما أضيفت له بوابة مركزية لاستقبال الضيوف.

وقال المهندس فهد الجبير باحث ومتخصص في التراث، إنه تم تصميم سوق القيصرية الجديد بنفس الخطوط الرئيسية للسوق القديم، ويمتد شارع السوق من ”دروازة الخميس” في الهفوف وحتى دوار البلدية القديم، مشيرا إلى أنه تمت مراعاة الدقة والعمران الأحسائي في عملية بناء السوق.

ويحتوي السوق على 422 محلا توزعت بين جزأيه الرئيسيين، حيث الأعمدة والأبواب الخشبية المقسمة لثلاث قطع، يعلق عليها الباعة بضائعهم.

وتباع في السوق جميع الحاجيات الشعبية، كما تفوح منه روائح البخور والأعشاب، بجانب توفر الأرز الأحسائي المعطر المعروف لما له من قيمة غذائية عالية، والعديد مِن المنتجات التقليدية التي لا توجد إلا في هذا السوق، إضافة إلى الحناء والتوابل والعطور والكثير مِن منتجات منطقة الأحساء الخاصة، أو حتى التي كانت تُباع في السوق أو المستوردة مِن الهند والبحرين وغيرهما.

ويتوافد على السوق زوار من مختلف مناطق المملكة، كما نقل السوق التاريخي العادات والإرث التقليدي عن طريق الحرف اليدوية والمهنية.

طراز معماري قديم متجدد يجذب السياح

وكان السوق قديما يضم النحاسين الذين يصنعون الدلال ويقومون بربابتها، كما كان يوجد قسم كامل يدعى سوق الشيوخ أو سوق البشوت الأحسائية الشهيرة وهو ما انحسر اليوم.

وكانت القيصرية تاريخيا تضم مجموعة أسواق في سوق كسوق الحريم أو (البدو) حيث تباع الملابس المخاطة يدويا، إلى جانبها ثمة سوق “الحواويج” وهو سوق للعطارة وبيع الأعشاب والأدوية الشعبية، ثم سوق النحاسين وصناع ركائب الإبل والجياد.

وكان يمثل أهمية كبرى لدى كبار السّن الذين لا يلبسون إلا الثياب المحاكة، أمَّا بعضهم الآخر فكان يشتري ثيابا مخاطة بالماكينة التي جلبت إلى الأحساء في الخمسينات من القرن الماضي. وحياكة البشوت الحرفة التي عرفت بها الأحساء منذ عقود والتي اشتهرت على امتداد الوطن العربي منذ القدم بالبشت الأحسائي، الذي يطلب بكثرة خاصة من الأمراء والوزراء والعلماء ورجال الأعمال ووجهاء المنطقة ودول الخليج في دلالة على جودته ونوعيته التي ميزته عن بقية الصناعات المحلية والعربية والأجنبية.

ويشكل السوق مقصدا لتموين العديد مِن الدول الخليجية المجاورة نظرا لقربها من الأحساء، مِن الأرز والتمور الأحسائية الشهيرة، حيث تعد الأحساء أكبر واحة في العالم لزراعة النخيل، كما يضم السوق محلات العِطارة التي تبيع الحلبة والسدر والجريش وحبة البركة ودواء النزر والمرة.

ولهذه الأسباب يستحق هذا المعلم العمل الدؤوب بالعناية به وتطويره ليستمر عطاؤه يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل، وتعكف الأمانة بصورة مستمرة على دراسة السبل والإمكانات المتاحة لتعزيز المكانة الاقتصادية والتاريخية للقيصرية.

20