سوق المجاملات والتدهور

مشكلة شيوع النفاق والمجاملات تكمن في تفشي الشلليّة وغياب النقد الحقيقي المجرد عن الهوى، وقلة الفرص المتاحة في الحياة الثقافية والفنية.
الأربعاء 2018/06/27
التدهور على أي حال ليس مجرد حالة اجتماعية

في مصر، بل وفي معظم الدول العربية سوق كبير للنفاق والمجاملات التي تدخل أيضا تحت باب النفاق، في مجال الفنون كما في مجالات أخرى، ولعل هذا النوع من المجاملات هو ما أفسد الكثير من الأعمال والرجال، فنحن من هواة إطلاق الأوصاف التي لا وجود لها، أي تلك التي تجافي الحقيقة على الكثير من أنصاف الموهوبين أو عديمي الموهبة من الأصل والأساس، والهدف بالطبع هو دائما تحقيق مصلحة ما من وراء إطلاق مثل هذه الأوصاف الكاذبة.

لدينا مثلا ممثلة لم تعد ممثلة، وسيناريست لا يكتب السيناريوهات، لكن البعض لا يتورّع عن وصف الممثلة السابقة بالفنانة الكبيرة، والسيناريست الفاشل المتقاعد اضطراريا بالسيناريست المرموق وأحيانا أيضا بالمخرج والمدير والمناضل والثوري الكبير.. إلخ، خاصة عندما تكون الممثلة أو السيناريست الفاشل في خدمة السلطة وتحت أمر الأجهزة، فالمنافق المتملّق يتصوّر أنه يمكن بنفاقه الوصول إلى مكان ما قرب السلطة أيضا.

وتكمن مشكلة شيوع النفاق والمجاملات في تفشي الشلليّة وغياب النقد الحقيقي المجرد عن الهوى، وقلة الفرص المتاحة في الحياة الثقافية والفنية، أقصد قلة فرص الظهور والانتشار التي يبحث عنها الكثيرون، وخاصة الظهور الإعلامي، فالساحة قد أصبحت قاصرة اليوم على كل من ينافق ويداهن ويمتدح ويراهن على “الرسمي” المعترف به من قبل الأجهزة، والإعدام المدني نصيب كل من يفكر في الخروج من المستنقع والنأي بنفسه عن واقع آسن لم يعد ينتج سوى كل ما هو متدن في مجال الفنون والثقافات.

وفي واقع كهذا أصبح من يدركون الحقيقة مدمنين على البكاء على الماضي، واستدعاء التفوّق الذي كان، والريادة التي تلاشت – ليس فقط بسبب ظهور منافسة قوية من أطراف كانت غائبة تماما أو مغيّبة أو يتم ازدراؤها واستبعاد قدرتها على التنافس من الأصل- بل أساسا، نتيجة تفشي مرض “عبادة الذات” والإفراط في النرجسية والتغني بامتلاك قدرات خاصة لم يعد لها وجود، مع إهمال التطوير والخروج من الأطر التقليدية المكرّرة العتيقة والبحث بشجاعة عن التجديد حتى لو اصطدم بالقوالب القائمة التي تعادي التطوّر والتجديد بطبيعتها.

وفي فترة احتقان سياسي مزمن، أصبح يمكن بكل سهولة اليوم اتهام أي باحث عن طريق آخر خارج “الحظيرة” بالانحراف عن قيم وثوابت المجتمع وتبني خطاب التحريض والرفض والكراهية، وربما أيضا الضلوع في تنظيمات الإرهاب الدولي!

صمت الناقد الذي يفهم ويدرك الفرق بين الغث والثمين، وبين الصالح والطالح، أو اغترب في الداخل أو في الخارج، فخارج حظيرة المؤسسة ليس من المسموح بوجود المبدع المستقل، خاصة لو كان له صوت نقدي، يمكنه أن يكشف ويعري ويفضح التخلف ومؤسسات الترويج للخرافة: الدينية والثقافية، وفكرة أنه ليس في الإمكان أبدع ممّا كان، في حين أننا وصلنا منذ زمن بعيد إلى أنه لم يعد في الإمكان أبشع ممّا كان!

أصبح الآن كل صحافي فشل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة مذيعا تلفزيونيا ألمعيا يصدع دماغنا ليلا ونهارا بهُراءات لا تتوقف، وأصبحت الممثلة التي تجاوزها الزمن وانتهت صلاحيتها فيزيائيا ومهنيا، مذيعة تصدح في برامج “التوكشو” المتدنية التي تروّج للتفاهة، وأصبح أي شخص يبحث عن دور ويمتلك بعض العلاقات “الخاصة” رئيسا أو مديرا لمهرجان فني من تلك المهرجانات السيّئة السمعة التي تحضرها بانتظام وإصرار نفس الوجوه العتيقة الفاشلة من شلل التطبيل الصحافي من آكلي اللحوم والطيور على موائد اللئام، وأصبح نجوم العصر هم أشباه الكتاب الذين يسودون الصفحات في الصحف العامة بمقالات النفاق والتطبيل لكل من يتوسّمون فيه القدرة على “الدفع” و”التمكين” و”التصعيد” و”التلميع”.

التدهور على أي حال ليس مجرد حالة اجتماعية، بل مرض له أعراضه وسماته الخاصة، كما أن له أيضا علاجه الجراحي الفعّال، أي بتر العضو الفاسد قبل تفشي المرض في الجسد وإصابته بالشلل، ولكن هل لدينا من يقدر على هذا العلاج؟

16