سوق "المنصف باي" في تونس فضاء يغرق بالسلع المهربة

باتت التجارة الموازية أو ما يعرف بظاهرة التهريب خطرا يستشري في الاقتصاد التونسي وأزمة تستدعي حلولا سريعة في خضم ما تمر به تونس من صعوبات اقتصادية وتحديات سياسية، حيث يلجأ المواطن إلى أسواق توفر سلعا مهربة بأسعار منخفضة بعد أن أرهقه غلاء المعيشة. ويعد سوق المنصف باي بالعاصمة ملاذا للمواطن غير أنه مربك لدور الحكومة العاجزة عن محاربة آفة التهريب والاقتصاد الموازي.
الأربعاء 2016/10/12
الجودة موضوع السؤال

تونس- يشهد سوق المنصف باي في العاصمة التونسية إقبالا كبيرا من المواطن التونسي طيلة أيام الأسبوع، غير أنه يلقى إقبالا مكثفا أيام الآحاد لما يوفره من مواد وسلع ومستلزمات يومية بأسعار منخفضة. ومنذ ساعات الصباح الأولى تفتح أبواب سوق المنصف باي، وهو من أكبر الأسواق اليومية في تونس وتتوفر به أغلب المنتوجات للمتسوقين الذين يهبّون من كل الجهات لاقتناء حاجياتهم والظفر بأجود المنتجات الاستهلاكية من تجهيزات منزلية وإلكترونيات وملابس ومواد غذائية بأقل الأسعار.

ويقول حاتم المولدي، وهو مواطن يتبضّع من سوق المنصف باي بصفة دورية، لـ”العرب” إنه “يقبل على الإلكترونيات دون تردد، فالأسعار مناسبة والجودة مضمونة، ولا أجد اختلافا عند مقارنتها بمنتجات المؤسسات التجارية الكبرى التي تعرض ماركات عالمية”. ويكتظ هذا السوق الشعبي طيلة أيام الأسبوع بسلع مستوردة من الصين ومن دول شرق آسيا، تهرّب عادة من ليبيا ولا يزاحمها من السلع الوطنية سوى سوق للحيوانات يلقى بدوره إقبالا ملفتا للمواطن التونسي يوم الأحد، وهو يوم عطلة نهاية الأسبوع.

تعدد المنتوجات بسوق المنصف باي يعود إلى انتشار آفة التهريب

ويعتبر المواطن حسين البريني أن “أسعار المنتوجات التي تعرض في المنصف باي تغريه باقتنائها، كما أنه يستمتع بالتنوع في المواد المعروضة، إضافة إلى أن الفضاءات الكبرى تغلق أبوابها الأحد، ما يستدعي الإقبال على المنصف باي بصفة أكبر”، ويضيف البريني أن “أسعار المنتوجات المعروضة في الفضاءات التجارية الكبرى مبالغ فيها وديكور الفضاءات لا يعني بالضرورة جودتها العالية”.

وترى منية قيتني، القادمة من مدينة سبيطلة (وسط)، “أن غلاء الأسعار بالفضاءات الكبرى بالعاصمة يرهق كاهل المواطن ولا يشجعه على الإقبال عليها نظرا إلى تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الأسر التونسية”، وتضيف أن “نقص المنتوجات في الجهات يشجع على الإقبال على سوق المنصف باي الذي عرف بتنوع سلعه وذيوع صيته”.

ويعتقد الخبير الاقتصادي رضا بن محمد في تصريحه لـ”العرب” أن “الارتفاع المشط والمتواصل لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وغيرها من المنتوجات لا يشجع المواطن التونسي على اقتناء منتوجات الأسواق النظامية والفضاءات الكبرى، فالمواطن التونسي صاحب الدخل المحدود لم يعد قادرا على مجاراة نسق الأسعار المرتفعة، فما بالك بما يعانيه ربع التونسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، فلا ملاذ لهم غير الأسواق الشعبية لاقتناء مستلزماتهم. كما أن المنتوجات المعروضة في الفضاءات الكبرى فقدت جودتها وفقدت ثقة المستهلك الذي بات يفضل منتوجات بأسعار منخفضة بسبب تدهور قدرته الشرائية”.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن “نسبة الفقر في تونس بلغت وفق الإحصائيات الرسمية المأخوذة عن البنك الدولي نحو 24.6 بالمئة خلال فبراير الماضي، وأن هذه النسبة المرتفعة تترجم إقبال المواطنين على البضاعة المقلّدة كالمنتجات الصينية التي يعتبرها أغلبهم تتلاءم مع المقدرة الشرائية للمواطن العادي الذي يتقاضى راتبا متواضعا لا يسمح له بالتبضّع من محلات تبيع منتجات محلية أو مستوردة بأسعار مرتفعة”.

آفة التهريب

وتتنوع المنتوجات المعروضة في سوق المنصف باي بين سلع وطنية ذات جودة غير جيدة وأخرى مقلّدة عن الماركات العالمية، ذلك أن أسعارها المنخفضة لا تثير الانتباه خاصة وأنها تتوفر في سوق شعبي يقبل عليه الفقراء ومتوسطو الدخل، وحتى الأغنياء أيضا لا يغيبون عن هذا السوق. ويرى خبراء اقتصاديون أن تعدد المنتوجات بسوق المنصف باي وغيره من الأسواق غير النظامية يعود إلى انتشار آفة التهريب بالسوق، حيث تصل التجار البضاعة المطلوبة عبر الحدود الجزائرية أو الليبية. والمنتجات الموازية التي تغرق بها الأسواق هي منتجات لا تخضع للأداءات الضريبية ولا للمواصفات الصحية، ويلاحظ الخبراء أن في انتشارها استفحالا واضحا للاقتصاد الموازي بالبلاد، إضافة إلى المضار الصحية للبعض من المواد الغذائية والتجميلية.

ويعتبر التاجر أمين بن عمر أن “الدولة على علم بكل المواد المتوفرة بالسوق وأن سوق المنصف باي نظامي وركيزة هامة في التجارة التونسية وأن السلع المهرّبة تتجاوز في أحيان كثيرة حجم البضائع المتداولة في السوق المنظمة وتلقى رواجا لدى المستهلكين التونسيين بسبب تدهور مقدرتهم الشرائية وعدم قدرتهم على توفير جميع مستلزماتهم، وأيضا نظرا لعدم الاختلاف في الجودة مقارنة مع سلع المؤسسات الكبرى، ما يجعل الإقبال على السوق مكثفا”.

بضائع مختلفة من بلدان متعددة

ويكشف وليد سبيبة (تاجر) أن أزمة البطالة وحرمان فئة كبيرة من الشباب من العمل في القطاع العام يدفعانه إلى الالتحاق بالتجارة الموازية، فجلب سلع مهرّبة وبيعها للمواطن بأسعار منخفضة يمنحانه فرصة العمل. حيث أن ذلك يحقق أرباحا للطرفين، لأن الدولة لا تستطيع الاستغناء عن السوق ولن تكون الحلول إلا في إطار الاحتواء والتقنين.

ويرى رياض حبوبي، وهو تاجر في الإلكترونيات، أن “التهرّب من دفع الأداءات لا يشمل تجار سوق المنصف باي بل تجار الأسواق الفوضوية المنتشرة ليس فقط بالسوق بل في كل شوارع العاصمة تقريبا، حيث باتت منافسة لنا، إغراق السوق بالسلع الأجنبية مرده المنافسة المحتدمة”. ويتجاوز الاقتصاد الموازي نسبة 54 بالمئة من معاملات الاقتصاد الوطني، بحسب ما أكده بشير بوجدي، عضو المكتب التنفيذي بمنظمة الأعراف، مكلف بملف التهريب والتجارة الموازية والفوضوية في تصريحه لـ”العرب”.

وأوضح بن جدي أن “ملف التجارة الموازية يؤرق الدولة ومنظمة الأعراف، فتفشي هذه الظاهرة يؤثر سلبا على هامش المرابيح المرجوة، وأن الدولة تحاول محاربتها والتصدي لها بالبحث عن حلول مجدية لتنظيم الاقتصاد الوطني والحد من تغول التجارة الموازية”. وشدد بن جدي على ضرورة توعية المواطن بأن “انخفاض الأسعار بسوق كسوق المنصف باي سببه عدم دفع الأداءات للكثير من المنتوجات المهرّبة وأن ارتفاع الأسعار بالفضاءات التجارية العامة يعود إلى واجب الأداء الضريبي”.

وتعتبر قطاعات التبغ والملابس والأحذية والأجهزة الكهربائية والمنزلية والغلال والفواكه الجافة، القطاعات الأكثر إضرارا بالأسواق التونسية، حيث يلاحظ توفرها بكثرة في سوق المنصف باي. ويشتكي تجار تونسيون من ركود سلعهم بسبب غزو السلع المقلّدة والرخيصة للأسواق التونسية، موضحين أن أسواقا شعبية مثل سوق المنصف باي، وسط العاصمة، تعكس آفة استفحال الاقتصاد الموازي.

ولم تكن ظاهرة التهريب والتجارة الموازية وليدة الثورة ونتيجة لحالة التراخي الأمني عقب 14 يناير 2011، وفق مراقبين، إذ أن تهريب مختلف البضائع الاستهلاكية كالمواد الغذائية والأجهزة الإلكترونية والبنزين كان يجري على مرأى ومسمع من السلطات التونسية التي كانت في الماضي تغض الطرف عن هذا النوع من التجارة الموازية.

ورغم دعوة كل من وزارة التجارة والصناعات التقليدية والفلاحة والصحة وأيضا الداخلية والصحة العمومية كافة المنتجين والتجار ومسدي الخدمات، بضرورة احترام مسالك التوزيع القانونية في ترويج منتوجاتهم، إلا أن خرق القانون بات أمرا عاديا واعتياديا لنسب كبيرة من التجار، وهو أمر خطير يهدد الاقتصاد الوطني مباشرة.

وجهة تجارية للفقراء والأغنياء

ويرى خبراء اجتماعيون أن ارتفاع نسبة البطالة والأزمة الاجتماعية التي تعيشها تونس من تداعيات استفحال هذه الظاهرة، حيث يفضل العاطل عن العمل أن يخوض معترك التجارة الموازية لعدم تمكن الدولة من توفير فرص عمل أو استيعابه بسوق الشغل. وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من تنامي الاقتصاد الموازي في تونس، حيث أظهرت إحصائيات للبنك العالمي أن نحو 54 بالمئة من اليد العاملة تنشط في القطاع الموازي، ما يجعل مكافحة تلك الأنشطة صعبة.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن السوق الموازية تخلق نوعا من المنافسة غير المتكافئة وغير الشرعية، وهي منافسة قوية مدمّرة لنسيج المؤسسات الصغيرة، بالنظر إلى أنها لا تتحمل أي أعباء جبائية، على عكس المؤسسات المرخص لها والخاضعة لنظام الجباية، ما يستدعي ضرورة التوصل إلى حلول سريعة لمحاربتها.

التوجه نحو التقنين

يرى الخبير الاقتصادي رضا بن محمد في تصريحه لـ”العرب” أنه للتصدي لهذه الظاهرة تجب تسوية وضعية تجار الأسواق الموازية الجبائية والاجتماعية والجمركية، وتمكينهم من التوريد في إطار احترام القوانين والمحافظة على الصحة والجودة، وضرورة إيجاد أنشطة اقتصادية بديلة للجهات والمناطق التي تعيش على الاقتصاد الموازي.

ويضيف بن محمد أن الدولة مجبرة على اتباع سياسة التقنين، لأنها، من وجهة نظره، خيار يستطيع أن يستوعب هذه الأزمة، حيث تمكنت دول عديدة من محاربة آفة التجارة الموازية بالاعتماد على هذه السياسة، ويتابع قائلا “التجربتان الفرنسية والجزائرية مثالان يقتدى بهما لإقحام السوق الموازية صلب التنمية الاقتصادية، ووجب القيام بدراسة عاجلة لخيار التقنين، كما يستوجب الضغط على الأسعار لكسب ثقة المواطن في منتوجاته والعودة إلى فضاءاته”.

ويقترح الخبير الاقتصادي، كحلول أخرى لهذه المعضلة، ضرورة التشجيع على الاستثمار العربي، وتسهيل الإجراءات الإدارية لبعث المشاريع الاقتصادية، ومحاربة ظاهرة تهريب البضائع على الحدود، والإكثار من الدوريات والحملات المنظمة على كامل السنة، وبعث أسواق مشتركة تشمل البلدان المغاربية وعلى حدود هذه البلدان، وتسهيل عمليات مبادلاتها التجارية.

20