سوق النحاسين بطرابلس يسترجع بريقه

سوق النحاسين بمدينة طرابلس اللبنانية عراقة ثمانية قرون تواجه العديد من التحديات للبقاء ومهارة النحاسين في الرسم والنقش انتقلت بها من المطابخ إلى تزيين الصالونات.
الخميس 2018/03/15
مقاومة الاندثار

طرابلس (لبنان) – لم يكن سوق النحاسين في طرابلس، شمالي لبنان، يحتاج يوما إلى من يدل عليه أو يحدد موقعه، منذ نشأته قبل 800 عام، ففرقعة النحاس وأصواتها تعلو في كل مكان لتصل إلى جميع الأسواق المحيطة به، معلنة عن ورشة عمل لا تهدأ لتوفير كل ما يحتاجه الناس من مستلزمات الحياة اليومية آنذاك.

ويعد سوق النحاسين واحدا من أشهر الأسواق في طرابلس، يعود تاريخه إلى عهد المماليك، إلا أن إشعاعه بدأ “يتراجع” حاليا.

ولعل أهم ما يميّز هذه المهنة هو جمعها بين الفن والصناعة، إذ أنها تمتاز بـ”نقشات” جمالية تضاف إلى جودة المصنوعات.

ويمتد السوق على مساحة 500 متر من “حمام عزالدين” إلى محلة “التربيعة” ومنها إلى السراي العتيقة.

ويعتبر السوق بمثابة الحد الفاصل بين سوق البازركان ومحيطه، وبين خان الخياطين والأحياء التي تؤدي إلى سوق حراج وبركة الملاحة.

وتعرّض السوق لتغيّرات منذ كارثة طوفان نهر أبوعلي في خمسينات القرن الماضي، أدت إلى تقسيمه إلى نصفين وفتح الطريق أمام السيارات، إلى جانب ما سببته الحرب الأهلية (1975 - 1989) من تهجير المحترفين وغزو السوق من البضائع المستوردة واستبدال الزبائن الأواني النحاسية بالستانلس وغيرها من المعادن.

يعد سوق النحاسين تحفة تاريخية وواحدا من أعرق الأسواق وأكثرها شهرة في مدينة طرابلس اللبنانية، ولطالما كان نقطة جذب للبنانيين والسياح العرب والأجانب، غير أن بريقه بدأ “ينطفئ” حاليا، وبات الأمل الوحيد في انتقاله بفضل مهارة الصناع في النقش من المطابخ إلى تزيين الصالونات

غير أن قيمة الأعمال النحاسية عادت بعد رفع مستواها لتنتقل من المطابخ إلى الصالونات، فأضحت الأواني والأراكيل والمناقل والطناجر والتحف النحاسية وغيرها “زينة” تتفاخر ربات المنزل بجودتها وقيمتها المادية.

وتمكنت بعض العائلات الطرابلسية من تطوير مهنة صناعة النحاس، فتحول سوق النحاسين إلى تحفة تاريخية جذبت اللبنانيين والسياح العرب والأجانب. وشكلت مهارة النحاسين في الرسم والنقش علامة فارقة في الصناعة اللبنانية.

وقال محمد طرطوسي أحد أصحاب محل نحاس، والذي ورث المهنة عن أجداده، إن صناعة النحاس هي فن قائم بذاته ويحتاج إلى حرفية عالية وذوق رفيع وقدرة جسدية كبيرة.

وأضاف أن سوق النحاسين كان من أروع الأسواق في طرابلس، ينبض بالحياة والحيوية، أخذ اسمه نسبة لهذه الصناعة التي كانت موجودة فقط في هذا السوق.

وتابع “أما اليوم فقد تغيرت معالمه، خصوصا بعد المستجدات التي دخلت عليه من شق طرق وغيرها”.

ولفت إلى أن سوق النحاسين كان من أكبر الأسواق، يضم العشرات من المتاجر، ويمتلئ بأجمل النحاسيات من الحلل والصواني و”الصدور” والتحف الفنية والطناجر و”الركاوي” وكل ما يتطلبه المنزل.

وأشار إلى أن السوق يعاني اليوم من مشكلات عدة تعود في معظمها إلى ضيق مساحته من جهة وقلة تنظيمه من جهة أخرى.

ويعتمد السوق في المواد الأولية المستخدمة في الصناعة على مواد خام مستورة من البلقان (جنوب شرق أوروبا)، ومؤخرا دخلت تركيا على خط استيراد هذه المواد نظرا لجودتها وسعرها المقبول.

وأوضح طرطوسي أن هذا السوق يعتبر من الأسواق العائلية، حيث أن أبرز العائلات التي تداولت هذه المهنة هي آل طرطوسي، عزّو، طلحة وحسون.

صناعة النحاس فن قائم بذاته يحتاج إلى حرفية عالية وذوق رفيع وقدرة جسدية كبيرة

إلا أن تلك العائلات لم تصمد طويلا في السوق ما عدا آل طرطوسي الذين حافظوا على هذه المهنة وتوارثوها جيلا بعد جيل، وفقا لطرطوسي.

وأعرب عن خشيته من أن يندثر هذا السوق، خصوصا بعد أن دخلت ظاهرة صناعة الستانليس وغيرها من المواد إلى الأسواق.

وتابع “حركة السوق تراجعت اليوم، فبعد أن كان خلية نحل دائمة لناحية عملية التصنيع والبيع، أصبحنا اليوم نعاني الأمرين للحفاظ على مورد رزقنا”.

وأكد أن ما فاقم الأزمة هو تراجع أعداد السائحين والذين كانوا يحرصون دائما على زيارة هذا السوق العريق لاقتناء النحاسيات المميزة.

وعن الأسواق التي يستهدفها صناع سوق النحاسين، أشار طرطوسي إلى أن منتجاتهم تتوجه إلى الأسواق المحلية والخليجية، وهي أبرز المستوردين. وختم بأنه يتعين الاهتمام بكافة الأسواق الطرابلسية، لأنها تشكل قلب المدينة وتاريخها وحضارتها.

20