سوق النحاسين في القيروان بلا نحاس مطروق

باتت العديد من المهن التراثية مهددة بالاندثار في عاصمة الأغالبة القيروان التي اشتهرت بصناعة السجاد والأحذية الجلدية والأواني والتحف النحاسية، وذلك بسبب غلاء المواد الأولية ونقص القدرة الشرائية لدى المواطن التونسي وتراجع عدد السياح الذين يزورون المدينة.
الجمعة 2016/03/04
تحف تنتظر من يشتريها

القيروان - إذا كانت مدينة القيروان قد اشتهرت بصناعة السجاد أو ما يعرف محليا باسم الزرابي، فإن صناعة النحاس التقليدية فيها لا تقل أهمية وعراقة.

ففي سوق النحاسين كانت طرقات الحرفيين تشبه الموسيقى العسكرية، وتعطي للسوق خصوصيته مع زحمة المارة خاصة من النساء والفتيات اللاتي يأتين لتجهيز بيوتهن بأواني المعدن الثمين، لكن اليوم تواجه هذه الصناعة مصاعب كثيرة أمام غزو الصناعات الصينية رخيصة الثمن.

وبطرقات الحرفيين المهرة يتحول معدن النحاس الخام إلى تحف فنية مختلفة الأشكال والألوان، فيتلون النحاس بين أحمر وأصفر والنحاس المغطس، كما تتم صيانة الأواني النحاسية القديمة وتلميعها لتستعيد بريقها.

وترتكز صناعة النحاس في القيروان بالخصوص على صنع مواد عملية للحياة اليومية أو لتجهيز العروس من الأواني المنزلية التي تستعمل في المطبخ ولوازم الحمام، إلى جانب المنتوجوات الأخرى للزينة أو المخصصة للترويج السياحي كالأطباق المنقوشة ورمادات السجائر التي يكتب عليها النقاشون أسماء للذكرى.

وأخذت أعداد الحرفيين والمحلات تتناقص في سوق النحاس بالقيروان، الذي كان يحتوي على 35 متجرا، وأكثر من 300 حرفي مباشر في اختصاص النحاس المطروق بالقيروان، بسبب غلاء المواد الأولية وتراجع السياحة، وأصبح السوق يعاني من الركود إلا في شهر رمضان حيث تقبل العائلات القيروانية على شراء الأواني النحاسية بالمناسبة.

يشكو القطاع من بعض الصعوبات، منها شح المواد الأولية وصعوبة التسويق بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية وتقلص اليد العاملة المختصة
وتراجع الإقبال على الأواني النحاسية لدى العائلات القيروانية خاصة الشابة منها، بعد أن كانت تسعى إلى امتلاكها لأنها تتفوق على جميع المعادن التي تصنع منها الأواني بفضل قيمة النحاس الصحية المؤكدة من المخابر العالمية وبفضل تميزه بمحافظته على درجة حرارة محتواه، كما أنه ذو قيمة اقتصادية، نظرا لكون النحاس يحافظ على قيمته وثمنه على مرور الزمن مما جعل معظم العائلات القيروانية تتوارث الأواني النحاسية ويتم تقسيمها في التركات، لكن الفتيات المقبلات على الزواج بدأن يفضلن أواني الإينوكس وغيرها من الأواني الصينية.

وتقول صابرة المقبلة على الزواج “أحرص من حين إلى آخر على زيارة الأسواق للتبضع وشراء ما ينقصني من جهازي، وقد نصحتني أمي بشراء الأواني النحاسية لما لها من قيمة تراثية ومادية، لكني رفضت الأمر نظرا لغلاء أسعارها وثقل وزنها، كما أني أعتبر الإينوكس أكثر جمالا وجاذبية”.

وعلى خلاف صابرة فالسيدة زهرة تقف أمام دكان أحد النحاسين حاملة بيدها بعض الأواني بغرض “قصدرتها”، أي تلميعها، متحسرة على الأيام التي مضت “حين كان سوق النحاس يعج بالنسوة والفتيات المقبلات على الزواج وكانت عادة قصدرة النحاس تنتعش في المواسم والأعياد وخاصة خلال شهر رمضان، حيث تهرع نساء الحي لجلب آوني المطبخ متفاخرات في ما بينهن بامتلاكهن لهذه الأواني، أما اليوم فاندثرت تلك الصورة وصارت فضاءات التسوق الكبرى قبلة الجميع، أما النحاس فقد صار استعماله مقتصرا على غرض التجميل والتزويق”.

ودخل النحاس المطروق مؤخرا إلى المجال الأكاديمي من خلال تجربة الأستاذة الجامعية بالمعهد العالي للفنون والحرف في القيروان شعلة بلقاسم، وقد وظفت خبرتها الأكاديمية في تطوير صناعة النحاس المطروق.

الأواني المستوردة تطيح بالنحاس

ويشكو القطاع من بعض الصعوبات، منها شح المواد الأولية وصعوبة التسويق بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية وتقلص اليد العاملة المختصة. ويجتهد المتدخلون في قطاع الصناعات التقليدية للنهوض بحرفة النحاس واستقطاب اليد العاملة.

ولا يخفي الحرفيون العاملون بالقطاع استياءهم من غلاء مادة النحاس التي وصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى 18 دولارا بعد أن كان لا يتعدى الـ6 دولارات، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحمله عبئه التاجر، فضلا عن هجر أغلب الصناع والفتية لهذا القطاع.

بعض عشاق هذه الصناعة يحاولون تطوير طرق النحاس والخروج به من أواني المطبخ والاستعمال اليومي إلى استعمالات أخرى وخاصة منها الديكور، كما تم إدخال بعض التقنيات التي ربما تساهم في ضمان سرعة الإنتاج والضغط على التكلفة والأسعار.

وتمتاز مدينة القيروان بهندسة أسواقها التي تعكس عراقة هذه المدينة عبر التاريخ، حيث تحتوي على عدة أقسام يمكن اعتبار كل قسم منها سوقا بحد ذاته، مثل سوق البلاغجية حيث تصنع وتباع الأحذية والسروج، وسوق الزرابي حيث سجاد القيروان الشهير والذي يطلق عليه اسم “الزربية”، وسوق الجرابة الذي تنسج وتباع فيه الأقمشة والأغطية ولوازم صناعة السجاد، بالإضافة إلى سوق العطارين حيث تباع العطور والبخور ولوازم الأعراس، فضلا عن سوق النحاسين الذي بدأت تغزوه تجارة الأواني المستوردة من الدول الآسياوية والتي تتميز برخص ثمنها.

20