سوق بيع المناصب في أوج نشاطها تواكب تشكيل حكومة عراقية جديدة

بازار "بيع وشراء" مناصب في العراق رغم التظاهرات المنددة بالفساد.
السبت 2020/02/22
رئيس للحكومة أم حارس للبازار؟

لا يحمل العراقيون أي أوهام بشأن إمكانية أن يتخلّص النظام السياسي الذي يحكم بلدهم من سمة الفساد المتأصلة فيه بمجرّد الانتقال من حكومة عادل عبدالمهدي المستقيلة، إلى حكومة محمّد توفيق علاوي الجاري تشكيلها، وذلك لقيام النظام على جملة من الأحزاب التي تمثّل ميزانيات الوزارات وأموال الصفقات العمومية مصدر حياة لها وإثراء لقادتها، ما يدفعها إلى الاستماتة في الدفاع عن تلك المغانم متحدّية الشارع المنتفض ضدّها منذ حوالي خمسة أشهر.

بغداد - تحقّق السلطة القضائية العراقية في مزاعم قيام أطراف سياسية بعرض مبالغ طائلة لقاء بيع وشراء وزارات ومناصب في حكومة رئيس الوزراء المكلّف محمد توفيق علاوي.

ويمثّل شراء المناصب أمرا مألوفا في العراق منذ سنة 2003، لكن الاستثناء يتمثّل في تواصل الظاهرة في ظلّ أكبر موجة احتجاج شعبي يشهدها البلد منذ ذلك التاريخ للمطالبة بالتغيير الشامل والتخلّص من الطبقة السياسية الفاسدة التي أفقرت البلد وتسببت في تراجعه في مختلف المجالات، على الرغم من غناه بالنفط.

وأبلغ سياسيون عن صفقات مماثلة خلال تشكيل الحكومات السابقة، لكن البازار يعود إلى الواجهة اليوم بينما يترقّب الشارع ولادة حكومة “مستقلة” كما تعهّد رئيس الوزراء المكلّف، تلبية لمطالب التظاهرات التي سقط فيها عشرات الآلاف بين قتلى وجرحى.

وللمرة الأولى، أعلنت السلطة القضائية أنّها تجري تحقيقات مع سياسيين عراقيين حول هذه المزاعم التي رافقت ولادة الحكومات الأربع التي عرفها العراق طيلة السنوات السبع عشرة الماضية.

وبدأت التحقيقات على إثر تغريدة للمحلل السياسي إبراهيم الصميدعي، القريب من رئيس الوزراء المكلّف، قال فيها إنّ 30 مليون دولار عرضت عليه من أجل حجز وزارة لجهة معينة.

والصميدعي ليس الوحيد الذي ذكر ذلك، فقد نشر النائب كاظم الصيادي المنتمي إلى لائحة دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، تغريدة في ذات الصدد قال فيها إن وزارات العراق للبيع.

وكتب “وزارة النفط بـ10 مليارات دينار (حوالي 8.4 مليون دولار)، من يشتري؟”.

وقامت السلطة القضائية بالتحقيق مع الصميدعي، وتسعى لرفع الحصانة عن الصيادي بهدف التحقيق معه في المزاعم التي ذكرها.

وتحوم الكثير من الشكوك في استقلالية القضاء العراقي، ليس فقط عن السلطة السياسية، ولكن أيضا عن سطوة شخصيات نافذة من قادة أحزاب وميليشيات مسلّحة.

وكانت حكومة عادل عبدالمهدي استقالت على وقع التظاهرات المتواصلة منذ مطلع أكتوبر الماضي والتي رُفعت خلالها مطالبات بالتغيير في بلد خسر في 17 سنة نحو 450 مليار دولار بسبب الفساد المستشري وفقا للبرلمان، أي بمعدل 25 مليار دولار سنويا.

ويؤكّد علاوي أن حكومته ستكون مستقلّة بشكل كامل، لكن القوى السياسية لا تزال تطمع بالهيمنة على المناصب التي تدر عليها المال كجزء من موروث اعتادت عليه.

وبحسب المحلل السياسي هشام الهاشمي، فإن السياسيين يتّبعون التكتيكات ذاتها للسيطرة على المناصب على الرغم من التحركات الشعبية.

وشرح أنّ “سماسرة هذه الملفات هم من فئتين”، الأولى مكونة من نوّاب وشخصيات قريبة من سياسيين معروفين بفسادهم، تقوم بنقل “السيرة الذاتية إلى الفريق المقرّب من المسؤول مقابل مبالغ يُتّفق عليها بين الطامع بالمنصب والسمسار”.

أمّا الفئة الثانية، فهي “قادة بعض الكتل النيابية والمعروف عنهم بيع الوزارات بإحدى طريقتين، إمّا مرّة واحدة مقابل مبلغ متفق عليه، أو بيعها على أربع دفعات؛ دفعة عن كل سنة في الوزارة”.

ويعقّد هذا الأمر المفاوضات حول تشكيل حكومة علاوي، حيث أنّ الوزير أو الحزب الذي دفع مبالغ طائلة لقاء تولّيه حقيبة في نهاية 2018 لمدة أربع سنوات، لن يرحّب بسهولة بالخروج من الحكم بعد سنة واحدة فقط.

ومع خشية بعض الأحزاب فقدانها مصادر تمويلها والعقود التجارية التي تمّول بها نفسها، يسعى أحد قادة هذه الأحزاب لإقناع رئيس الوزراء المكلّف بإبقاء إحدى الوزارات من ضمن حصته.

استرجاع الوطن.. أولا وأخيرا
استرجاع الوطن.. أولا وأخيرا

وأبلغ مسؤول حزبي وكالة فرانس برس بأنّ “زعيم الحزب قال لرئيس الوزراء المكلّف إن لديه التزامات مالية في الوزارة في الوقت الحالي ولا يمكن التخلي عنها في هذه الفترة وطالبه بتوزير شخص مقرب منه”. ومن هذا المنطلق، قال مسؤول حكومي رفيع المستوى إنّ قضية تكليف وزراء مستقلين في هذه المرحلة “مجرد كذبة ولا يمكن العمل بها وسط التهافت الحزبي على الحصص الوزارية”.

وأوضح “الأحزاب قد تقبل بوزراء مستقلين لكنها بعد ذلك ستلتف حول الوزير وتقول له إنّ هذه الوزارة حصتنا، وعليك أن تلتزم بما نمليه عليك من أوامر”.

ولا تنحصر سطوة الأحزاب السياسية في منصب الوزير وحده، بل تتخطّى ذلك لتطول موارد الوزارة كلّها، خصوصا عبر السيطرة على المناصب المهمة الأخرى مثل وكيل الوزير ومدير عام الوزارة، وهي المواقع التي تمرّ عبرها أغلب التسهيلات المالية.

ففي ديسمبر الماضي، طلب النائب محمود ملا طلال استجواب وزير الصناعة صالح الجبوري في ملفات تتعلق بالفساد داخل وزارته، متهما إياه بمنح عقود لشركة تابعة له.

لكن قبل يوم من جلسة الاستجواب، قُبض على النائب نفسه، وهو رئيس اللجنة القانونية بالبرلمان، بتهمة تقاضي رشوة للتراجع عن الاستجواب، في كمين قالت مصادر إنّ الوزير

دبّره له. وحكم عليه بالسجن ست سنوات. وأكّد مسؤول في هيئة النزاهة الحكومية المكلّفة بملاحقة الفساد، أنّ أغلب الأحزاب السياسية الممسكة بالسلطة “لديها لجان اقتصادية مهمتها الحصول على العقود التجارية لصالح شركات تابعة لها”.

وتابع أنّ كل وزير حزبي “لديه مجموعة شركات تحصل على العقود الكبرى والتي عادة لا تنجز العمل الخدمي وليست لديها خبرات في مجال الإعمار، لكنّها تمنع دخول شركات رصينة لمنافستها”.

وبعد 17 عاما من الحكومات المتعاقبة، لا يزال العراق الذي يطفو على بحر من النفط، يفتقر إلى الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه النظيفة، في موازاة شبه انهيار في النظامين الصحي والتعليمي.

وتعهّد علاوي في خطابه الأول بعد التكليف بالعمل على حصر اللّجان الاقتصادية التابعة للفصائل السياسية كجزء من برنامجه الحكومي، الأمر الذي اعتبره مراقبون بمثابة تحد كبير يصعب تحقيقه.

وقال سياسي عراقي رفض الكشف عن اسمه “هناك قوى سياسية وتجارية تحاول أن تنفذ إلى الوزارات من خلال صفقات مالية”، مضيفا “البازار موجود وكبير”.

3