سوق حرة تتنقل بين عربات مترو طهران

“السيدات والسادة، أصدقائي الأعزاء، اسمحوا لي ببعض انتباهكم للحظات، اليوم أريد أن أقدم لكم فرصة تجعل أطفالكم سعداء”.. ربما تحيل هذه الكلمات إلى أحد عارضي ألعاب الخفة على المسرح أو برنامج تلفزيوني، لكن الحقيقة غير ذلك، إنها كلمات متحايلة لصبي الـ12 ربيعا والذي يبيع أشياء كأجهزة كمبيوتر والأقلام والآلات الدقيقة المستعملة داخل خطوط مترو طهران. لقد دفعه الفقر إلى القيام بذلك، متخليا عن خجل الصبا ومتشبعا بجرأة كان الأجدر أن تكون متوهجة داخل فصول الدراسة.
الأربعاء 2015/09/30
باعة مترو طهران المتجولون في هروب دائم من الفقر وملاحقة السلطات

طهران - يقوم العديد من البائعين المتجولين في العاصمة الإيرانية طهران كل يوم بعرض بضاعتهم المستعملة وأشيائهم الخاصة للبيع على العموم داخل عربات المترو الخفيف التي تجوب المحطات في كامل أرجاء المدينة. وكل منهم له أسلوب خاص وكلمات معتادة يقولها ليخلق إيقاعا داخل تلك العربات وليرافق الركاب لدقائق ربما تضحكهم أو تغريهم بالشراء. ولئن اختلفت كيفية تقديمهم لما يبيعونه للناس، إلا أنهم يشتركون في صفة البؤس، دون أي حراك رسمي من السلطات.

الصبي ذو الـ12 سنة يصعد في الصباح الباكر إلى عربات المترو، ليبدأ في إلقاء جمله المعتادة “بأسعار منخفضة أقدم لكم ما تحتاجونه لأطفالكم، هذه ليست مجرد أجهزة كمبيوتر محمولة عادية، إنها دفاتر سحرية، أو كما نسميها نحن الأكاديمية الفارسية لنقل الكتب المصورة، وكل دفتر يحتوي على 50 صورة مختلفة تبدأ في التحرك عند وضع هذه القطعة الصغيرة من الفيلم عليها!”. وقد تؤثر كلماته أحيانا في الركاب فيندفع البعض إلى شراء شيء ما، ولكن أمثال هذا الصبي من رجال ونساء وشابات وشبان آخرين من الباعة المتجولين، هم دائما هدف للشرطة البلدية والأمن العمومي وأعوان الدولة، فهم دائما “كالقط والفأر” مع كل من له زي نظامي، كما تقول سماح البائعة المتجولة التي لم تتجاوز عقدها الثاني.

ومنذ خريف عام 2013، يشن كل من مجلس مدينة طهران والمسؤولين على المترو حملة لإبقاء هؤلاء الباعة خارج المحطات والقطارات، وقد تم إطلاق أصوات المكبرات وتعليق اللافتات للتحذير من شراء السلع من هؤلاء الباعة، الأمر الذي جعل حدودا خفية بين الركاب والباعة من جهة وبين السلطات من جهة أخرى، فتعاطف الناس مع البائعين تجاوز مسألة التعاطف مع محتاج أو فقير، فأصوات الباعة في العربات أصبحت ترانيم يومية اختارت السلطات أن تسكتها بالقمع وليس بإيجاد الحلول.

وتقول البائعة سماح إن الشعب يدعم الباعة بشكل عام “وهو الأمر الذي لعب دورا فاعلا لدى السلطات”. ففي كثير من الأحيان يتدخل الناس عندما يحاول مسؤولو المترو مصادرة البضائع، ويتصدون لهم، وتضيف قائلة “في رأيي مجلس المدينة يخاف من تطبيق مشروعه، وأعضاؤه يدركون أنهم لا يمكنهم استدعاء الأمن من أجل أمر بسيط وهين كالذي نقوم به”.

فؤاد آزادي: التجارة الهامشية غالبا ما تنتشر في الاقتصاديات الهشة والتي يكثر فيها الفساد

ويمتد خط مترو طهران رقم 1 من تجريش في الشمال إلى كهريزاك في الجنوب، وتشهد ذروة هذا الخط أقصاها في حدود الساعة الثالثة ونصف الساعة بعد الظهر، وبمجرد وصول القطار إلى محطة غالهاك ووسط حالة الاكتظاظ العارمة داخله، تتصاعد أصوات الباعة بدرجات متفاوتة ومعهودة لدى الناس لعرض سلعهم، وفي أحيان كثيرة يستغل بعض اللصوص ذلك الاكتظاظ لخطف الأشياء المعلقة في علب كرتونية صغيرة فيها البضاعة.

وعلى الرغم من أن الباعة في الشوارع تعرضوا للتشويه والتجريح من طرف مجلس مدينة طهران في السنوات الأخيرة، إلا أن العديد من الركاب يرحبون بوجودهم. ويقول علي رضا، وهو عامل في إدارة الضرائب الذي يتنقل يوميا في رحلة من محطة طالقاني إلى محطة ميرداماد “إن العروض التي يقدمها هؤلاء الباعة تجعلك تنسى عناء ركوب المترو. أنا أستمتع بالطريقة المثيرة للضحك التي يسوق بها هؤلاء الباعة سلعهم، وأحيانا يمكنني شراء بعض الأشياء، على سبيل المثال اشتريت مؤخرا مصباحا يدويا. على عكس الاعتقاد السائد، إنهم يبيعون أحيانا أشياء جيدة. إنها ليست مقلدة أو مهملة. لقد اشتريته بمئة ريال، وهو نصف ما كنت سأدفعه في أي مكان آخر”.

وتؤكد مصادر صحفية أن السلطات الإيرانية لا تسعى بأي حال من الأحوال لإصلاح الوضع الذي يعيش عليه الباعة المتجولون داخل العربات، فلم تنجح مساعي بعض جماعات الضغط والنشطاء في إقامة سوق خاصة لهؤلاء تكون أسبوعية وفي أماكن محددة. وتظهر تقارير وسائل الإعلام أنه لا توجد في طهران سوق حرة “أفضل من مترو الأنفاق وقبل تعقب هؤلاء التجار من المفترض تعقب أولئك الذين لا يدفعون الضرائب والموجودين خارج الاقتصاد الرسمي”، والمقصود هنا المتهربون من الضرائب أصحاب الشركات الكبرى للحرير وأعمدة الحرس الثوري الإيراني الذين يستفيدون من الصفقات الكبرى خارج مؤسسات الاقتصاد الإيراني. وقد سبق أن صرحت الناشطة الإيرانية شيرين عبادي في أكثر من مناسبة بأن بنية الاقتصاد الإيراني مرتهنة لدوائر غير اقتصادية وغير مختصة في المجال، الأمر الذي أدى إلى انتشار الفقر والمهن الهشة والطفيليات الاقتصادية.

وذكر الموقع الإكتروني “عصر إيران” أن مترو الأنفاق يمثل فعلا المتنفس الوحيد لهؤلاء “المساكين” وهو بالنسبة إليهم سوق حرة حقيقية تمكنهم من حرية الدخول، وحرية توزيع السلع، في غياب الإعانات أو المساعدات الحكومية. ومع ذلك، فإن تهديدات المسؤولين في المدينة بالقضاء على هذه الظاهرة مستمرة، ففي شهر أغسطس الماضي، ناشد إحسان مقدام المدير التنفيذي لمترو طهران المسافرين عبر وكالة مهر للأنباء مقاطعة الباعة، ودعا الموظفين إلى ضرورة منع أي شخص يحمل سلعا قصد عرضها للبيع من الصعود إلى المترو. وأضاف محذرا “لدينا أيضا أناس داخل القطارات مستعدون للتعامل معهم بمجرد صعودهم”. وهذا ما يدفع الباعة دائما إلى المشي تحت الجدران وفي الخفاء، خوفا من قاطعي أرزاقهم.

12