سوق حمص القديمة ترفع آثار الحرب وتحلم باستعادة نشاطها

الأربعاء 2016/09/07
عملية شاقة لإصلاح الأضرار

حمص (سوريا) - يكافح عمال في وسط مدينة حمص السورية على جمع الركام، الذي خلفته الحرب حتى تتسنى إعادة السوق القديمة إلى سالف نشاطها.

وفي المدينة، التي أطلق عليها معارضو نظام بشار الأسد “عاصمة الثورة” بعد احتجاجات 2011، تعمل محافظة حمص مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مشروع يهدف إلى إزالة آثار معارك دامت حوالي العامين عن سوق يعود عمرها إلى المئات من السنين.

وبالقرب من ساحة الساعة، التي كانت تعد خط تماس خلال معارك حمص ينشغل العمال برفع الحجارة من أمام أحد مداخل السوق القديمة بإشراف فريق هندسي يتفقد بدوره ما تبقى من إمدادات مياه وكهرباء.

ويقول المدير العام للآثار والمتاحف السورية مأمون عبدالكريم إن السوق شكلت خط تماس خلال المعارك إذ استخدمها المسلحون كنقطة عبور بين حي وآخر، لذلك لم تتعرض للكثير من الدمار، فقد طالتها الاشتباكات ولكن ليس القصف.

ولا تختلف سوق حمص القـديمة عن سوقي دمشق وحلب الشهيرتين، لكنهـا أصغـر منهما حجما، وتتضمن 13 شارعا و982 محلا، وفق ما قاله المصدر لوكالة الصحافة الفرنسية.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خصص ملايين الدولارات لإعادة إعمار السوق وجعلها مركزا لاستقطاب السياح

وأنشأت سوق حمص القديمة في القرن الثالث عشر في ظل الدولة الأيوبية ومؤسسها صلاح الدين الأيوبي، وقد ازدهرت في وقت لاحق في ظل الحكم المملوكي حتى القرن الرابع عشر وصولا إلى مرحلة السلطنة العثمانية التي انتهت في بدايات القرن العشرين.

وتعد حمص من أول المدن التي تحولت فيها حركة الاحتجاجات إلى نزاع مسلح في العام 2012، وإثر معارك عنيفة وحصار خانق للمدينة القديمة دام عامين، تمكن الجيش السوري في العام 2014 وفي إطار اتفاق مع الفصائل المعارضة من استعادة السيطرة على مجمل المدينة.

وقال ممثل الاتحاد الأوروبي سابقا في دمشق أنيس نقرور المتحدر من حمص، “قبل أربعين عاما، كـانت سـوق حمص بمثـابة شارع الشانزليزيه الفرنسي في مدينة صغيرة”.

وأضاف “الجميع كان هنا، هي السوق التي كنت تجد فيها كل الحرفيين من الخشب والنحاس والذهب إلى القماش والعطور”.

ويتذكر الدبلوماسي الفرنسي أيام الطفولة، ويقول “مساء وأثناء العودة من المدرسة كنا نمر على السوق لاستنشاق الهواء في مكان مليء بمحال الحلويات الممتازة وعصائر الفاكهة اللذيذة”.

أما الآن فقد تغير حال هذه السوق التراثية، وتم حتى اليوم تأهيل شارع واحد فقط وقد أعيد فتح حوالي 14 متجرا فيها لا غير، وقد طلي سقفها باللون الأزرق الفاتح وأغلقت ثقوب الرصاص ورسم العلم السوري على أبواب المحال ومعظمها مغلق.

وفي أحد الشوارع الجانبية، يتفقد غسان جانسيز المشرف العام على مشروع تأهيل السوق لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الأعمال التي يقول إنها ستحتاج إلى نحو عامين.

وأكد جانسيز أن عملية تأهيل وترميم السوق ستمر بأربع مراحل هي “التنظيف، الأرشفة، الترميم وأخيرا إعادة البناء”، مشيرا إلى أن “مرحلة إزالة الأنقاض صعبة وخطرة فقد وجدنا متفجرات وعبوات ناسفة”.

مأمون عبدالكريم: السوق شكلت خط تماس خلال المعارك فهي نقطة عبور بين حي وآخر

وتقدر كلفة المشروع، بحسب جانسيز، “مئات الآلاف من الدولارات لإعادة السوق إلى سابق عهدها قبل حوالي مئة عام، فلن تكون مجرد سوق تجارية وشعبية، بل أيضا ستصبح مركزا لاستقطاب السياح”. ويعمل في المشروع حاليا 70 شخصا بين عامل ومهندس وطالب في كلية الهندسية.

ويتضمن المشروع، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن طارق سفر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، “تركيب أربعة أبواب رئيسية لمداخل المنطقة المستهدفة وإعادة تأهيل نحو 200 محل مع الحفاظ على الطبيعة التراثية للمنطقة وتوثيق كل العناصر والمفردات التراثية للسوق”.

وقد عاد عدد محدود من التجار إلى محلاتهم التي جرى ترميمها حتى الآن، من بينهم عبدالسلام السلقيني صاحب أحد متاجر الشوكولا، الذي قال “استقبلت اليوم الزبون رقم مئتين”.

وأضاف “عدت إلى العمل بشكل فعلي في أبريل الماضي، لا أستطيع أن أصف سعادتي وأنا أرى زبائني القدامى من بيروت ودمشق وطرطوس يأتون لشراء الشوكولا”.

وتـروي أم مأمـون، وهـي واحـدة مـن قـدامى زبائن المحل قـائلة “اعتـدت على المجيء في كل عيـد من ريـف حمص إلى المـدينة لشـراء الشـوكولا، لكني تـوقفت عن ذلـك بسبب الحرب”، مضيفـة “سمعـت أن السوق يفتـح أبـوابه مجـددا وجئت لأتأكد بنفسي”.

وقبل الحرب، كانت السوق تتحول إلى “كرنفال” على حد قول السلقيني، مستطردا “كنا نصل الليل بالنهار وتمتلئ السوق بالأطفال والألعاب وأصوات التجار وهم يروجون لبضائعهم”.

ويرى مأمون عبدالكريم في إعادة تأهيل السوق القديم “تحديا” خاصة أنه يريد أن يعيد سقف السوق إلى ما كان عليه أيام الحكم العثماني. ويخلص إلى القول إنه “مشروع مهم جدا يعكس صورة مدينة كان لها دور بارز في الحقبة الرومانية وصولا إلى السلطنة العثمانية”.

10