سوق عكاظ ذاكرة حية لموروث الجزيرة العربية التاريخي

كل رموز ما قبل الإسلام تقريبا حاضرون في سوق عكاظ بأشعارهم ومعلقاتهم وفصاحتهم وبلاغتهم وقصصهم وملاحمهم.
الخميس 2019/08/22
الماضي يتجدد

سوق عكاظ اسم ما زال يتكرر منذ ما قبل الإسلام وبعده، هو اليوم مجموعة من فعاليات متنوعة تحفظ هذه الذاكرة التي تتراءى للزائر منذ دخوله إلى السوق فمن ساحة الفرسان ومضمار الخيل إلى ساحة الشعراء بفصاحتهم وحواراتهم التي تذكرنا بشعراء الجاهلية يتجول الحاضرون من مختلف الدول في “منصة العرب” التي تشارك فيها 11 دولة عربية إضافة إلى مشاركة المملكة بأكبر الأجنحة مساحة، ويضم بين جنباته مجموعة كبيرة من المعروضات التي تعكس المخزون الثقافي والتاريخي الكبير المتنوع لمناطق المملكة المختلفة كافة.

  ما إن وصلت إلى الطائف أو مدينة الورد كما يسميها أهلها وعشاقها، بدعوة كريمة من المشرفين على مهرجان سوق عكاظ في دورته الـ13، حتى وجدت نفسي أمام حالة ثقافية حضارية فريدة من نوعها، أساسها كيف تتحول مدينة بأكملها إلى مهرجان، وكيف تتخذ لنفسها إيقاع البهجة، وخاصة في الأماسي عندما تدار الندوات الشعرية والفكرية، وتقام العروض الفنية، وتتعدد الأشكال التعبيرية، فتحظى بالإقبال الشعبي من كل الأعمار والفئات، ومن المواطنين والمقيمين والسواح القادمين من داخل المملكة وخارجها.

إن أهم ما يمكن أن يلاحظه شخص مثلي يزور مثل هكذا مهرجان لأول مرة، هو أن الأغلبية الساحقة من العرب، وخاصة منا نحن سكان شمال أفريقيا، لا تعرف شيئا يذكر عن السعودية، وما يعرفه أو يدعي البعض أنه يعرفه، مستقى من مصادر أغلبها غربية ذات نزعة أقل ما يقال فيها أنها استشراقية، أو تقييمية إعلامية مرتبطة بأجندات تتراوح بين الاستفزاز والابتزاز، وحتى عندما تكون تلك المصادر عربية، فهي في جانب كبير منها ناتجة عن أحكام أيديولوجية مسبقة، أو لا تزال تنهل من خرافات السابقين وخاصة في مرحلة المد القومي التي انهارت بنهاية رموزها ومشروعها.

تنوع وفسيفساء

الطائف شاهدة على التنوع الثقافي والحضاري في السعودية
الطائف شاهدة على التنوع الثقافي والحضاري في السعودية

لعل من أبرز ما يجب التوقف عليه، هو هذا التنوع الرهيب الغريب العجيب من النواحي الجغرافية والتاريخية والمناخية والثقافية والحضارية، فنحن أمام بلاد مترامية الأطراف، ذات حضارة ضاربة في القدم، متصلة بكل الحضارات المجاورة، سواء كانت يمنية أو مصرية أو نبطية أو حضارة بلاد الرافدين أو غيرها، إلى جانب الحضارات المحلية التي لا تزال آثارها شاهدة على عظمتها.

من ذلك قرية الفاو عاصمة مملكة كندة منذ القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد وسميت بهذا الاسم لوقوعها بالقرب من فوهة قناة الفاو، وهي تبعد 300 كم عن مدينة نجران، والأخدود وهي  مدينة تاريخية تعود لعصر مملكة حمير (110 قبل الميلاد ~ 525 بعد الميلاد) وتقع على ضفاف وادي نجران، ومدائن صالح التي تعرف أيضا باسم مدينة الحجر، وتقع في محافظة العلا وتستمد شهرتها من موقعها ضمن طريق التجارة القديم وقصة ثمود التي ذكرها الله في القرآن، وقد سكنها أيضا اللحيانيون، مؤسسو مملكة لحيان، ثم احتلها الأنباط، فأصبحت تابعة لمملكة الأنباط، ومنطقة جبة الأثرية التي اكتشف فيها موقعان يعودان للعصر الحجري المتوسط بالإضافة إلى العديد من النقوش الأثرية الثمودية التي تبين حالة المنطقة.

ويمكن التوقف عند الشويحطية وهي أقدم موقع أثري يسكنه الإنسان في شبه الجزيرة العربية وتقع في منطقة الجوف 45 كيلومترا شمال غرب مدينة سكاكا، وثاج وهي موقع أثري يقع في المنطقة الشرقية بالقرب من طريق القوافل القديم المعروف باسم درب الكنهري، ويعتبر من أكبر المواقع الاستيطانية القديمة في شبه الجزيرة العربية.

حول الموقع تقع العديد من المقابر التلالية وسور يحيط بها بالإضافة إلى خندق، وخيف الزهرة، وهي مدينة ريفية زراعية تقع شمال مدينة العلا يعود تاريخها إلى الألفية الأولى قبل الميلاد في عهد الدولة الدادانية، وصولا إلى جزيرة تاروت التاريخية التي تقع في الخليج العربي وتتبع إداريا لمحافظة القطيف.

وفي خيف الزهرة، تم العثور على آثار يعود تاريخها إلى أكثر من 5 آلاف عام قبل الميلاد وتعتبر من أقدم مناطق الجزيرة العربية، ومدينة الجهوة الواقعة إلى الجنوب من وادي النماص في منطقة عسير، ويعود تاريخها إلى نحو 4 آلاف عام، وقد جاء إليها سكانها الأوائل من اليمن بعد انهيار سد مأرب.

غيض من فيض

سعوديات يرفعن راية الشجاعة
سعوديات يرفعن راية الشجاعة

 هذا غيض من فيض، حيث يشير المؤرخون إلى أن من الحضارات التي ازدهرت في شبه الجزيرة، حضارة قوم عاد التي كانت ديارها في الأحقاف الواقعة في جنوب الربع الخالي.

وحضارة قوم ثمود التي تعد من ضمن الحضارات البائدة التي تألفت من قبائل وعشائر متعددة.

وقد بلغت حدا عظيما من المدنية والازدهار في شمال الجزيرة العربية، واتفق المؤرخون المسلمون على أن أهم ديارهم كانت بوادي القرى ما بين الحجاز والشام، وقد وجدت آثار لهم في مدينة العلا بين المدينة المنورة وتبوك وقد ظهروا بعد قوم عاد.

وتميز هؤلاء بأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في الجبال، كما ازدهرت مملكة معين التي قامت على ضفتي وادي جوف وهي المنطقة السهلية الواقعة بين نجران وحضرموت، والتي تميز أهلها في فنون العمارة والزخرفة، التي وضعت فنون الحضارة المعينية في مركز رفيع يضاهي فنون حضارات مراكز الشرق القديم في مصر وبلاد الرافدين.

ثقل روحي وحضاري

فن الحرف من التراث
فن الحرف من التراث

عندما نتحدث عن السعودية، فنحن نتحدث عن دولة مساحتها حوالي مليونين و500 ألف كلم مربع، ما يجعل منها أكبر دول الشرق الأوسط من حيث المساحة، وعن ثقل روحي وحضاري واقتصادي متعدد الأركان، ما يفرض ثقلا سياسيا واستراتيجيا غير قابل للتهاون مع أدقّ التفاصيل ليس فقط في الحياة اليومية للدولة والمجتمع، وليس كذلك في ما يخص المستقبل والأجيال القادمة.

والسعودية التي تبرز اليوم، هي سعودية مختلفة تماما عما كانت عليه قبل سنوات قليلة، هناك رؤية جديدة للحياة والمجتمع والتقاليد والتاريخ والحضارة، وهناك جسور تمتد مع الماضي فلا تلغيه ولا تقصيه، وتمتد مع المستقبل فتتبناه وتتعاطى معه بالكثير من الاستعداد، وتمتد إلى العالم، فتنفتح عليه بكثير من التفاعل الإيجابي، وتمتد إلى الشباب والمرأة والثقافة والتراث والسياحة والترفيه والتقنيات الحديثة، فإذا بالبلد يتغيّر بشكل يومي ويتحرك بروح جديدة، يعيدها السعوديون إلى الملك الصالح سلمان بن عبدالعزيز، وإلى الجيل الجديد في دائرة الحكم، وخاصة إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يقود بجرأة كاملة قطار التغيير بين محطات عدة، أبرزها محطة 2030 التي ستكون تتويجا لرؤية المملكة الجديدة.

إن أكثر ما يمكن أن يثير انتباه زوار مهرجان كمهرجان سوق عكاظ، دقة التنظيم والاعتماد على القدرات البشرية المحلية في إدارة جميع التفاصيل بكثير من التفاني والاجتهاد بما يعنيه العمل الثقافي من تحدّ حقيقي أساسه الوعي بالدور الاستراتيجي والحيوي لذلك العمل قي تحقيق روافد المشروع الوطني الشامل المنطلق من رؤية 2030.

وقد كان تقديم أوبريت المهرجان، مساء الأربعاء، برعاية العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وبحضور مستشاره أمير مكة الأمير خالد الفيصل مناسبة مهمة لتأكيد الأهمية الكبرى التي توليها المملكة للفن كمعبّر ليس عن وجدان الشعب فقط، وإنما كمترجم لتطلعاته وطموحاته ورؤاه المستقبلية بحضور فنانين كبار من طراز محمد عبده وكاظم الساهر وكارول سماحة.

وزادت كلمات خالد الفيصل، وهو الشاعر والأديب، إلى جانب دوره السياسي ومركزه الاجتماعي ووظيفته القيادية في إعطاء الحفل بريقا يضعه في صدارة المهرجانات الثقافية السعودية وربما العربية كذلك.

اللافت كذلك هو دور جامعة الطائف التي تتولى إدارة تفاصيل المهرجان بدقة متناهية وعلى جميع المستويات ما يشير إلى أهمية انفتاح الوسط الأكاديمي على المجتمع، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن الثقافي المعني بتشكيل الوعي والذوق والرؤى وإحياء الذاكرة ومخاطبة العقل وتغذية الوجدان وربط جسور التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل ومع العصر والعالم والتجارب التنويرية المتعددة والمتنوعة.

انسجام مع التاريخ

ملتقى العرب
ملتقى العرب

هنا في سوق عكاظ، يمكن أن يصادفك زهير بن أبي سلمى أو الأعشى أو النابغة الجعدي أو النابغة الذبياني أو عمرو بن كلثوم أو طرفة بن العبد أو عنترة بن شداد أو امرؤ القيس، كل رموز ما قبل الإسلام تقريبا حاضرون بأشعارهم ومعلقاتهم وفصاحتهم وبلاغتهم وقصصهم وملاحمهم.

هذا في حد ذاته انسجام مع التاريخ ومع الثراء الحضاري والتنوع الثقافي، ومنطلق لعقلنة التراث، والتفاعل مع مختلف أشكاله وألوانه ومراحله وتجلياته بقراءة حديثة متأنية، وبفخر كبير، وبتكريم عادل لرموزه الخالدة التي تمثل رموزا للإنسانية ككل.

كما يأتي القدامى من وراء القرون، يبرز الشباب المبدع والموهوب والمقبل على الحياة ليعبّر عن ذاته من خلال أشكال فنية متعددة، تتميز بالثراء المعرفي، وبالانفتاح على تجارب الشعوب والأمم الأخرى، ويتشكل مشهد سعودي جديد قادر على أن يساهم بدور كبير في تغيير الواقع ليس محليا فقط وإنما في محيطيه العربي والإسلامي، حيث تبقى المملكة الشقيقة الكبرى القادرة على المساهمة بدور فاعل في نسج مستقبل أفضل لشقيقاتها في المنطقة والعالم.

20