سوق عكاظ يستعيد تراث العرب بروح الحاضر وتطلعات المستقبل

فعاليات ثقافية وتراثية يشهدها أشهر أسواق العرب في دورته الجديدة بمشاركة 11 بلدا عربيا.
الاثنين 2019/08/19
سوق للثقافة والشعر والفنون

انطلقت فعاليات مهرجان سوق عكاظ في نسخته الـ13 في منطقة الطائف السعودية بمشاركة 11 بلدا عربيا، تشارك بموروثها الثقافي والاجتماعي ضمن “حي العرب” مقدمة أنشطة ثقافية وتراثية وفنية متنوعة وثرية.

كانت العرب قديما في عصر ما قبل الإسلام تُقيم ثلاثة أسواق كبيرة، هي بمثابة تجمّعات تجارية واجتماعية وثقافية، وكانت تُعقد في أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية بطريقة دورية، ويأتيها العرب من كل الأرجاء فيتاجرون ويسمعون المواعظ والخطب، ويتفاخرون بها، كما كانوا يتناشدون الشعر ويتحاكم مبدعوهم إلى كبارهم، كالنابغة الذبياني، الذي كانت تضرب له قبّة حمراء فيحكم بين الشعراء.

ويعتبر سوق عكاظ أحد الأسواق الثلاثة الكبرى في عصر ما قبل الإسلام بالإضافة إلى سوق مجنّة وسوق ذي مجاز، تعود بدايته إلى 501 للميلاد، وكانت العرب تأتيه لمدة 20 يوما، من أول ذي القعدة إلى يوم 20 من الشهر.

بهذه العبارات تقدم هيئة مهرجان سوق عكاظ تظاهرتها الكبرى، التي تعيش مدينة الطائف على وقعها طيلة شهر أغسطس الحالي، والتي تجمع في صورتها الحديثة بين مختلف ألوان الفنون والآداب، وتستقطب نجوم القصيدة والأغنية، وأصحاب الرأي والدراسة والبحث العلمي، وتكرّم كبار الأدباء والمفكرين من داخل المملكة وخارجها، وتحتضن معارض للثقافة الشعبية في دول عربية عدة، وتنظم قرى للتراث تستدعي رموز الماضي في أجوائها الأصلية التي وجدت فيها.

إحياء السوق

إحياء التراث
إحياء التراث

تعود فكرة إحياء سوق عكاظ إلى العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز، عندما أذن بتشكيل لجنة برئاسة الراحلين الشيخ محمد بن البليهد، والدكتور عبدالوهاب عزام مع فريق آخر ساعدهم على تحديد موقع سوق عكاظ بالطائف، وهو ما ذكره لاحقا الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة رئيس اللجنة الإشرافية لسوق عكاظ قائلا «أتذكر أننا خرجنا في يوم من الأيام مع الملك فيصل وجلسنا تحت ظلال شجرة كبيرة في ذلك الشعيب، فمد يده الكريمة وأشار على هذا الموقع الذي فيه سوق عكاظ اليوم، وقال هذا هو سوق عكاظ في السابق”.

وعن سوق عكاظ الحالي يقول خالد الفيصل “لم يتم استدعاء سوق عكاظ من الماضي بعد فترة طويلة ليكون سجيناً للماضي بل جاء ذلك لتحويل ماضي السوق إلى واقع الحاضر واستشراف المستقبل، وأن يقدم فكر وثقافة المملكة العربية السعودية للعالم أجمع، وأن يتحدث عن التاريخ العريق للثقافة والفكر والحضارة العربية والإسلامية التي انبثقت من الجزيرة العربية، وأن يكون السوق نافذة على المستقبل يطلع من خلالها المواطن السعودي وخصوصا الشباب والفتيات إلى ما يخطط لمستقبل هذا العالم ومستقبل الإنسان على الكرة الأرضية”.

استدعاء سوق عكاظ من الماضي بعد فترة طويلة جاء لتحويل ماضي السوق إلى واقع حاضر واستشراف للمستقبل

وانطلاقا من هذه الرؤية، يبدو سوق عكاظ اليوم وهو يعقد دورته الثالثة عشرة، مهرجانا ثقافيا ورياضيا واجتماعيا وتجاريا واقتصاديا، معبّرا عن خصوصيات المكان، منفتحا على مختلف مناطق المملكة، وعلى الدول العربية، متطلعا إلى العالمية، في ظل ما تشهده السعودية من انفتاح كبير وهي التي تمتلك من الرصيد الحضاري الثري والمتميز ما يمكن أن تقدمه كإضافة مبهرة إلى أسواق الثقافة والسياحة في العالم.

وفي هذا السياق، أثارت “جادة عكاظ” شغف الزوار من خلال تجسيد حي وإبداعي يشارك فيه أكثر من ألفي ممثل محترف يرتدون الملابس التراثية القديمة ويتكلمون العربية الفصحى، وكأنهم قادمون من رحابة التاريخ والتراث العريق، يجسدون شخصيات مثل النابغة الذبياني وامرؤ القيس وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد وقس بن ساعدة والأعشى وعنترة بن شداد، ويعيدون للأذهان مبارزات الفرسان بالسيوف والرماح مع انطلاقة الخيول والهجانة ومسيرة القوافل واستقبال الوفود واستعراض عقد الصفقات والمزادات التجارية قديما. يشهد موسم الطائف في دورته الحالية أكثر من 70 فعالية نوعية في 4 مناطق رئيسة في سوق عكاظ بجانب مهرجان الهجن وسادة البيد في الهدا والشفا وقرية ورد بمنتزه الردف وتمتد إلى الأسواق التجارية والمعالم السياحية والتاريخية، ويعتبر”حي العرب” في قلب سوق عكاظ، من أحدث الفعاليات النوعية التي تُقَدَم لأول مرة، تحت مظلة موسم الطائف، وهو إلى احتضانه للجناح السعودي، يستقبل أجنحة أخرى لعشر دول عربية، هي لبنان، الإمارات، الكويت، عمان، البحرين، العراق، الأردن، مصر، تونس، المغرب، بهدف تعزيز مكانة الطائف كمصيف للعرب وواحدة من أهم الوجهات السياحية العربية.

فعاليات متنوعة

فعاليات مختلفة
فعاليات مختلفة

من فعاليات المهرجان في هذه الدورة استضافته المتحف الوطني السعودي، من خلال تقديمه لمحة عن السُّبل التي كان يتبعها أبناء القرى والمدن في مختلف أرجاء الجزيرة العربية للتواصل والتبادل التجاري في ما بينهم، ويتيح لمتابعي الفنون والآثار والتاريخ التعرف على دور تجارة البضائع والمصنوعات.

ويضّم المعرض الذي يندرج تحت جناح “المملكة العربية السعودية” المُشارك في السوق، نحو 34 قطعة أثرية مُكتشفة في المملكة، تغطي الفترات التي امتدت من العصر الحجري الحديث بنحو 5 آلاف سنة قبل الميلاد إلى العصور القديمة السابقة للإسلام، تليها حضارات الممالك العربية المبكّرة، والوسيطة والمتأخرة، مرورا بالفترة الإسلامية، والفترة الإسلامية الوسيطة، حتى نشأة الدولة السعودية بأطوارها الثلاثة إلى عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، وقد تم اكتشاف المجموعة الأثرية المعروضة في مواقع مهمة في ذلك الوقت وتشمل، الفاو، والعلا، وتيماء، ونجران، التي تُعد بمواقعها الجغرافية محطات توقف على أهم الخطوط التجارية الرئيسية، في حين تحمل هذه القطع الثرية أهمية ثقافية وفنية وتاريخية وعلمية خاصة في مجال تحليل ودراسة تاريخ التجارة وطرق القوافل والآثار في الجزيرة العربية.

كما تم إطلاق «قرية ورد» في منتزه الردف الشهير؛ لاحتضان مجموعة مميزة من الفعاليات التي تتعلق بوفرة المنتوج الطبيعي من الزهور، مثل فعاليات متحف الورد، مختبر العطور، أوركسترا الورد، سيرك الورد، الحرف المرتبطة بصناعة الورد، وغيرها، بالإضافة للعروض الترفيهية والكرنفالية مثل عيش الأدريالين، مدينة الملاهي، طريق الفن.

بدوره، يحتضن مهرجان ولي العهد للهجن الذي يعتبر من أهم وأضخم سباقات الهجن في العالم، العديد من الفعاليات المبتكرة مثل: متحف وخيمة وجدارية الهجن، السوق الشعبي، والعروض المتنوعة والمبتكرة، بالإضافة إلى مدينة السيرك والتحديات الرياضية.

أعاد المهرجان أجواء الفروسية النسوية في تاريخ العرب القديم من خلال مشاركة هي الأولى من نوعها لفارسات سعوديات امتطين صهوات خيولهن العربية الأصيلة، وقدمن لوحات جمعت بين الجمال والرشاقة.

Thumbnail

وأعطي الشعر مجالا فسيحا في المهرجان، من خلال الندوات واللقاءات الشعرية المتنوعة، وكذلك من خلال جائزة سوق عكاظ الدولية للشعر العربي الفصيح التي يشرف عليها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، ويبلغ مجموع جوائزها أكثر من مليوني ريال، وتقرر تحويلها لأول مرة منذ انطلاقها كمسابقة تلفزيونية عربية تفاعلية كبرى.

 ووفق الدكتور سعود السرحان، الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فإن جوائز سوق عكاظ أصبحت محط أنظار المبدعين والمثقفين العرب، وبخاصة لَقَب “شاعر سوق عكاظ” العلامة الأبرز في هذا السوق التاريخي، مشيرا إلى أن السوق كان شاهدا على التنافس بين أشهر شعراء وفصحاء العرب قديما لعرض أهم قصائدهم ومعلقاتهم، وذكر أنه تم تطوير المسابقة هذا العام لتكون مصورة ومنقولة تلفزيونياً لتبلغ جوائزها أكثر من مليوني ريال سينقلها إلى مرحلة أخرى أكثر شهرة وشعبية في العالم العربي بين المثقفين والمشاهدين.

ويتنافس على جوائز المسابقة 22 شاعراً وشاعرة يمثلون 11 دولة عربية بلغت التصفيات النهائية من بين 161 مشاركة من شعراءَ وشاعرات من جميع الدول العربية، فيما أوضحت نورة العكيل، مديرة موسم الطائف، أن جائزة “شاعر عكاظ” شهدت هذا العام تطويراً في طريقة المشاركة والتنافس.

وأما بالنسبة للحفلات الفنية فسيطل النجم العراقي كاظم الساهر على جمهوره في 22 أغسطس، يليه الفنانان راشد الماجد وأصيل أبوبكر في 29 أغسطس. وتختم حفلات الموسم كل من الفنانة الكويتية نوال والفنان السعودي عبادي الجوهر في 30 أغسطس، ليطوي المهرجان دورته الـ13 ويبدأ منظموه الاستعداد للدورة 14.

15