"سوق ليبيا" في مرسى مطروح المصرية يتاجر في الكساد

خلّف الربيع العربي ركودا اقتصاديا عاشته شرائح واسعة من الشعب المصري الذي ازدادت معاناته أمام غلاء المعيشة وتراجع السياحة، يضاف إلى ذلك الشلل التجاري الذي تعاني منه الأسواق الشعبية لما يسمّى بـ”أسواق ليبيا” التي تقع في المدن الحدودية المجاورة لليبيا والتي كانت تستفيد من الحركة التجارية التي عرفتها ليبيا، إذ كانت ترد على موانئها السلع من سبعين دولة.
السبت 2016/09/17
سوق بلا زبائن

مرسى مطروح (مصر) - استفاد تجار المدن المصرية المجاورة للحدود الليبية من دعم السلع أيام معمر القذافي، فنشطت تجارة التهريب وفتِحت أسواق بالكامل سمّيت باسم “سوق ليبيا” لتوفّر أنواعا كثيرة من السلع بأسعار في متناول كل المصريين، لكن الأحوال تغيرت بعد أن أطيح بنظام القذافي في فبراير 2011.

وقطعت “العرب” نحو 500 كيلومتر من القاهرة إلى مرسى مطروح للوصول إلى سوق ليبيا، وكان الأمر اللافت يتمثل في شح البضائع التي كانت تأتي عبر معبر السلوم البري الواقع بين مصر وليبيا.

وبدا تجار السوق وكأنهم يترحّمون على زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك في مصر والعقيد القذافي في ليبيا، حيث تراجعت المكاسب إلى مستويات قياسية، بسبب الاضطرابات في ليبيا والتي دفعت القوات المصرية إلى فتح المعبر الحدودي لساعات معدودة وسط تشديدات أمنية غير مسبوقة.

وتحتوي السوق على كل مستلزمات الحياة اليومية لأي أسرة، ومع تراجع دخول السلع والمنتجات من البوابة الحدودية بين البلدين، لم يجد تجارها بديلا سوى الاعتماد على المنتجات المحلية في مطروح لبيعها وزيادة المعروض في المحال التجارية.

وتتميز محافظة مرسى مطروح بمنتجات لا توجد في الكثير من المحافظات المصرية الأخرى، مثل كريم مساج النعام الذي يستخدم في علاج آلام العظام، ونعناع الصحراء البراني الذي يستخدم في جميع أنواع “الروماتيزم”، ودهان زبد البحر لتبيض الأسنان، وزيت الجرجير الذي يعمل على إطالة الشعر، والزيتون الذي يستخدم لمرضى السكري، وخلطة البُهارات الشهيرة التي تعطي مذاقا خاصا للمأكولات، فضلا زيت الزيتون السيوي.

بضائع تنتظر من يشتريها

والتقت “العرب” أحمد جمعة، صاحب محل “عطارة” في سوق ليبيا، حيث كان يجلس صامتا في انتظار مشتر لأي من بضائعه المتناثرة بكثرة على جنبات متجره، وقال “إن السوق ضحية لما يحدث في ليبيا من نزاع مسلح وإرهاب يتمادى بشكل يومي، فقد كنا نعيش أزهى عصورنا أيام استقرار ليبيا، قبل رحيل نظام القذافي، وكانت البضائع الأوروبية تتدفق إلى مطروح عبر المنفذ الحدودي، وكان كبار التجار يذهبون إلى ليبيا ويعودون بسهولة، وكأنهم يتجولون بين المحافظات المصرية، أما الآن فقد أصبح من الصعب للغاية إدخال سلع ليبية إلى السوق”.

وأضاف، “لا أقصد بالسلع تلك المنتجة داخل الأراضي الليبية، لكن أكثريتها كانت تأتي إلى موانئ ليبيا من نحو 70 دولة، ومع سيطرة اللجان الشعبية وغياب الأمن الحكومي هناك، أصبح من الصعب استمرار دخول البضائع القادمة من جهات مختلفة إلى موانئ ليبيا، وهو ما كان له أثر سيء للغاية على استمرار السوق كأحد أهم المراكز التجارية، لكن سمعة هذه السوق وتاريخها يمثلان أحد عوامل وجودها على الساحة خلال الفترة الحالية”.

وخلال السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدا مع بزوغ نجم ثورات الربيع العربي، كان حال تجار سوق ليبيا يترنّح بين الرضا والنقمة، فخلال الفترة التي شهدت فيها مصر حركة سياحية أوروبية وخليجية إلى مطروح، المطلة على البحر المتوسط مباشرة وتتميز بأجواء هادئة وطبيعة خاصة، كان التجار يعوّضون خسائرهم من نقص البضائع القادمة إليهم من ليــبيا، بواسطة البيع بالعملات الأجنبية.

وجاء حادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء، في نهاية أكتوبر الماضي، وأوقفت غالبية الدول الأوروبية حركتها السياحية إلى مصر، فتراجعت حركة الدخول، وأضحى الاعتماد بشكل كلي على المشتري المحلي، الذي يــأتي إلى مطروح لقضاء عطلـة الصيف.

وقال تجار آخرون إن المقدرة الشرائية المحلية تراجعت لعدة عوامل، أهمها ارتفاع أسعار تأجير الوحدات السكنية للأسر القادمة إلى مطروح خلال أشهر الصيف، فضلا عن سيطرة أشخاص بعينهم على شواطئ البحر وتأجيره بأسعار مبالغ فيها.

وقد وضع هذا الأمر أكثرية الأسر أمام خيارين، إما إنفاق الأموال وصرفها على السكن والاستجمام والمأكولات، وإما التراجع عن المجيء إلى مرسى مطروح، وبذلك تخسر سوق ليبيا المشتري المحلي أيضا، ودفع هذا الحال الكثير من التجار إلى البيع بنصف سعر السلعة، أملا في جمع الأموال اللازمة لدفع ثمن البضائع لكبار التجار.

صاحب محل لمستحضرات التجميل في سوق ليبيا، يبيع بضاعته المجددة الصلاحية خوفا من فسادها ومن الخسارة

بداية السوق

ظهرت سوق ليبيا مطلع تسعينات القرن الماضي مع اتجاه مصر إلى الانفتاح على ليبيا وتعزيز العلاقات معها، وكانت حتى اندلاع ثورة 25 يناير 2011 نافذة للمنتجات التي يندر وجودها في باقي الأسواق المصرية، ومع مرور الوقت تحولت إلى مزار للتسوق يقبل عليه زوار تلك المدينة السياحية، التي يحدها البحر من الشمال والصحراء من الاتجاهات الثلاثة الأخرى.

وفي الماضي، كانت السوق امتدادا للشارع التجاري الشهير في مدينة مطروح خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكانت تعرف باسم “شارع المهرّبين”، نظرا إلى تهريب غالبية السلع من ليبيا التي كانت أسواقها منفتحة على العالم الخارجي في مطلع الستينات، مقارنة بانغلاق أسواق مصر في تلك الفترة، حيث لم يكن من المسموح للمصريين باستيراد الكماليات وكل أدوات الرفاهية بينما كانت السلع الأوروبية تغرق ليبيا.

وقتها كانت الحدود الصحراوية بين مصر وليبيا بوابة تتدفق عبرها البضائع، ما جعل المهربين ينشطون، وقد استخدموا سيارات الدفع الرباعي في اختراق الصحراء للحصول على مكاسب كبيرة تدرها هذه التجارة، ولم يختف نشاط المهربين إلا بعد أن ضرب التوتر العلاقات المصرية الليبية، ما دفع السلطات في البلدين إلى تشديد الرقابة على الحدود وتمركز جانب من الجيش المصري في الصحراء الغربية، كما ألزمت الحكومة المصرية أصحاب سيارات الدفع الرباعي بتركيب أرقام مرورية تسهّل معرفة أصحابها، وراحت الطوافات تطارد من يحاول اختراق الحدود، وانتهت سوق “شارع المهربين” مع الخلافات التي نشبت في أواخر سبعينات القرن الماضي. ومع تطبيع العلاقات العربية مع مصر، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وزيادة وتيرة التقارب بين مبارك والقذافي، وفتح المعبر الحدودي (السلوم) دون تضييق وزيادة التعاون التجاري، بدأت السوق تعود في مكان جديد وبشكل شرعي تحت أعين ودعم سلطات الدولتين، باسمها الحالي “سوق ليبيا”.

وقال أحمد حامد، صاحب محل عطارة لـ”العرب”، “إن ظهور تنظيم داعش في ليبيا، يعتبر السبب الأول لما آلت إليه سوق ليبيا في الوقت الحالي، فالتخوفات المصرية من اندساس عناصره داخل الحاويات الضخمة التي تصل إلى معبر السلوم الحدودي، دفعت عناصر الجيش إلى تكثيف تواجدها والتشديد على عمليات دخول البضائع من الأراضي الليبية، فلا تسمح الظروف الأمنية على الجانب الآخر بتفتيش كل الحاويات بشكل دقيق، قبل عبورها إلى الأراضي المصرية، وقد تكون محملة بالأسلحة”.

كما قامت الحكومة المصرية بالترفيع في القيم الجمركية على الحاويات التجارية القادمة من ليبيا، حيث وصلت القيمة المدفوعة على حاوية واحدة إلى 700 ألف جنيه (نحو 70 ألف دولار)، تحت مبرر ارتفاع سعر الدولار، ما ضاعف من أسعار البضائع، ثم عزوف الناس عن شرائها بأسعار مرتفعة.

تدهور المكاسب


البيع بالخسارة

يعرف عن هذه السوق أن أسعارها منخفضة، ولكن عندما بدأت الأسعار فيها تضاهي نظيراتها في باقي المراكز التجارية الأخرى، انصرف قطاع كبير من الزبائن عنها.

وأوضح أحمد عبدالحميد، صاحب محل لمستحضرات التجميل في سوق ليبيا، أنه خسر خلال العام الحالي فقط نحو 100 ألف جنيه (10 آلاف دولار) بسبب تراجع حركة البيع واختفاء السياح من مدينة مرسى مطروح، ما دفعه إلى البيع بالخسارة خوفا من فساد البضاعة، لا سيما وأن هناك مستحضرات لها مدة صلاحية محددة.

وأضاف “هناك أنواع من المستحضرات موجودة بالمحل لم يقع بيعها منذ عامين وتنتهي صلاحيتها خلال فصل الشتاء المقبل، بالتالي لا بد من بيعها للمصطافين خلال فترة الصيف بأي ثمن، لأن مواطني مطروح لا يقبلون على شرائها”.

وأكد أن تجار سوق ليبيا بإمكانهم تحقيق مكاسب خيالية خلال فترة الكساد وفي أصعب الظروف، إذا أقدموا على الغش التجاري، لكن لا يوجد محل واحد يفعل ذلك داخل السوق، لأنه “لو فعل ذلك سيقضي على سمعة جميع المحال إلى الأبد، وبالتالي فنحن نختار الخسارة بعشرات الآلاف من الجنيهات بدلا من تحقيق مكاسب بمئات الآلاف، وهذا الخيار يمكن أن يتسبب في تدمير السوق مستقبلا”.

ولا يأمل أحمد عبدالحميد وباقي أصحاب المحال التجارية بالسوق، سوى في أن تتراجع السلطات المصرية عن موقفها المتشدد على الحدود مع ليبيا، وتعيد فتح الجمارك بشكل مستمر لعبور البضائع إلى مرسى مطروح، خاصة وأنه يتم فتح الجمرك مرة واحدة كل 3 أو 4 أشهر. وقال “لا تمكن معاقبة تجار السوق وقطع أرزاقهم بسبب ما تشهده الأراضي الليبية من اضطرابات أمنية، لأن أرزاقهم أصبحت رهينة فتح الجمارك باستمرار بين مصر وليبيا”.

وأكد أن هناك صعوبة في دخول البضائع من ليبيا، لكن المنتجات الموجودة حاليا بالسوق القادمة منذ فترة طويلة عبر معبر السلوم الحدودي تصل إلى 60 بالمئة، وثمة بضائع جديدة بمزايا أفضل مازالت لا تستطيع الوصول إلى السوق، أما الموجود حاليا فلا يمكن تسويقه بسهولة لأنه أصبح قديما وقاربت فترة صلاحيته على الانتهاء، فضلا عن وجود أنواع جديدة من الأحذية والملابس وألعاب الأطفال ومستحضرات التجميل تواجدت في الأسواق الأوروبية ودول المغرب العربي وتركيا، لم تعرف طريقها بعد إلى سوق ليبيا.وبحسب تجار السوق، الذين التقتهم “العرب”، فإن البضائع التي تصل إلى موانئ ليبيا ومنها معبر السلوم، تأتي من عدة دول مثل الإمارات، السعودية، ألمانيا، اليابان، تركيا، تونس، والصين (أكثر دولة تتواجد بالسوق من حيث أدوات التجميل)، وتعد الهند أهم مصدر لبهارات الطعام، وباكستان، سيريلانكا، وإيطاليا، وما يميز المنتجات بالسوق أن هناك أكثر من دولة تصنّع منتجا واحدا وبإمكان المشتري اختيار اسم الدولة التي يفضل أن يشتري منتجاتها.

سوق ليبيا تتكون من حوالي 400 محل صغير، مصفوفة على جانبي دروب ضيقة، يبلغ عرض الدرب نحو مترين

ورغم موقع السوق في مدينة مطروح، التي تتميز بالطابع البدوي والقبلي، إلا أنه من النادر أن تجد بائعا يتحدث باللهجة البدوية، إلا إذا كان يبيع المنتجات الخاصة بمطروح، مثل الزيتون وزيت الزيتون والنعناع وبذور اللب وأعشاب التداوي، إضافة إلى البعض من الصناعات اليدوية مثل الجلود والأصواف.

أما باقي المحال فيستحوذ عليها بائعون ينحدرون من القاهرة أو الإسكندرية، لا سيما محال الأحذية والملابس والأدوات المدرسية ولعب الأطفال وأدوات التجميل التي تعتمد حركة البيع فيها على أشخاص حضريين. ويشترط مالك سوق ليبيا، وهو رجل أعمال بدوي من مدينة مرسى مطروح، على أصحاب المحال التجارية منذ الحريق الضخم الذي نشب به عام 2012، وضع 4 كاميرات مراقبة في كل محل نظير تأجير المحل (6 آلاف دولار في العام الواحد) لزيادة تأمينه، ومراقبة حركة البيع وطريقة التعامل مع الجمهور، وعدم التجاوز بالقول أو بالفعل مع أي مشترٍ، حفاظا على سمعة السوق وتجنب التعامل السيء الذي يدفع الناس إلى هجرها وتدهور قيمتها التجارية كأهم سوق تجارية في المحافظة.

وتتكون سوق ليبيا من حوالي 400 محل صغير، مصفوفة على جانبي دروب ضيقة، يبلغ عرض الدرب نحو مترين، ويزيد طول بعضها على مئتي متر، وبعض الدروب تلتف في مسارات دائرية حول السوق، وتصطف البضائع من كل شكل ولون، ومنذ تأسست السوق أصبحت مقياسا لدرجة إقبال الزائرين والمصطافين على المدينة.

20