سوق وكالة البلح في القاهرة تجمع الأغنياء والفقراء في سلة واحدة

تتعالى أصوات البائعين بين أكوام من الملابس والمفروشات أمام المحلات الخارجية، وألعاب الأطفال مُتناثرة على الأرصفة، وأقمشة من جميع الألوان تأتي من الصين وتركيا وأوروبا. تحاول أسراب من الزائرين اختيار ما يناسبها من المنتجات ذات الجودة المتوسطة والأسعار الرخيصة.. إنه سوق وكالة البلح الواقع بين حي بولاق أبوالعلا الشعبي والزمالك أحد أحياء القاهرة الراقية.
الثلاثاء 2015/05/05
المصريون، من القاهرة وخارجها، يقصدون سوق البلح لما يوفره من أسعار أدنى

القاهرة - “وكالة البلح“ إحدى أشهر أسواق القاهرة، يمتدّ تاريخها إلى مئات السنوات، وتحمل بين طياتها بصمات عصور متعاقبة شهدتها مصر، حيث بدأ تاريخ هذه المنطقة، المطلة على ساحل بولاق، أثناء عصر المماليك الذين اختاروها لإقامة قصورهم، فتحوّل الخلاء إلى منطقة عامرة بأفخم القصور وأزهى الحدائق، إلى جانب عدد من المساجد الكبرى مثل السناينة والخضيري وميرزا.

ونظراً لقرب المنطقة من النيل، تم استخدامها مخازن ومحلات لتخزين القطن الوارد عبر النهر، وبعد انتقال تجارة القطن إلى الإسكندرية توقف الدور التجاري المركزي للوكالة، إلى أن عاد التُجَّار للعمل مرة أخرى مع تجارة البلح “الإبريمي”، الذي كان يأتي من جنوب مصر. ومن هنا اكتسبت اسم ”وكالة البلح“، وبدأ العمران يزحف عليها من جديد، ولكن هذه المرة لم يكن قصوراً فاخرة، وإنما منازل بسيطة للعُمَّال.

تغيّر الوضع بوكالة البلح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945، فقد ظهرت مع رحيل القوات الإنكليزية عن مصر، المُخلفات العسكرية من حرير المظلات وأقنعة الغاز والخيام والأحذية وعجلات السيارات القديمة، وهو ما ساعد على ظهور تجارة الخردة في سوق الوكالة. وساعد ذلك التُجَّار على تحقيق ثروات هائلة، ومع السنوات انتشرت تجارة الملابس والأحذية ولعب الأطفال، وجميع قطع غيار السيارات.

كانت التجارة في وكالة البلح تُدار بشكل عشوائي، ومع عام 1986 تنبّهت الحكومة المصرية فقامَت بحملة تمشيط واسعة داخلها وألغت العشوائيات، وسيطرت على عشرات السيارات المسروقة والآلات..وبالدخول إلى هذه الوكالة يمكن أن تجد كل ما تريده، فبإمكانك شراء سيارة بالقطعة أو بالكيلو إذا أردت، فكل شيء موجود من أصغر قطعة غيار حتى المحرك الكبير.

3 بلايين جنيه مصري حجم رأس المال المتداول للبضائع المروجة في وكالة البلح

تمتلئ وكالة البلح بعرض شتى السلع في حواريها الضيقة، فأزقتها تضجّ بالتُجَّار والزوَّار والعربات والمخازن، وحسب بعض التجار يصل حجم رأس المال المتداول للبضائع المروّجة في هذه الحواري والأزقة إلى 3 بلايين جنيه مصري.. فلا همّ داخل الوكالة إلاّ عقد الصفقات سواء بالشراء أو البيع.

والتجوّل داخل الوكالة مُتعة رغم مشقتها بسبب التزاحُم الشديد، إذ تذهب العرائس إلى الوكالة لشراء كلّ لوازمهن بأسعار رخيصة مُقارنة بالأسعار الأخرى، فمثلاً فستان الزفاف للعروس يبدأ سعره في الوكالة من ألف جنيه.. ويعود زهد الأسعار حسب مختار صلاح، صاحب متجر بوكالة البلح، إلى اختلاف مكان العرض.

كما أن الورش والمصانع التي تنتج هذه الملابس تنتقي موديلات تجد إقبالاً هائلاً في المحال الكبرى، وفي الآن ذاته تقوم بإنتاجها بخامات أرخص، ولكن بعناية خاصة في الحياكة والشكل الجمالي، كما أن المحلات الخارجية تطلب هامش ربح كبير، وهذا غير موجود في الوكالة.

ويقول حسن الجرجاوي، أحد كبار التُجَّار بالوكالة، أنه يعمَل في الوكالة منذ 70 عاما، مُشيرا إلى أن مُعظم التُجَّار يعملون في مجال المنسوجات سواء المحلية منها أو الملابس المستوردة الجديدة منها والمستعملة.

ويذهب الجرجاوي إلى أنّ التجار يسيرون وفقا للقانون ويدفعون الضرائب، لاسيما وأن تفتيش الضرائب المستمر لا يترك فرصة للتهرّب أو المتاجرة في بضائع مسروقة، حيث يتم الاطلاع بشكل مُستمر على الإيصالات والفواتير الخاصة بالسيارات وقطع الغيار التي تدخل الوكالة، وبالطبع ينظرون إلى أرقام المحرّكات للتثبت في هويتها.

من جانبه، يؤكد محمد كامل، صاحب محل لبيع لوازم العرائس، أنّ مُعظم زبائنه ليسوا من القاهرة فقط، بل أيضا من الدلتا وصعيد مصر، فالعرائس يأتين إلى وكالة البلح للحصول على مُستلزمات الجهاز نظراً لانخفاض الأسعار وجودة السلع.

20