سيادة الفريق.. لا تفعلها

الأحد 2013/10/13

هنالك ضغوطات كبيرة، سواء كانت محلية أو دولية إقليمية، على الفريق عبدالفتاح السيسي تدعوه إلى الترشح لمنصب الرئاسة في مصر، وهي ضغوطات مفهومة ولها في النهاية ما يبررها، كما أنه من ناحية المبدأ ليس هناك ما يحول بين الفريق السيسي والترشح للمنصب السياسي الأول في جمهورية مصر، بصفته مواطنا مصريا له الحق في ذلك، بغض النظر عن موقعه الحالي كوزير للدفاع، وفوق ذلك كله، بوصفه قائد حركة الجيش التي أنقذت الثورة المصرية من الاختطاف على يد جماعة الإخوان التي كادت تأخذها بعيدا عن أهدافها وغاياتها التي خرج المصريون إلى الشوارع من أجلها.

فمن الناحية الداخلية، هنالك ضغط شعبي واضح من أجل ترشيح السيسي للمنصب، فقد مل الإنسان المصري البسيط عدم الاستقرار وتردي الأوضاع، وخاصة الأمنية والاقتصادية، وهو تواق إلى عودة الأمن والهدوء ورغيف العيش، وهي المطالب الأولية لأي مواطن في أي دولة، قبل الحديث عن الحرية والديموقراطية وما شابه. فإذا كان المسيح يقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان "، فإن الإنسان لا يستطيع أيضا العيش دون الخبز، ولا معنى لحرية أو ديموقراطية دون توفر الأمن ورغيف العيش. كما أن مؤسسات الدولة الرئيسة وكثيرا من التيارات والأحزاب المصرية تطالب أيضا بترشح السيسي من حيث أنه ضمانة من أجل عدم اختطاف الثورة وأهدافها من قبل جماعات ذات إيديولوجيات دينية شمولية شبيهة بجماعة الأخوان، وما أكثرها في عالم العرب، ولو إلى حين ضمان الاستقرار وترسيخ ثقافة الديموقراطية في المجتمع الذي يكاد يكون مفتقرا إليها كل الافتقار.

ومن الناحية الإقليمية، بل والعربية تحديدا، هنالك ضغوطات من أجل ترشح السيسي ومن ورائه الجيش، بوصفه ضمانة للحفاظ على الدولة المصرية ومؤسساتها الراسخة، وبالتالي تحقيق استقرار سياسي مصري هو ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، سواء كنا نتحدث عن منطقة الشرق الأوسط أو المنطقة العربية، التي شكلت مصر فيها وتشكل مفتاحا رئيسا من مفاتيح الاستقرار، إن لم يكن "الماستر كي"، وهذه في ظني حقيقة تاريخية يراها كل من له دراية ولو بسيطة بتاريخ المنطقة. فاستقرار مصر، خاصة في ظل تدهور الأوضاع في سوريا وبقية دول "الربيع العربي"، وفي ظل نظام دولي هش تقف على رأسه هيئة أمم عاجزة، وقوة دولية متذبذبة مشوشة هي الولايات المتحدة، واتحاد أوروبي عاجز عن حل مشاكله قبل مشاكل الآخرين، هو مطلب رئيس لدول المنطقة، وخاصة السعودية ومجمل دول مجلس التعاون الخليجي، من أجل استقرار المنطقة وقدرتها على التأثير، بل واستمرار الوجود، في عالم يبدو أنه قد أصبح بلا اتجاه واضح أو خط محدد، وذلك كما كانت أوضاع العالم في فترة ما بين الحربين العالميتين، ولكن هذا حديث آخر يطول.

كل هذه العوامل تدفع فعلا إلى القول بضرورة ترشيح السيسي لرئاسة الجمهورية، فهو الشخصية الأقوى، بل هو رجل المرحلة، على الساحة المصرية في الوقت الحاضر، بعد تهاوي رموز كان يُعتقد في قدرتها على إدارة المرحلة، وهو الشخصية التي تقبض بيدها على خيوط السلطة الفعلية في مصر حاليا، والعقلانية السياسية توحي بصواب أن يحتل السيسي الموقع الذي من خلاله تمكن "إعادة مصر إلى مصر"، وإلى موقعها الإقليمي الذي احتلته طوال تاريخها، الضامن للأمن والاستقرار ليس في مصر وحدها ولكن في كل محيطها الإقليمي والعربي، ولكن.. وآه من لكن هذه.

أن يترشح الفريق السيسي للرئاسة أمر قد تفرضه ظروف المرحلة السياسية في مصر والمنطقة، وهذا هو الجانب الإيجابي للمسألة، ولكنّ هنالك جانبا سلبيا يجب أن يؤخذ في الاعتبار لهذه المسألة.

فترشح السيسي، ووصوله إلى سدة الرئاسة في الغالب، سوف يكون له مردود إيجابي على الحركات والجماعات الإسلاموية، وخاصة الإخوان المسلمين، الذين سيؤكدون مقولتهم من أن حركة الجيش في مصر بعد 30 يونيو لم تكن إلا انقلابا عسكريا صرفا بكل المعاني، وليست حركة تصحيحية لمسار ثورة يناير وإعادتها إلى طريقها الذي أرادته الجماهير المصرية، وأن كل ما حدث ليس إلا تمثيلية أخرجها السيسي وجماعة العسكر من أجل ذر الرماد في العيون، وبالتالي فإن الشرعية السياسية ما زالت باقية في يد الإخوان. ليس مهما أن يكون مثل هذا الكلام صحيحا أو لا، ولكنه كفيل برد الاعتبار للجماعة، ومن سار على نهجها، وهي التي فقدت الكثير من مصداقيتها خلال حكم العام الواحد لمحمد مرسي والمرشد.

فالجماعة وطوال تاريخها، كانت تستمد وجودها واستمراريتها من التعاطف معها، سواء التعاطف مع أفكارها الرومانسية حول الذهاب إلى المستقبل عن طريق الماضي، ودغدغة عواطف الجماهير الدينية، أو التعاطف مع كونها ضحية كافة الأنظمة التي مرت على مصر والمنطقة، من حيث ملاحقتها الدائمة وحظرها معظم فترات وجودها. والحقيقة أن الجماعة لو فقدت مثل هذا التعاطف القائم على وجدانيات معينة فإنها لن تستمر، لذلك نجد أن الإخوان حريصون على إبقاء جذوة هذا التعاطف، وخاصة فيما يتعلق بدور الضحية، ومن هنا ندرك لماذا كان الإصرار على القول "بالمؤامرة" عليهم حتى بعد وصولهم إلى الحكم، وخاصة المؤامرة الأميركية والصهيونية، رغم الدور الأميركي في وصولهم إلى السلطة، ورغم الاتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل على عدم المساس باتفاقيـــات السلام مع إسرائيل.

جماعة الإخوان دون وجدانيات الضحية والاضطهاد والبكائيات الكربلائية لا وجود لها حقيقة، فهذه الوجدانيات هي إكسير الحياة بالنسبة لها.

لذلك فإن دخول العسكر، ممثلا بالفريق السيسي إلى معترك السياسة، سوف يعيد الزخم إلى مثل هذه الوجدانيات، وسوف تستعيد الجماعة من خلال ذلك، بالإضافة إلى حظرها رسميا، كل ما خسرته من زخم ودعم خلال تجربتها الفاشلة في الحكم، التي عرتها فعليا خلال سنة واحدة. ودخول العسكر في اللعبة السياسية سوف يكون له أثر سلبي على تغلغل ثقافــة الديموقراطية في مصر وعالم العــرب، من حيث بث الانطباع بأن الدنيا تؤخذ غلابا وليس ديموقراطياً، مهما قيل غير ذلك، مما يؤجج حدة الصراع بين فرقاء السياسة بدل أن يتحول هذا الصراع إلى منافسة سلمية ذات مصداقية واضحة. في نفس الوقت فإن ترك الجيش للسلطة في مصر، وفي مثل هذا الوقت، قد يفتح الباب لعودة أعداء الديموقراطية إلى التحكم في مقاليد الأمور من جديد، وبأساليب ديموقراطية في الظاهر، وتستمر بذلك الدوامة إلى ما لا نهاية. أن يدخل العسكر في مصر معترك السياسة معضلة، وأن ينسحب معضلة أكبر، فما الحل والحالة هذه؟ الحل ببساطة في ظني، وليس كل الظن إثم، يكمن في استمرار المرحلة الانتقالية إلى أن يتم ترسيخ الأسس التي بمقتضاها يمكن ممارسة اللعبة الديموقراطية دون خوف، أو تقليل نسبة الخوف على الأقل، من تسرب أعداء الديموقراطية من خلال ثغرات ذات الديموقراطية، كما حدث في أعقاب ثورة يناير، وهو حل مر ولن يتقبله الكثيرون في مصر، ولكنه في النهاية أفضل من تكرار التجربة شبه الديموقراطية السابقة، وأن تطول فترة العلاج خير من انتكاسة المريض والمرض، وأفضل من أن تدخل ثكنات الجيش صناديق الاقتراع وأثر ذلك على مستقبل الديموقراطية في مصر، ولعل في التجربة التركية الحديثة في الانتقال من وصاية العسكر إلى الديموقراطية مثال قد يكون مفيدا في هذا المجال، ولكن ذلك حديث آخر.

6