سيارات الأجرة في لبنان مرآة تعكس تركيبة المجتمع باختلافاته

السبت 2014/08/30
«عزيزة» بألوان العلم اللبناني الحمراء والبيضاء مع رسم الأرزة الخضراء

بيروت- “عزيزة لبنانية ولا مذهب لها”. ولمن لا يعرف، فـ”عزيزة” ليست سوى سيارة أجرة يملكها اللبناني أكرم سعيد (40 عاما) ويطوف بها شوارع بيروت، وقد طلاها بألوان العلم اللبناني الحمراء والبيضاء مع رسم الأرزة الخضراء من الخارج والداخل.

حوّل اللبناني أكرم سعيد سيارته إلى “لبنانه الخاص” البعيد عن الانقسامات، مع أن هذه ليست الحال داخل مجتمع سيارات الأجرة في البلاد التي تنقسم بين السياسة والذكريات والحب.

وتعكس حوارات سائقي وركاب سيارات الأجرة العمومية في لبنان المزاج العام الاجتماعي والسياسي تجاه القضايا السياسية، الداخلية والخارجية، وتحديدا الانتفاضة السورية ومشاركة “حزب الله” في سوريا التي تناقش بحدة، وتمدّد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي يتم التعاطي معه بـ”سخرية” في غالب الأحيان، بينما تدفع عنصرية بعض السائقين إلى حد ضرب ركاب يخالفونهم الرأي.

وقال سعيد، وهو يرتدي قميصا أحمر بألوان العلم اللبناني كذلك، إنه قام بطلاء سيارته بهذا الشكل، لأن “علم لبنان، هو علم بلدي الذي أحبه وأعتبر أنه أجمل علم في العالم”.

وسائق سيارة الأجرة الذي يتحدث بكثير من العنفوان والحماسة عن سيارته التي حوّل سقفها الداخلي إلى “معرض” للعملات اللبنانية القديمة بينما السقف الخارجي جسّم عليه سفينة مطلية بألوان العلم، وثبّت على غطاء المحرك بعض القناديل الصغيرة، بالإضافة إلى مجسم لصاروخ فضائي، وأكد سعيد أن تبادل الأحاديث السياسية في سيارته بين الركاب ممنوع، قائلا “لا أريد أن أسمع أخبار السياسيين، أنا لبناني فقط”.

سيارة الأجرة هي المختبر الذي يستكشف فيه اللبنانيون بعضهم البعض

وتابع أنه يصر على أن “تدخل عزيزة كل الأزقة وكل زاوية ومنعطف في لبنان سواء في الضاحية (الجنوبية لبيروت أي معقل حزب الله) أو (بيروت) الغربية والشرقية” والأخيران هما تعبيران استخدما أيام الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، حيث كان تعبير “الغربية” يدل على الشطر الغربي من العاصمة اللبنانية والمناطق حيث الغالبية المسلمة، بينما “الشرقية” تدل على الشطر الشرقي والمناطق ذات الغالبية المسيحية. وأشار سعيد إلى أن “عزيزة لا مذهب لها، لا إسلام ولا دروز ولا مسيحية، بل عزيزة لبنانية”.

لكن الصحافي الشاب محمد شبارو رأى، بحكم استخدامه سيارات الأجرة كوسيلة نقل في أحيان كثيرة، أنه “إذا أراد شخص أن يرى الواقع اللبناني بشكل واضح ويلمس قضاياه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والانقسام الطائفي داخله ما عليه إلا أن يتنقل مستخدما سيارات الأجرة، وعندها سيعرف تركيبة المجتمع اللبناني”. وأوضح شبارو أن “الأحاديث السياسية هي جزء مهم من أزمة المواطن اللبناني”، ساخرا في الوقت نفسه من تناقض السائقين عند الحديث في السياسة.

ولفت شبارو إلى أن معرفة الطائفة التي ينتمي إليها السائق “عملية سهلة” في الغالب “فالذين ينتمون إلى الطائفة السنية يستمعون غالبا إلى إذاعة دار الإفتاء”، أما الشيعي المؤيد لحزب الله فيستمع إلى إذاعة “النور”، بينما هناك إذاعات خاصة بالمسيحيين والدروز، مشددا على أنه يتجنب الخوض في أي أحاديث سياسية خلال رحلته بسيارة الأجرة. أما بالنسبة لديما حمادة، وهي كاتبة مختصة في التفاعل الاجتماعي، يمثل سائقو الأجرة “التاريخ غير المروي” من المدينة، فـ”هم ليسوا انعكاسا للشارع بل هم الشارع″، والسائق “يسمع الناس وهو كثير الملاحظة ويتشاجر ويغضب ولديه آراؤه الخاصة ويتبادل الشكوى مع الركاب من الوضع القائم”.

وقالت حمادة إنه بعد 10 سنوات عاشتها خارج لبنان، يمثل ركوب سيارة الأجرة يوميا “الطريقة الوحيدة للتواصل مع المجتمع، ويصير سائق الأجرة هو الشخص الوحيد تقريبا الذي سأبادله الحديث ويخبرني عن المدينة”.

تتجنب حمادة الحديث في السياسة ويلفت نظرها أن غالبية سائقي الأجرة يفضلون الإذاعات التي تبث الأغاني على تلك المحمّلة بأخبار السياسة “والاستثناء هو وجود حدث أمني”.

سيارة الأجرة "عزيزة" تحولت إلى متحف متنقل

ولفتت إلى أن غالبية النقاشات الحادة التي شهدتها في سيارات الأجرة تكون حين يتطرق الحديث إلى مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب النظام السوري، أما “تنظيم داعش الذي أصبح حديث الشارع، فغالبا ما يكون الحديث عنه استهزاء وربطا بالحوريات”، في إشارة إلى ما جاء في القرآن عن حور العين في الجنة.

لكنها أوضحت أنها لا تستطيع كبت غضبها عند سماع “الأحاديث العنصرية ضد السوريين والتي تصل في بعض الأحيان إلى درجة غير معقولة”. وأشارت في الوقت نفسه إلى نوع آخر من السائقين لا يطلق العنان لعنصريته ضد السوريين إلا بعد أن يتأكد أن الركاب لبنانيون، وأحيانا إذا لم يعرف أحدهم من لهجته يقوم بالسؤال مباشرة: “أنت من أين؟ وحين أقول إني لبنانية تبدأ الشكوى من السوريين قبل أن يصدم برأيي المخالف”.

وتبقى سيارة الأجرة أولا وأخيرا مصدر رزق. فبالنسبة لسعيد، “عزيزة” تغري السياح الأجانب، الذين يقولون له “You have the best taxi in town” أي”لديك أفضل سيارة أجرة في لبنان”.

أما جورج (50 عاما)، فهو يصوب الأمور مجددا ويقول إن عمله كسائق أجرة أيضا يتطلب أن “أوصل الراكب بأمان وسلام”، جازما بأن “الكلام في السياسة ممنوع″ في سيارته. وقال ممازحا “إن كان أصحاب السياسة لا يفهمونها فكيف نتكلم نحن فيها؟ والسائق الجيد في القيادة يستطيع أن يدير عقول الناس كيفما يشاء أيضا”.

ولكن الأهم يبقى هذا التواصل اليومي الذي يجعل من سيارة الأجرة “مختبرا” لاستكشاف الآخر، كما أوضحت حمادة بقولها “نقضي أعمارنا نعيش مع الناس لا بينهم ونكتشف أننا لا نعرفهم. الآن أحس بالرغبة في أن أتعرف إليهم من خلال سيارات الأجرة”.

20