سياسات أردوغان تضعه في مواجهة أقوى رجل دين تركي

الأربعاء 2013/12/18
كولن أحد دعاة الإسلام المصلحين وأب روحي لأتباع حركته

أنقرة - شهدت سياسات أردوغان وحزبه الحاكم في تركيا انتقادات واسعة مؤخرا، حيث يتهمه عدد هام من الأتراك بمحاولة فرض أسلوب عيش يتناقض مع الموروث العلماني للبلاد، وفرض إصلاحات تشريعية لا تتماشى وأسلوب الحياة المتبع، ولعل آخرها ما أثار جدلا واسعا حول مؤسسات التعليم الخاصة في البلاد إذ وضعت رئيس الحكومة في مواجهة أحد أقوى رجال الدين الأتراك فتح الله كولن وحركته التي تستقطب عددا كبيرا من المثقفين ورجال الدولة ورجال الأعمال الأتراك.

ذكرت وسائل إعلام محلية أن عضوا بالبرلمان التركي وهو أيضا لاعب كرة قدم دولي سابق استقال من الحزب الحاكم الذي يتزعمه رئيس الوزراء طيب أردوغان احتجاجا على وجود خلاف بين الحكومة ورجل دين يتمتع بنفوذ كبير.

وقال هاكان شوكور وهو عضو في البرلمان التركي ومن أتباع رجل الدين المقيم في أميركا فتح الله كولن وحركته أنه شعر شخصيا بالإساءة بسبب ما وصفها بأنها «تحركات عدائية» ضد الحركة.

وقال شوكور في بيان نشرته عدة وسائل إعلام إخبارية تركية: «معروف عني منذ أكثر من 20 عاما أنني أحب الحركة»، وأضاف شوكور الذي سبق له اللعب لفريق غالطة سراي التركي وإنتر ميلان الإيطالي وبلاكبيرن روفرز الإنكليزي: «إن التعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين أيدوا الحكومة بقوة في كل قضية.. كأعداء ليس سوى إنكار للجميل في أحسن الأحوال».

واستقالة شوكور من حزب العدالة والتنمية الحاكم يقدم أكبر دليل ملموس حتى الآن على وجود شقاق بين أردوغان وكولن الذي يقول أنصاره أن أعدادهم بالملايين.

يعتمد أردوغان منذ صعوده إلى السلطة على موالين أثرياء ينحدرون في الأساس من نفس الفئة المهنية ذات التوجهات الدينية التي توقر كولن

وأغضب أردوغان الحركة التي يشغل أعضاؤها مناصب قوية في مؤسسات تتراوح من الشرطة والخدمات السرية إلى القضاء بسبب خططه الرامية لإلغاء المدارس «الإعدادية» الخاصة والتي تمول وتدير حركة كولن الكثير منها.

وتمثل مدارس كولن التي أقيمت في أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة وآسيا مصدرا رئيسيا للدخل لكنها أيضا أداة نفوذ قوية خاصة في تركيا حيث تشكل شبكة من اتصالات النخبة والولاءات الشخصية.

وساعدت الحركة حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية في الفوز بعدد كبير من الأصوات في ثلاثة انتخابات متتالية على مدى العقد الأخير، لكن ثمة خلافات أيديولوجية بين الجانبين منذ فترة طويلة حيث أن الكثير من أتباع كولن يعتبرونه أكثر تقدما وتأثيرا على تركيا من أردوغان الذي أثارت آراؤه بشأن قضايا مثل الإجهاض وشرب الخمور اتهامات متنامية بالتدخل في الحياة الخاصة للأتراك.

ويعتمد أردوغان منذ صعوده للسلطة في عام 2002 على موالين أثرياء ينحدرون في الأساس من نفس الفئة المهنية ذات التوجهات الدينية والتي توقر كولن، ويهدد الخلاف بين الجانبين بتقويض قاعدة التأييد قبل الانتخابات المحلية والرئاسية العام القادم.

يذكر أن كولن من الشخصيات التركية البارزة التي تتمع بنفوذ وإشعاع واسع داخليا وخارجيا، وقد استهل مسيرته بتعيينه إماما وهو في ربيعه العشرين في جامع بمدينة أدرنة، ثم بدأ العمل الدعوي في مدرسة لتحفيظ القرآن بمدينة أزمير، وعمل واعظا متجولا فعرف بزهده وبنشاطه الدعوي والتربوي في عدة مدن بغرب تركيا منذ بداية الستينيات، وكان يسعى لنشر قيم الإسلام من خلال محاضراته وخطبه الدينية فراح ينظم الندوات والمجالس واللقاءات الفكرية والفلسفية لنشر الثقافة الدينية ولتعليم الناس مبادئ الإسلام، كما ركز اهتمامه على ضرورة دعم مجال التعليم بصفة عامة.

وقد أدرك فتح الله كولن في وقت مبكر من خلال تواصله المباشر مع كافة فئات المجتمع التركي ومن خلال قراءاته وعلاقاته أن مجتمعات العالم الإسلامي عامة تعاني من ثلاث علل كبرى هي: الجهل، والفقر، والتفرق، فأولى الدعوة إلى العلم والعمل لتفعيل مشروع تربوي متكامل اهتماما كبيرا، وحث الأثرياء على التضامن الاجتماعي ومساعدة الفقراء والاستثمار في مجالي التربية والتعليم وانطلق في إنشاء مدارسه الخاصة وسعى من خلال أعماله لرسم صورة للمسلم المتفتح على العالم.

يعتبر كولن من علماء الإسلام المصلحين ودعاته المعاصرين على مستوى العالم، وفي تركيا يعتبر "أب الإسلام الاجتماعي"

ويعتبر كولن من علماء الإسلام المصلحين ودعاته المعاصرين على مستوى العالم، وفي تركيا يعتبر «أب الإسلام الاجتماعي» فهو مؤسس وزعيم «حركة كولن» الحركة الدينية التي تمتلك مئات المدارس الخاصة في تركيا وخارجها في بلدان مثل المغرب وكينيا وأوغندا وروسيا بعض جمهوريات آسيا الوسطى، وللحركة صحفها ومجلاتها وقنواتها التلفزية الخاصة ولها كذلك شركات تجارية خاصة ومؤسسات خيرية، ومن أبرز أنشطتها الدولية إقامة مراكز ثقافية خاصة وعقد مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي وأميركا بالتعاون مع أكبر الجامعات العالمية.

ونظرا لما حققه كولن من سيط في مجال التعليم وما بلغه من رصيد من الشهرة العالمية فقد احتل المرتبة الأولى في قائمة أهم مئة عالم في الاستطلاع الذي أجرته سنة 2008 مجلة «فورين بوليسي»، وهي مجلة أكاديمية ومجلة «بروسبيكت» البريطانية المشهورة. وقد أنشئت له عدة جامعات في الولايات المتحدة، وإندونيسيا، وأستراليا، أقساما خاصة باسمه (كرسي أكاديمي)، ومراكز علمية متخصصة، وانعقدت مؤتمرات وندوات دولية عديدة في جامعات عالمية لدراسة أطروحاته ونظرياته الدعوية والفلسفية والإصلاحية والتربوية.

كما تميزت حركته عن بقية الحركات الإسلامية بالانفتاح على الآخر المختلف معها وهو ما يجعلها تلقى ترحيبا من دول الغرب، كما أن زعيمها لا يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا ويقول في هذا الصدد أن الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الأقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، لذلك فلا داعي لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام، ووفقا لهذا يرى كولن أن الديمقراطية هي أفضل حل، ولهذا يكن عداء للأنظمة الشمولية في العالم الإسلامي. ولعل هذه المبادئ والمواقف هي منطلق الانشقاق والتباعد غير المعلنيْن بين فتح الله كولن ورئيس الوزراء التركي وحزبه الحاكم، اللذين يسعيان للدفع بالمجتمع التركي بالقوة نحو تطبيق التشريع وأحكام الإسلام في الحياة اليومية، رغم ما هو معلوم عن تنوع المجتمع التركي وعن علمانيته التي ميزته لعقود. ويمكن القول أن مساعي وسياسات الحكومة التركية تمثل الأسباب الحقيقية التي ينتقد من أجلها أردوغان والحزب الحاكم، وفي الضفة المقابلة نجد كولن رجل الدين والداعية والمربي القوي الذي يراه أتباعه بمثابة المربي ذي الصيت العالمي في نشر مبادئ الإسلام المنفتح والمتسامح الذي بدأت قرارات الحكومة بغلق المدارس العلمية الخاصة تهدد مشروعه التربوي وتهدد حركته بشكل مباشر، فهل تكون الاختلافات الأيديولوجية وقرارات حزب العدالة والتنمية بخصوص المدارس الخاصة بداية الصراع بين أردوغان وكولن؟

12