سياسات أردوغان تقوّض عضوية تركيا في الناتو

الثلاثاء 2018/02/06
ترحيب خاص بأردوغان في روما

أنقرة - يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في توتير علاقات بلاده مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بشكل قد يدفع القوات التركية التي تجتاح شمال سوريا إلى الاصطدام بقوات أميركية متمركزة في مدينة منبج، بدل أن تحصل أنقرة على غطاء لعملها العسكري الهادف إلى تأمين حدودها الجنوبية.

ويقول خبراء ومحللون سياسيون إن الرئيس التركي عجز إلى الآن عن التفريق بين طموحه الجارف إلى السلطة ومصالح بلاده الاستراتيجية مع حلف الناتو، ما دفع دولة مثل هولندا إلى سحب سفيرها من أنقرة.

وأعلنت هولندا الاثنين عن سحب سفيرها رسميا من تركيا ورفضها السماح لأنقرة بإرسال سفير إلى أمستردام بسبب صعوبة تحسين العلاقات بين البلدين التي وصلت إلى أدنى مستوياتها.

وتدهورت العلاقات بين تركيا وهولندا السنة الماضية حين منع مسؤولون هولنديون وزيرة تركية إثر تحديها حظرا حكوميا هولنديا على حضور تجمع للترويج لإصلاحات دستورية تسمح لأردوغان بإحكام قبضته على السلطة.

وتوترت علاقات تركيا مع دول أوروبية مثل ألمانيا والنمسا وهولندا بسبب تمسك الرئيس التركي بخوض حملات دعائية على أراضيها، ما يتنافى مع التقاليد الدبلوماسية بين الدول، فضلا عن رفض هذه الدول حملات الاعتقال التي طالت الآلاف من أنصار المعارض التركي فتح الله غولن. وما يكمن تحت هذا الانهيار في العلاقات مع هولندا لا يزال غامضا، ولكن مصادر دبلوماسية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قالت لـ”العرب” إن الجانب التركي أصر على ضرورة اعتذار الهولنديين، رافضا تقديم أي تنازلات.

ويقول ياوز بيدر، رئيس تحرير موقع “أحوال” الصادر باللغات التركية والإنكليزية والعربية، إن “المعنى الرمزي لتطور هذه الأزمة واضح وضوح الشمس، ويتمثل في أن العلاقات التركية بالاتحاد الأوروبي لا تسير على نحو جيد. فهولندا هي واحدة من ست دول أعضاء أسست الاتحاد الأوروبي، وتعتبر من ضمن القوى المؤثرة داخل هيكله”.

وكاتي بيري، مقررة الشؤون التركية في البرلمان الأوروبي، والتي أوصت بوقف محادثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، هي هولندية الأصل، وكذلك النائب الأول لرئيس المفوضية الأوروبية.

وتشعر هولندا بقلق عام إزاء انهيار حقوق الإنسان في تركيا، وتشعر أيضا بالإحباط، لا سيما عندما بدا أن الانقسامات التي طالت المجتمع التركي بدأت تمتد إلى أراضيها.

وجاء هذا الخلاف أيضا كنتيجة للإحباط المماثل الذي تعاني منه تركيا بسبب توقف ديناميكية انضمامها للاتحاد الأوروبي. ففي مقابلة أجراها الرئيس التركي مع جريدة “لا ستامبا” اليومية الإيطالية، أعرب عن هذه المشاعر بصراحة.

وقال أردوغان “لقد نفذنا كل ما طُلب منا من أجل تحقيق معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن قبول العضوية عملية ثنائية الأطراف”.

ياوز بيدر: المشكلة مع هولندا ستستخدم للاستهلاك المحلي لصالح أردوغان

وعندما وجهت الجريدة الإيطالية له الادعاء بأن “الاتحاد الأوروبي يزعم أن عملية قبول العضوية تسير ببطء بسبب فرض قانون الطوارئ في تركيا فضلا عن عدم احترام حقوق الإنسان”، أجاب أردوغان قائلا “أدعو الاتحاد الأوروبي إلى إزالة هذه العقبات المصطنعة التي تقف أمام عضويتنا”.

وقال بيدر لـ”العرب”، “إذا كانت هناك استراتيجية تركية وراء هذا الانهيار في العلاقات التركية الهولندية بسبب نهج تركيا المعروف بالتطرف، فإن هذه المشكلة بالتأكيد ستستخدم للاستهلاك المحلي لصالح أردوغان، كما أنه سيجد أرضا خصبة لتغذية المشاعر المعادية لأوروبا من جديد”.

وأضاف “أما إذا قدم الجانب الهولندي تنازلات، فهذا سيكون مفيدا جدا في تلك الحالة لشعبيته. ومن المتوقع أن يفوز أردوغان، أيضا هذه المرة”.

وحلّ الرئيس التركي الاثنين بالفاتيكان بحثا عن دعم من أعلى سلطة دينية مسيحية، وكذلك عن اختراق حالة البرود في علاقات أنقرة بالعواصم الأوروبية من بوابة روما، لكنه قوبل هناك بالاحتجاجات.

ويقول المحللون إن أردوغان الذي صعّد الخلاف مع أوروبا إلى أقصى حدّ وجد نفسه الآن مجبرا على التهدئة بحثا عن غطاء دبلوماسي وعسكري لأنشطة الجيش التركي شمال سوريا، خاصة أن اجتياح المنطقة كان دون تنسيق سواء مع الولايات المتحدة أو دول أوروبية مركزية مثل ألمانيا وفرنسا اللتين لم تخفيا معارضتهما للتدخل التركي.

وأشار هؤلاء إلى أن محاولة أردوغان للتهدئة وامتصاص الغضب الأميركي من التحدي التركي قد لا تنجح في كسب ود واشنطن.

وبعد أسابيع من انطلاق المعركة، لا تزال القوات التركية تنتهج تصعيدا مستمرا تجاه الجميع، باستثناء الولايات المتحدة.

وبدأ مسؤولون أتراك كبار في تبني خطاب أقل حدة تجاه قوات أميركية خاصة تتخذ من مدينة منبج (شرقي عفرين) مقرا لها. وقال نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداغ إن “القوات التركية ستتقدم باتجاه منبج، وستهاجم الجنود الأميركيين المرابضين بين صفوف قوات حماية الشعب الكردي، أو هؤلاء الذين يرتدون زيها”.

ودأب الرئيس أردوغان على التحذير من الدخول في مواجهات مسلحة مع القوات الأميركية، كما هدد مرارا بتوسيع نطاق الهجوم ليشمل مناطق ممتدة غربي الفرات، بغض النظر عما إذا كانت مناطق يتحكم بها حلفاء الولايات المتحدة أم لا.

لكن تراجع اللهجة الهجومية التركية يعكس أن الضغط الذي تمارسه وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على أنقرة بدأ يؤتي ثماره.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن تركيا تواجه مشكلة عدم قدرتها على الحصول على دعم حلفاء نافذين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لعملية عفرين، كما يدرك أردوغان أن توسيع نطاق العملية، بما يؤثر على الاستراتيجية الأميركية في شمال سوريا، من الممكن أن يقود إلى تقويض وضع تركيا داخل الحلف.

ولا تبدو الولايات المتحدة مستعدة لسحب قواتها من المنطقة، أو تقديم أي تنازلات مجانية لتركيا في الوقت الحالي. ويقول مراقبون في واشنطن إن الولايات المتحدة تفهم “السر المعلن” في علاقة تركيا بالجماعات المتشددة (داعش وجبهة النصرة) وإن الضغط على الأكراد من أجل تسليم أراض في المنطقة للقوات التركية سعيا لامتصاص غضب أردوغان، سيشكل خطأ استراتيجيا كبيرا ينعكس في إمكانية عودة المتشددين للتمدد على طول الحدود السورية مع تركيا، وهو ما سيمثل التخلي عن مكاسب استراتيجية لن يقبل بها الغرب.

1