سياسات التقشف تهز استقرار المدارس البريطانية

تعتبر المدارس والمعاهد الثانوية البريطانية نموذجا يحتذى من حيث جودة التعليم في العالم. غير أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تمر بها بريطانيا في الوقت الراهن جعلت بعض المدارس تضطر إلى التقشف سواء في توفير مستلزمات التعلم للتلاميذ أو في تخفيض عدد أعضاء هيئة التدريس، الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ الفصول الدراسية وبالتالي تراجع أداء المؤسسات التعليمية التي تؤدي إحدى أهم الخدمات التي يهتم بها المواطن البريطاني.
الثلاثاء 2017/06/13
أي مستقبل ينتظر تلاميذ المدارس البريطانية

لندن- عمل أطفال المدارس الابتدائية على تنظيف الفصول الدراسية الخاصة بهم في مدرسة واقعة على بعد أقل من ستة أميال من شارع داونينغ ومكتب تيريزا ماي. أفادت التقارير هذا الأسبوع بأن التلاميذ في منطقة واندسورث بلندن ينظفون الفصل الدراسي في نهاية اليوم لعدم مقدرة المدرسة على توظيف عامل نظافة، وهو الوضع الذي لا يكشف فقط التقشف الذي تعيشه المدارس اليوم، ولكن أيضاً يدق ناقوس الخطر للمستقبل.

وبالتوازي مع انخفاض مستوى الخدمات الصحية وأيضاً الخدمات المحلية الأخرى، تأتي المدارس بدورها لتعلن انخفاض مستواها كخدمة عامة. وبحسب المكتب الوطني لمراجعة الحسابات فإنه بحلول عام 2019 – 2020، سيواجه نظام التعليم انخفاضاً بنسبة 8 بالمئة في قيمته الحقيقية.

يصل هذا الانخفاض إلى حوالي 3 مليار جنيه إسترليني في إنكلترا، أو ما يعادل 20 ألف جنيه إسترليني لكل تلميذ خلال فترة وجود التلاميذ في الفصول الدراسية. هذا بالإضافة إلى التخفيض الكبير في الميزانية الذي ستشهده 9 آلاف مدرسة، فضلاً عن المدارس الثانوية التي ستتبع أكبر خطة لخفض الدعم شهدتها منذ السبعينات من القرن الماضي.

بالإضافة إلى اكتظاظ الفصول الدراسية التي وصل عدد التلاميذ فيها إلى 40 تلميذاً، تم توظيف معلمين غير مدربين

وسألت صحيفة الغارديان البريطانية قراءها الشهر الماضي عن آرائهم وتجاربهم في علاقة بانخفاض مستوى التعليم. وقال أحد المعلمين في هاي وايكومب “لا توجد كتب مدرسية، يحتاج الأطفال إلى شرائها بأنفسهم. أجهزة التدفئة كانت تعمل جيداً عندما بُنيت المدرسة عام 1950، الآن تبلغ درجة الحرارة داخل الفصل الدراسي 8 درجات مئوية في فصل الشتاء”.

وقالت معلمة في نيوبورت إنه لا توجد كتب أو أوراق مسطرة في فصلها الدراسي، بل إن المعلمين أصبحوا يطلبون من أولياء الأمور إمداد بعض الدعم المادي الطارئ تطوعاً منهم باعتباره دينا على المدرسة سوف تسدده لهم لاحقاً.

كما تحدث المعلمون من نورفولك ولندن عن النقص الحاد في عدد الموظفين، وبحسب أحد المعلمين في وايموث “نقُص عدد أعضاء هيئة التدريس من 60 إلى 15 معلماً على مدار السنوات الخمس الماضية”، وبالإضافة إلى اكتظاظ الفصول الدراسية التي وصل عدد التلاميذ فيها إلى 40 تلميذاً، تم توظيف معلمين غير مُدربين لمواد مثل الرياضيات، وأحياناً يتم حذف بعض المواضيع الدراسية بالكامل. وبسبب عدم وجود المال الكافي لدفع رواتب المعلمين، انسحب هؤلاء.

وتزداد استراتيجيات تمديد الميزانية تخييباً للآمال، حيث تعمل بعض المدارس على خفض عدد فصول تكنولوجيا المعلومات، لأن المدرسة لا يمكنها -وببساطة- أن تستبدل أجهزة الكمبيوتر المعطلة. ولا يُسمح للتلاميذ بأن يأخذوا مشاريع التكنولوجيا والتصميمات الخاصة بهم إلى المنزل، لأن المدرسة تحتاج إلى إعادة استخدام المواد.

وعندما يصبح الورق والكهرباء من الكماليات، فإن التصوير الفوتوغرافي والخیار الوحید؛ إذ لا تسمح مدرسة في باث الآن سوى بورقة واحدة لکل فصل في الأسبوع، وفي مدرسة بیتربورو وصل خفض الدعم إلى حد تخصيص ورقة واحدة بحجم (أ4) لكل تلميذ.

وقال أحد المعلمين “في الوقت الذي يبحث فيه التلاميذ من عمر 11 إلى 13 سنة يائسين عن أوراق العام الماضي لمراجعة المواد الدراسية، وجب على من هم في عمر 16 و 18 سنة أن يشتروا أوراقهم وأن يطبعوا موادهم الدراسية الخاصة بهم بأنفسهم”.

نظام التعليم سيواجه انخفاضاً بـ8 بالمئة في قيمته الحقيقية، إلى جانب تخفيض في الميزانية ستشهده 9 آلاف مدرسة

وطرحت الصحيفة تساؤلات حول مستقبل المدارس والتلاميذ العام المقبل وما بعده انطلاقا من الوضع الراهن وربطت في أجوبتها مستقبل المدارس بنتائج الانتخابات البرلمانية ومستقبل الأحزاب السياسية معتبرة أن الخيارات الانتخابية للبريطانيين تمثل في نهاية المطاف مؤشراً مهما لحياتهم المستقبلية، ولمستقبل أطفالهم المدرسي في العام المقبل.

ويشير بعض المعلمين إلى أنه من بين خطط تقليل الدعم ستعمل المدارس على تجميع الموارد التعليمية من شبكة الإنترنت، وستقوم بتوظيف معلمين غير متخصصين لتعليم مستويات (أ) وستبيع الملاعب الرياضية التي توجد في المدارس.

كما حذرت “رابطة قادة المدارس والكليات” من أن بعض المدارس تفكر في تخصيص يومين راحة في الأسبوع بدلاً من يوم واحد لأن ليس لديها العدد الكافي من المعلمين لتغطية الجدول الزمني اليومي؛ وبالفعل بدأت مدرسة في برمنغهام باختصار 30 دقيقة من اليوم الدراسي.

ويؤمن فريق تيريزا ماي بفكرة أن الناخبين، الذين أضعفتهم سنوات التقشف، سيقبلون هذا المستوى من تراجع الخدمات العامة وسيرونه أمرا ضروريا ولا مفر منه. ولكن مع اهتمام حزب العمال بقضية المدارس مرة أخرى ووضعها ضمن جدول الأعمال الانتخابي، فإن ذلك سيتيح الخيارات بين توقعات ماي المنخفضة وبين نظام تعليم على مستوى عالمي تستحقه الأجيال القادمة.

من وجهة نظرهم، تستطيع واحدة من أغنى الدول في العالم أن تدعم المدارس بشكل كاف، ولا يمكن تخيّل الفصول الدراسية ذات الأجواء الباردة ورفوف الكتب الفارغة إلا في ظل حكومة الحزب المحافظ.

17