سياسات الحكومة المرتبكة تضع السلم الاجتماعي في الجزائر على المحك

تواجه حكومة عبدالمالك سلال مطلع العام القادم اختبارا صعبا في مواجهة الشارع الجزائري، بالجهر بالقطع نهائيا مع سياسة شراء السلم الاجتماعي، عبر الإعلان عن حزمة جديدة من الضرائب وبداية الانسحاب التدريجي للخزينة الدولة عن دعم المواد الاستهلاكية.
الأحد 2015/09/13
سلال أمام تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة قد تطيح به

الجزائر - تتجه الحكومة الجزائرية لاتخاذ جملة من الإجراءات الضريبية، ستنعكس بصورة مباشرة على المواطن الجزائري، الأمر الذي يهدد السلم الاجتماعي في هذا البلد.

وتشهد الجزائر في السنوات الأخيرة حالة احتقان شعبي جراء سوء إدارة حكومة سلال للملفين الاقتصادي والاجتماعي وانتشار مظاهر الفساد داخل المؤسسات الحكومية، زد عليهما تهاوي أسعار النفط الذي يعتبر أحد ركائز الاقتصاد الجزائري.

وقد دفع هذا الوضع المهترئ الخبراء والمحللين إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من مغبة استمرار هذا الوضع، لافتين إلى أن عديد المؤشرات تنبئ بإمكانية تفجّر الوضع في الجزائر الأمر الذي ستكون تداعياته وخيمة في ظل حالة الاضطرابات الأمنية والسياسية التي يعانيها عدد من دول المنطقة.

التحذيرات المتصاعدة، يبدو أنها لا تلقى آذانا صاغية من حكومة سلال، حيث كشفت الوثائق الأولية لقانون المالية للعام 2016، عن وضع الحكومة لحزمة من الضرائب الجديدة ستمس بصفة مباشرة جيوب الجزائريين، ما يضع لأول مرة منذ 15 عاما الاستقرار الاجتماعي على المحك، ويضع الحكومة في مواجهة الشارع الجزائري.

ورغم أن الحكومة لا زالت تتكتم أمام الجزائريين بعدم انزلاق البلاد في أتون أزمة اقتصادية، ووفرة هوامش المناورة لديها لأجل مواجهة تداعيات تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية، وتقلص مداخيل البلاد من 68 مليار دولار في العام 2014 إلى 34 مليار دولار خلال العام الجاري، إلا أن التدابير التي كشفت عنها تسريبات قانون المالية للعام المقبل، تؤكد بداية سياسة التقشف وشد الحزام التي سلطت في أول تجلياتها على الفئات الاجتماعية البسيطة.

وعلاوة على تداعيات الخفض الممنهج لقيمة الدينار الجزائري منذ عدة أشهر، بدأت مؤشرات المواد الاستهلاكية المستوردة في الارتفاع، لا سيما وأن البلاد تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتموين السوق الداخلية، كما أن العملة المحلية فقدت حوالي 25 بالمئة أمام الدولار الأميركي و20 بالمئة أمام اليورو، فإن الضرائب الجديدة ستدفع الجزائريين إلى دفع المزيد من جيوبهم المنهكة، في مجالات الوقود والكهرباء والماء والسيارات والمواد الكمالية، مما يرشح قدرته الشرائية إلى المزيد من الانهيار.

وحسب التسريبات التي كشفت عنها وثائق قانون المالية، فإن الحكومة ستلجأ لرفع رسم القيمة المضافة من 7 بالمئة إلى 17 بالمئة، مما يرفع قيمة اللتر الواحد من الوقود بمختلف أنواعه في محطات البنزين بحوالي ثلاثة دنانير (2.5 سنت) أما اللتر الواحد من الغاز الطبيعي المسال سيسجّل ارتفاعا مضاعفا قد يصل إلى حوالي 18 دينارا (15 سنتا) في حين سيرتفع الديزل بثلاثة سنتات، كما يقر مشروع القانون زيادات في ضريبة السيارات تبدأ من 50 يورو وتصل إلى 150 يورو في حال لم تتجاوز السيارة عمر خمس سنوات، في حين يرتفع السعر ليصل إلى ما بين 25 يورو و65 يورو بالنسبة إلى السيارات التي يتجاوز عمرها 5 سنوات.

الحكومة وضعت حزمة من الضرائب الجديدة ستمس بصفة مباشرة جيوب الجزائريين، ما يهدد لأول مرة منذ 15 عاما الاستقرار الاجتماعي، ويضع الحكومة في مواجهة الشارع الجزائري

ولن يتوقف نزيف المواطن الجزائري عند هذا الحد، بل يتعداه إلى خدمات أخرى تتعلق باستهلاك الكهرباء والماء وإنترنت الجيل الثالث، والإقامة في المدن الكبرى، والسكن والعقار والنفايات، بعدما أقرّ القانون رفع رسم القيمة المضافة من 7 إلى 17 بالمئة، كلما تجاوز الاستهلاك حدا معينا قُدّر في الكهرباء بـ125 كيلوواط، وهو المستوى الذي تبلغه أبسط العائلات الجزائرية.

وبحسب خبراء اقتصاديين فإن سلّة الضرائب الجديدة زيادة على كونها تشكل صدمة قوية للجزائريين، بالنظر لتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية، فإنها ستستنزف حوالي 30 بالمئة من الرواتب التي لا تتعدى 250 يورو، وهو ما يضع مسألة الاستقرار الاجتماعي على المحك، ويجر الحكومة إلى مواجهة علنية للغضب الاجتماعي بعد سنوات من سياسة الشراء والمقايضة.

ويرى الخبير الاقتصادي ورئيس جمعية “الجزائر استشارات للتصدير”، إسماعيل لالماس في اتصال مع “العرب “، بأن ما رشح لحد الآن هو تسريبات لجس نبض الرأي العام، وقانون المالية المقبل سيكون غصة في حلق الحكومة، لأنها مجبرة للدفاع عن خيارات قاسية أمام المؤسسات والشارع والإعلام.

وأضاف: “ما تعيشه الجزائر هو نتيجة طبيعية لسياسة الريع المنتهجة منذ الاستقلال، وأهم عنصر في المعادلة هو عامل الثقة، فمن فشل في تحقيق نهضة اقتصادية لمّا كان النفط بسعر 140 دولارا للبرميل، لا يستطيع أنه يقنع الرأي العام بتحقيق هذا الهدف وسعر النفط بـ50 دولارا، وبالتالي فإن فرض هذه الضرائب على وجاهتها النظرية، يظهر عيبها في اهتزاز صدقية الجهة التي أقرتها وفي غياب التضامن والعدل في توزيع أعباء الأزمة بين الفئات البسيطة والفئات الميسورة.

وتابع “الحكومة أمام خيارات محدودة ولا مفر لها من البحث عن مصادر جديدة لتعويض خسائر الجباية البترولية التي كانت تغطي 60 بالمئة من إجمالي المداخيل الجبائية، ولذلك اتجهت إلى إطلاق تحفيزات من أجل استقطاب الكتلة النقدية السوق الموازية والمقدرة بـ3700 مليار دينار (37 مليار دولار)، لكن التخبط في التوزيع العادل للأعباء ودعم المواد ذات الاستهلاك الواسع، هو الذي سيعمق من الفوارق الطبقية ويفتح عليها أبواب الاضطرابات الاجتماعية”.

وتعول الحكومة على رفع مداخيل الضرائب بـ50 بالمئة، لتصل إلى حدود 2600 مليون دينار (26 مليار دولار) من أجل تغطية تقلص مداخيل الجباية البترولية، مع إدخال آليات جديدة للتحصيل كما هو جار مع كتلة السوق الموازية، أو توسيعها لتشمل أكبر قدر من المواطنين، واتخاذ تدابير صارمة ضد المؤسسات الاقتصادية والخدماتية المخالفة للنصوص التشريعية.

2