سياسات العالم الحديث تُصاغ وفق مصالح الأثرياء

الثلاثاء 2014/12/09
مجسمات هازئة من رؤساء دول مجموعة الثماني وسياساتهم المرتهنة لإملاءات أصحاب المال والنفوذ

القاهرة- يتزايد الاهتمام بين الحين والآخر برصد تأثير الأغنياء على قضايا سياسية، وبشكل خاص إبان أحداث هامة مثل الانتخابات، ومدى تأثير أولئك الأثرياء على مصائر بلدانهم، وبشكل خاص في الولايات المتحدة الأميركية. وكثيرًا ما تُثار العديد من القضايا حول طبيعتهم، ومدى تأثيرهم في السياسات والقرارات والتشريعات. قضايا عدّة حاول داريل ويست، نائب رئيس معهد بروكينغز الإجابة عنها في كتابه “المليارديرات: تأملات في التأثير السياسي للنخبة”، صدرت حوله هذه الدراسة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

في ظل احتدام المناقشات والتفسيرات المختلفة حول تأثير ما يُطلق عليهم بـ”أصحاب المال والقوة”، نشر كتاب داريل ويست، نائب رئيس معهد بروكينغز ومدير وحدة دراسات الحكم، المعنون “المليارديرات: تأملات في التأثير السياسي للنخبة”، والذي يُعتبر مؤشرًا على القوة السياسية لمليارديرات الولايات المتحدة الأميركية من خلال تحديده قائمةً تضم حوالي 20 مليارديرًا أميركيًّا مؤثرين في التوجهات السياسية لواشنطن.


كيف يمكن للأثرياء أن يكونوا مؤثرين؟


يؤكد ويست في بداية كتابه أن ترتيب هذه الشخصيات لا يركز في المقام الأول على ثروتهم بقدر ما يهتم بتأثيرهم السياسي بشكل عام. ومنهم على سبيل المثال رجل الأعمال روبرت موردخ المعروف بـ”ملك الصحف”، ومايكل بلومبرغ عمدة نيويورك السابق ومؤسس شركة “بلومبرغ”، وكذلك مؤسس موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مارك زوكربيرغ، وآخرون.

من ثمّة يجادل ويست في كتابه بأنّ الإنجازات السياسية في بعض الأحيان تكون نتيجة الثروة المُركزة، وأنها غالبًا ما تكون السبب الخفي وراء انتهاج سياسات بعينها، أو للحفاظ على مكانة سياسية معينة.

ويدلل على ذلك بحملة مايكل بلومبرغ وإنفاقه ما يقرب من 260 مليون دولار على حملته ليصبح، ويبقى، عمدة نيويورك، حتى أن بعض المصادر في عام 2009 أشارت إلى أنه قام بشراء أصوات انتخابية لصالحه كلفه الواحد منها حوالي 184 دولارًا.

وعليه، ووفقًا للكاتب، فإنّ الأثرياء لا يفوزون دائمًا، ولكن النقود تتحدث بل وتقترع، بينما على الجانب الآخر هناك من الأثرياء من لديهم احترام للاستقلالية المؤسساتية، ومنهم على سبيل المثال بيل غيتس، الذي يُعتبر واحدًا من أغنى أغنياء الولايات المتحدة، ولكن صلاحياته ضعيفة، أو بمعنى أكثر دقة لا تصبّ في التأثير على السياسات الرسمية أو المؤسسية الأميركية، بل آثر أن يكون لأمواله مصدر قوة آخر من خلال اشتراكه في “مبادرة الصحة العامة”، وهي مبادرة دولية لمكافحة التدخين، والتي شارك فيها بمبلغ يقدر بحوالي 125 مليون دولار منذ عام 2006. ولذا، يؤكد الكاتب أن تحذيره يُعتبر بمثابة نظام إنذار مبكر وتحذير معتدل لا ينبغي بأيّ حال من الأحوال تجاهله، فالغني قد يملك القوة المادية، ولكنه يفتقر إلى السلطة، ولهذا يحذر الكاتب من التمادي في ممارسة السلطة الكامنة في الثروة المادية، والتأثير على التوجهات السياسية الرسمية.

وفي سياق متصل، يحاول ويست بين طيات كتابه الإجابة على عدة تساؤلات هامة مفادها: هل يمكن للمليارديرات منع تشريعات بعينها؟ ولماذا انتقل الأثرياء من مناصرة السياسات إلى صياغتها؟ لماذا يُدير الأثرياء من خلال أكثر من 12 دولة أعمالهم؟ وما علاقة هذا الحجم من الأعمال بسياسات الدول المختلفة؟

قلة من أصحاب المصالح تستطيع التأثير على تشريعات مجلس الشيوخ الأميركي التي قد تؤثر على مصالحهم

وذلك من خلال تقسيم كتابه إلى ثلاثة أجزاء بإجمالي عشرة فصول تتضمن عددًا من الأفكار الرئيسية، بداية من الجدل حول المليارديرات والاستقطاب السياسي، مرورًا بالتهديدات التي يشكلها تدخلهم في أداء النظام، وانتهاءً بمخاطر تدخل المليارديرات والأثرياء في دول العالم النامي.


هل تشكل قلة مستقبل الأغلبية؟


يُشير ويست في بداية الجزء الأول من كتابه إلى أن تساؤل البعض بـ”هل يختلف هؤلاء الأثرياء عن الأشخاص العاديين؟”، ليس هو محور التحليل الحالي لكتابه، فالحقيقة المؤكدة أن هؤلاء القلة يشكلون العالم، سواء نحو الأفضل من خلال اختراعات جديدة ومفيدة، أو دعم لبعض المبادرات الاجتماعية في ضوء ما يُطلق عليه “المسؤولية الاجتماعية”، أو نحو الأسوأ من خلال استخدام الحكومات لإثراء أنفسهم، وخلق ثقافة الانفصال الاجتماعي عن مجتمعاتهم، وبناء عليه يتم “تقويض المسارات الديمقراطية للمجتمعات”.

ومن ثمّ فإن تركز حوالي ثلث الأصول الأميركية في يد القلة، هو ما يجب دراسة تأثيره. فهؤلاء القلة يملكون تأثيرًا على الانتخابات، والسياسة العامة، والحكومة والشفافية في المجال الاقتصادي.

ولهذا رأى الكاتب ضرورة تحليل التأثير السياسي والاقتصادي لأصحاب المليارات، خاصة مع تنامي ما يُطلق عليه بـ”النشطاء السياسيين”، و”أصحاب العمل الخيري” من الأثرياء، وتدخلهم في تشكيل السياسات العامة للدولة. ويؤكد أنه يحاول تقييم تأثير هؤلاء القلة على أداء النظام سياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا. خاصة مع إثارة الشكوك حول النفوذ السياسي لهم، والشفافية والمساءلة حول ما إذا ارتكبوا مخالفات قد تضر بالسياسات العامة أو بالمجال الاقتصادي.

التزاوج بين السلطة والثروة يحُول دون رفاه المجتمعات


ما هو الوضع في الولايات المتحدة؟


من جهة أخرى، يستطرد الكاتب بأنّه وفقًا لمجلة فوربس، هناك 1645 مليارديرًا يتواجدون حول العالم، منهم 492 يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وهو عدد تنبغي معه، وفق رأيه، دراسة وتحليل تأثيره على الجهود السياسية في الولايات المتحدة، على صعيدي النفوذ السياسي، والمساءلة والشفافية حول أداء النظام.

فالدول وعلى رأسها الولايات المتحدة لا بد لها من تعزيز أفضل أسس الإفصاح والحوكمة والشفافية. خاصّةً أنه طبقًا للمجلة سالفة الذكر فإن قائمة المليارديرات تضاعفت على مدار العقد المنصرم، وكذلك ثرواتهم، ليملكوا في الوقت الحالي ثلث ثروة البلاد.

في هذا الإطار يتتبع ويست تحليل ما يُطلق عليه الاقتصاديون “تركز الدخل”، ليقدم إلى القارئ حقيقة مفادها “أن تركز الدخل في الوقت الحالي يشبه ما كان عليه إبان عشرينات القرن الماضي قبل الكساد العظيم”، وهو إذا ما استمر على هذا المنوال فسوف يؤدي إلى حالة من الركود مع ازدياد ثراء القلة، مقابل ازدياد فقر أو ضعف دخل الأكثرية. فطبقًا لتحليل فجوة الدخل (مقياس يُستخدم للتعبير عن التفاوت بين مستويات الدخل المختلفة)، فإن عدم المساواة المالية زادت بشكل كبير على مدار السنوات الـ60 الماضية، وبشكل أكبر على مدار السنوات العشر الأخيرة.


أي دور للمليارديرات؟


يستعرض الكاتب في الجزء الثاني من كتابه ما يُطلق عليه “استراتيجية أن تصبح سيناتورًا”، مُشيرًا إلى أنه ليس من قبيل المصادفة سعي هؤلاء الأثرياء إلى امتلاك النفوذ من خلال الترشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وعرقلة مسار أيّة موافقات بالإجماع قد تضر بمصالحهم الاقتصادية والسياسية في اتخاذ قرارات ذات تأثير على أعمالهم، وفي بعض الأحيان ينجحون في عرقلـة إصدار تشريعـات بعينـها قـد تـضر بهم.

ويدلل الكاتب على ذلك باستياء السيناتور (راند بول، جمهوري من ولاية كنتاكي) من المعاهدة التي كانت مُقترحة بشأن إجبار البنوك السويسرية على الإفصاح عن أسماء 22 ألفًا من الأثرياء الأميركيّين الذين يملكون أكثر من 10 بلايين دولار ببنوكها بزعم “اختراق خصوصية الأفراد”، وهو ما عرقل إصدار تشريع يسمح بإبرام هذه المعاهدة.

1645 مليارديرا يتواجدون حول العالم، منهم 492 في الولايات المتحدة وحدها

وفي هذا السياق، يؤكد ويست أنّ القلة من أصحاب المصالح تستطيع التأثير على عدم إصدار تشريعات من مجلس الشيوخ قد تؤثر على صناعات أو مجالات معينة قد تضر بمصالحها، ومن ثم فقد تزايدت قدرتها خلال العقدين المنصرمين على وقف أيّة تدابير قد تراها ضارة بمصالحها.

من جهة أخرى، يتطرق ويست إلى مثال آخر عملي يتعلّق بالثري الأميركي دونالد ترامب، الذي انتقد الرئيس باراك أوباما في عام 2012 عقب زيادة نسبة الضرائب على الأثرياء، وبعدها بدأت إثارة المتاعب من قبل الحزب الجمهوري.

ويؤكد أنّ الفوارق في الدخل تشكل تحديات حقيقية للأنظمة السياسية القائمة، خاصةً مع تأثير أصحاب الثروة على السياسات المنتهجة من قبل الحكومة، وقدرتهم على التأثير في إصدار التشريعات ووقف بعض التدابير التي من شأنها الإضرار بمصالحهم، وما يترتب عليها من تجاهل مصالح الغالبية العظمى غير الممثلة. كما أشار إلى أنّ الجدل حول ما يطلق عليه “إعادة توزيع الدخل” يمثل حجر الزاوية للغالبية من الفقراء، وفي نفس الوقت يحمل بين طياته العديد من المخاطر للأثرياء نتيجة مطالبة الفقراء بالمساواة، والتي هي من وجهة نظرهم غير منصفة.

ومن ثمّ فإنّ التهديد الرئيسي للأنظمة القائمة تتمثل في ضرورة معالجة عددٍ من القضايا الرئيسية، وعلى رأسها: عدم المساواة، ومعالجة الجمود الاقتصادي، والتحرك صعودًا في سلم الدخل للأكثرية الفقيرة.

داريل: اتساع فجوة الدخل يؤدي إلى إسقاط السلط السياسية


ماهي مخاطر التدخل في الدول النامية؟


في الجزء الأخير من كتابه تطرق ويست إلى تحليل تأثير تدخل الأثرياء في الدول النامية، والتي تعاني بطبيعتها من عدم المساواة بين مواطنيها اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا. حيث أشار إلى عددٍ من التحليلات الاقتصادية الّتي تشير إلى أنّ أعلى معدّلات لعدم المساواة تسجلها دول أميركا اللاتينية، وفقًا لمعامل جيني (مقياس إحصائي للتدليل على الفجوات في توزيع الدخل ما بين أفراد المجتمع) بمقدار 0،48، تليها دول جنوب الصحراء في أفريقيا بمقدار 0،44، ثم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار 0،39، ثم أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بمقدار 0،35.

من ثمة أوضح، أنّ هذه الأرقام المسجلة تدلّ على ضعف سيادة القانون في تلك الدول التي لا تمتلك نظم حكم ونظما انتخابية قوية تستطيع الموازنة بين المطالب السياسية لذوي الثروة ومصالح الجمهور العام .

وبناء عليه يتحكم الأثرياء وأصحاب المال والنفوذ في المسار الانتخابي بهذه الدول نتيجة قدرتهم المالية على تمويل الحملات الانتخابية والإعلامية المساندة لمرشح بعينه، أو حزب بعينه، يُسميه ويست “الاتحاد بين الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية”، ويُسميه اختصارًا “بالرّجل القوي” الذي يتمكن من جمع الثروة الهائلة بينما بقية أفراد الشعب تعيش في الفقر المدقع.

كما يؤكّد أنّ ظاهرة “الرجل القوي” أكثر وضوحًا في الدول الأفريقية، وكذلك بعض دول الشرق الأوسط وآسيا وأميركا اللاتينية. ومن ثمّ فإن التباين الدراماتيكي بين الأثرياء والفقراء في هذه الدّول قد يعرقل التنمية الاقتصادية والسياسية في هذه المجتمعات لفترات زمنية طويلة. ويُنهي تحليله في الجزء الأخير من كتابه بدقّ ناقوس الخطر لمجتمعات العالم النامي على وجه الخصوص، خاصة مع سماح الأنظمة القانونية والسياسية في معظم هذه الدول بانتقال الثروة وتوارثها بين الأجيال دون أيّة رقابة أو خطوط حمراء لمصدرها، ومن ثم ازدياد فجوة الدخل وعدم المساواة، نتيجة سوء الإدارة السياسية والاقتصادية ومحدودية الفرص المتاحة للأغلبية الفقيرة للصعود وتقليل فجوات الدخل.

وهو ما يخلق نظامًا اجتماعيًّا هشًّا لا يستطيع الأفراد فيه تحقيق الحراك الاقتصادي والاجتماعي، وقتل موهبة الإبداع والابتكار الذي ينهض بالمجتمعات ويحقق تنميتها، وهو ما سوف يؤدي إلى الإطاحة بالسلطة السياسية في هذه الدول، خاصة مع ندرة الموارد الاقتصادية المتاحة ومحدوديتها، وتركزها في يد القلة التي لا تمثل أكثر من 1 بالمئة من المجتمعات، وهو ما يُعد بيئة مثالية ومهيأة لانتشار الفساد، وزيادة فجوة الدخل.

ويخلص داريل ويست في النهاية إلى تقديم حقيقة مفادها؛ الدّعوة إلى وضع وسنّ تشريعات حاسمة في كافة المجتمعات، النامية والمتقدمة، تعزّز قيم الشفافية، والمساءلة، وإتاحة الفرصة للتقدم الاقتصادي، وتبني السياسات التي ترسخ للعملية الديمقراطية الحقيقية، وفصل التزاوج الذي حدث ما بين الثروة والسلطة، لتحقيق الرفاهية الاجتماعية في كافة المجتمعات.

6