سياسات تحطيم جمعيات وروابط المجتمع المدني الجزائري

الخميس 2016/09/22

يجمع مفكرو الدولة العصرية في العالم الحديث على أن المجتمع المدني، بروابطه وجمعياته وأحزابه المستقلة، يعد فعلا من الأسس الحديثة للديمقراطية حيث أن تقييد أو عرقلة ظهورها أو رفض نشاطها بعيدا عن وصاية المجتمع السياسي الرسمي أمر يؤدي إلى خنق حرية التجمع والتعبير الحر في المجتمع، والنضال المدني من أجل حماية حقوق الإنسان.

وعمليا فإن الدولة الجزائرية في ظل النظام الجزائري المتحكم في الصغيرة والكبيرة، والذي لم يتغير في الجوهر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، قد اتبع ولا يزال يتبع سياسات عرقلة بروز المجتمع المدني المنظم والحر في البلاد وذلك ليفرض سيطرته الكاملة على جميع مفاصل الدولة. وهنا نتساءل: ماذا فعل النظام الجزائري قبل إقرار التعددية السياسية بما كان يسمى بالنقابة المركزية وفروعها عبر الوطن، وبالمنظمات الجماهيرية والاتحادات الثقافية والمهنية والعلمية والفنية؟ وهل حدث أي تغير جوهري في معاملة النظام الجزائري الحاكم لروابط وجمعيات المجتمع المدني في عهد التعددية السياسية؟

لاشك أن الواقع يبين بوضوح أن دار لقمان لا تزال على حالها، ففي الأسبوع الماضي فقط نشرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريرا أكدت فيه مجددا أن حقوق الإنسان في الجزائر كانت ولا تزال تتعرض للانتهاك السافر من طرف الأجهزة الرسمية وفي المقدمة وزارة الداخلية الجزائرية. ومن المعروف أن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان قد أسسها يحيى عبدالنور في عام 1989، ويرأسها حاليا نورالدين بن يسعد، كهيئة مدنية مستقلة، وذلك من أجل حماية مؤسسات المجتمع المدني الجزائري من روابط وجمعيات ثقافية ونقابية واجتماعية وفنية من تدخلات النظام الجزائري.

ولكن رغم مضي زمن معتبر على تأسيس هذه الرابطة فإن جمعيات المجتمع المدني بكل أنماطها لا تزال تتعرض لضربات قاسية من طرف النظام الحاكم في الجزائر جراء سحب التمويل منها عند خروجها عن طاعته من جهة، وبسبب احتواء بعضها وتهميش الجمعيات الأخرى التي ترفض الإذعان لهيمنته من جهة ثانية.

وأكثر من ذلك، فقد كشف هذا التقرير الجديد أن 70 بالمئة من الجمعيات المعلن عنها رسميا لا وجود لها في الحقيقة كقوة مدنية مستقلة وفاعلة في أجواء الحرية، بل فقد حولت إلى مجرد كيانات صورية لا دور لها في الواقع العملي ما عدا القيام ببعض النشاطات الموسمية الشكلية وخاصة الثقافية والفنية منها. وفي الواقع فإن الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان قد عبرت أكثر من مرة في تقاريرها عن السابقة وخاصة في التقرير التقييمي الصادر في العام الماضي 2015 عن تحفظاتها إزاء معاملة النظام الجزائري السيئة للمجتمع الجزائري الناشئ، ولاحظت أن “القانون الخاص بالجمعيات رقم 06-12” يحكم السيطرة على جماعات المجتمع المدني ويمنح السلطات القدرة على رفض تسجيلها أو تمويلها وتعليق نشاطها أو حلَها”.

ويؤكد هذا التقرير الشامل أن الكثير “من المواد في هذا القانون الجزائري تتعارض مع التزامات الجزائر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحمي الحقوق في حرية التعبير والتجمع والتجمهر”، وأن “توقف أكثر من ثلثي الجمعيات الوطنية والمحلية يتعدى 12 ألف جمعية بسبب العراقيل، منها أن الإدارة لا تتجاوب مع الجمعيات إلا إذا كانت تدور في فلكها وعملت على كسب ولائلها عوض بناء مجتمع مدني قادر حل المشاكل التي تتخبط فيها الجزائر”.

وزيادة على كل هذا فإن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان قد دعت مرارا وتكرارا إلى فك الارتباط التعسفي المفروض بالقانون حينا وحينا آخر بواسطة استخدام ورقة الدعم المالي بين أجهزة الدولة التابعة للنظام الحاكم وبين المجتمع المدني، وفي هذا الإطار ترى هذه الرابطة “أن الأشخاص المشاركين في جمعيات غير مسجلة يجب أن يكونوا أحرارا في القيام بأنشطة من بينها الحق في إقامة اجتماعات سلمية والمشاركة فيها، ويجب ألا يتعرضوا لعقوبات جنائية كما يحدث غالب في الجزائر”.

ولكن هذه الدعوات تقابل باستمرار بممارسات تعرقل تجسدها في الحياة الوطنية. من المعلوم أن هناك صنفين من الجمعيات والروابط عبر التراب الوطني حيث يدعى الصنف الأول بالجمعيات والمنظمات الوطنية ويقدر عددها بـ1269 جمعية ورابطة ومنظمة، أما الصنف الثاني فيدعى بالجمعيات المحلية في المدن الصغيرة وفي القرى بالريف الجزائري ويبلغ عددها 109 ألف جمعية ورابطة.

إن هذا العدد الهائل من الجمعيات والروابط لا فعالية له عمليا راهنا ما عدا الترويج للنظام الحاكم، وفي هذا السياق نشرت جريدة الشروق اليومي التابعة للقطاع الإعلامي الخاص موقف الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان التالي الذي تضمنه تقريرها الصادر في الأيام القليلة الماضية، وهو أن “أغلب الجمعيات والمنظمات عوض أن تكون الأكسجين للديمقراطية والسلطة المضادة للأحزاب وللحكومة، أصبحت الآن أبواقا للتسويق السياسي والتعبئة السياسية بين الموالاة والمعارضة”.

كاتب جزائري

9