سياسات تفكيك الطبقة الوسطى في المجتمع الجزائري

الخميس 2016/10/06

السياسات الخطيرة التي ينفذها النظام الجزائري الحاكم من أجل التحطيم المنهجي للطبقة الوسطى وتفقيرها، أدت إلى بروز عدة ظواهر سلبية في المجتمع منها استفحال آفة هجرة الكفاءات بالآلاف إلى خارج البلاد، سواء من الكفاءات في الأطباء والإعلاميين، أو التقنيين والأساتذة والمهندسين والحرفيين البارزين. كما نجده ينفذ أيضا عمليات إغراء للشبان والشابات وأغلبهم من الفاشلين في الدراسة الإعدادية والثانوية والسنوات الأولى من التدرج الجامعي وعدد لا يستهان به من حملة الشهادات الجامعية، بالقروض المشروطة بالفوائد قصد تخلي هذا الصنف الأخير عن تخصصاته الأصلية وتحويله إلى تجار يعيشون على الاستيراد ويروجون لثقافة الاستهلاك الرأسمالية البشعة وغير المنتجة، وبهذا يكون النظام في الجزائر قد هدم ركنا مهمّا وأساسيا في المجتمع الجزائري، وبذلك يكون هذا المجتمع مكونا فقط من مجموعة من الأثرياء الجدد التابعين والخاضعين للنظام الحاكم، ومن الشريحة العمالية الرثة والشريحة الفلاحية الأمية الفقيرتين واللتين لا حول ولا قوة لهما.

ومن الملاحظ أن خلق النظام الجزائري لهذه المجموعة من الأثرياء يتم بطرق غير شرعية بين أوساط المسؤولين الكبار في الهرم الأعلى للدولة مثل المديرين ونواب المديرين المركزيين، وبين أوساط الضباط في الأجهزة الأمنية والعسكرية وغيرهم لكي يحولوهم إلى ترسانة تابعة له، علما وأن هذه الشريحة الجديدة لا تتمتع بالثقافة الحداثية بل إن وعيها تقليدي ورجعي في الغالب، كما أنها لا تساهم فعليا في خلق البيئـة الاقتصادية الوطنية المتطورة والمنتجة سواء في الأرياف المعزولة أو في المـدن الكبرى التي تعاني بدورها من الفوضى وانهيار القيم الأخلاقية والاجتماعية.

وفي الحقيقة، فإن البرنامج المصمم لهدم الشريحة الوسطى قد بدأ على أنقاض تصفية المكاسب البسيطة التي استفادت منها مختلف شرائح العمال والفلاحين في مرحلة الرئيس الراحل هواري بومدين، ومن ثم أخذت الأمور منعطفا خطيرا في مرحلة الرئيس الشاذلي بن جديد عندما أقدم على استيراد موضة اقتصاد السوق وتنفيذ سيناريو بيع أملاك الدولة الكبرى للمسؤولين الكبار في الدولة وللقطاع الخاص الطفيلي، وتجريد الأساتذة والمعلمين والأطباء والمهندسين والتقنيين من مكانتهم الاجتماعية الطبيعية وخاصة بعد معاملتهم كمجرد موظفين من الدرجة السفلى، وبسبب خلخلة الرأسمال المعنوي الذي كانوا يتمتعون به في الماضي.

أما في مرحلة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فقد وجهت ضربات مادية ومعنوية للشريحة الوسطى، وتزامن ذلك مع تفكيك تنظيمات النقابات والروابط والجمعيات التي كانت في الماضي سندا قويا للعمال والفلاحين، وتحويلها إلى مجرد ديكور للسلطة، حيث لا فعالية أو رأي لها في أي شيء له صلة بحياة الشريحة الوسطى أو الشريحة الفلاحية. أسفرت فترتا نهايات التسعينات من القرن العشرين وبدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عن مجتمع مترهل ومشتت ومسلوب القيم ومحكوم من فئة تستمد قوتها من الولاء لسياسات الحكم الفردي والشللي بزعامة الرئيس بوتفليقة والمقربين منه بحكم الروابط العائلية أو الجهوية.

من المعروف أن الطبقة الوسطى الجزائرية قد نشأت بحسب دراسة علمية نشرها الباحث الجزائري إدريس بولكعيبات في مجلة العلوم الإنسانية التي تصدرها جامعة قسنطينة، في أحضان القطاع العام وخاصة خلال مرحلة الرهان على التصنيـع السريع، أي في فترة هواري بومدين حيث كانت الحاجة ماسة إلى مسيّرين ومهندسين لترجمة المشروع، غير أن فترة الشاذلي بن جديد التي شهدت تفكيك البنيات الموروثة عن المجتمع الجزائري التقليدي خلال الاستعمار وبنيات مرحلة هواري بومدين، قد تميّزت بحسب هذه الدراسة بعدة انهيارات منها “أن الاقتصاد الجزائـري تعرض لأزمة ابتداء من العام 1986، بعد انهيار أسعار النفط وتفاقم المديونية الخارجية وسيطـرة السياسة على الاقتصاد، مما دفع السلطة إلى القيام بسلسلة من الإجراءات منها تحرير السوق، وخوصصة القطاع العام. هذه الإجراءات أدت إلى إعادة الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي. غير أن أزمة اجتماعية تفجرت وطالت الطبقة الوسطى بشكل خاص، وهدّدتها بالنزول إلى مستوى الطبقات السفلى”. وفقا لملاحظات هذا الباحث الجزائري التي تمثل قراءة سوسيولوجية واقتصادية وسياسية جادة للتغيّرات السلبية التي شاهدها المجتمع الجزائري خاصة في مرحلة الرئيس بوتفليقة، فإن الشريحة الوسطى مهددة بالانقراض. وفي هذا السياق يشخص ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع ومؤلف كتاب “لماذا تأخر الربيع الجزائري” في حوار استقصائي جماعي أجرته معه ومع عدد من زملائه الجزائريين المؤسسة الإعلامية الألمانية “دوتش ويله” ونشرته في موقعها الإلكتروني، أزمة الشريحة الوسطى الجزائرية المعقدة، مبرزا أن “الطبقة الوسطى في الجزائر مقسمة بين تيارين وكل طرف متخوف من الآخر ‘فرنكفوني’ و’عروبي’، ولذلك فإنها لا تستطيع أن تؤثر”، ويضيف “نحن نشاهد الآلاف من النقابات إلا أننا لم نسمع عن اتفاق واحد تم بينها حول نقاط مشتركة ولم تبذل أي مجهود لتحويل هذا الكم إلى قوة. السبب يكمن في طبيعة تركيبة الطبقة الوسطى في الجزائر الحالية المبنية أساسا على أفراد يعيشون من الريع ولا يساهمون في خلق الثروة، مما جعلهم أكثر أنانية وانغلاقا على أنفسهم”.

لا شك أن هذا الوضع الخطير ينذر بحدوث هزات كبيرة في المجتمع الجزائري الذي يتعرض لمختلف أنماط التفكيك، حيث أصبحت كل المؤشرات تؤكد أن الانفجار الذي يحدث الآن يتخذ شكل التآكل التدريجي في عمق نسيجه الداخلي، الأمر الذي يهدد تعايش التشكيلات الاجتماعية المكونة له وكذلك لهويته ومصيره المفتوح على جميع الاحتمالات.

كاتب جزائري

9