سياسات تقليدية أميركية في العراق تبطئ نسق الحرب ضد داعش

يثير النسق البطيء للحرب التي تستهدف تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق، إلى درجة أنّها أضحت تستثني الموصل من جهودها، على الأقل في هذه السنة، العديد من الأسئلة عن الأسباب الكامنة وراءه، والتي ربما تعود في جانب كبير منها إلى السياسات العسكرية الأميركية المتبعة في هذه الحرب والتي تتسم بكونها تقليدية وتفتقر إلى الابتكار، وفق دراسة للباحث مايكل نايتس، صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
الخميس 2015/08/20
القوات العراقية على الأرض تنتظر مزيدا من الدعم الجوي الأميركي

الموصل (العراق) - مازالت الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق تتسم بالكثير من التباطؤ، رغم ما يخوضه الجيش العراقي من معارك طاحنة من قرية إلى أخرى في محافظة الأنبار، غربي البلاد، متقدما مئات من الأمتار في بعض الأيام الجيّدة.

ويوحي هذا التباطؤ بأنّ أفضل ما يمكن توقعه في نهاية العام 2015، هو تحقيق الاستقرار في مدينتي الرمادي والفلوجة، في الوقت الذي لم يعد يتحدّث فيه أحد عن تحرير الموصل، المدينة الثانية في العراق من حيث عدد السكان.

ويفسّر عدد من الخبراء هذا الأداء المتراخي وفق فرضيتين؛ الأولى تربطه بتحفظ الرئيس الأميركي باراك أوباما وتردده بشأن تخصيص المستوى الضروري من الموارد لهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” بصورة أسرع، والثانية تعيده إلى عدم قدرة العراقيين على الاستفادة من الدعم الدولي واستثماره في المجهود الحربي. وعلى الرغم من أنّ هذين الاعتقادين يعيدان السبب الكامن وراء مشاكل هذه الحرب إمّا إلى وجود رئيس متردد أو حلفاء غير أكفاء، إلاّ أنّ الحقيقة تبدو أعمق من ذلك وأكثر إزعاجا للأميركيين أنفسهم، ومفادها أنّ الجيش الأميركي ليس الحليف الذي يمكن أن يعوّل عليه بسبب افتقاره إلى الخيال والمرونة.

سياسة تقليدية

واجهت وزارة الدفاع الأميركية، منذ البداية، صعوبة في تنفيذ مهمتها لإضعاف تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وهزيمته؛ فإستراتيجية القيادة من الخلف، التي عمدت إليها، هي في الواقع شديدة الصعوبة. كما أنّ أحد أوجه الفشل الرئيسية للجيش الأميركي هو أنّه لا يزال عالقا في حقبة زمنية سابقة كما لو أنه في العام 2007، عندما كان لديه 185 ألف جندي منتشرون في جميع أنحاء العراق، ناسيا أو متناسيا أنّ الواقع مختلف في الوقت الحالي، بوجود حوالي 3 آلاف جندي أميركي فحسب، وغالبا ما يجب عليهم البقاء داخل الأسوار في قواعد آمنة.

ويبدو أنّ التحركات الأميركية في العراق ما زالت تكتسب أشكالها وصورها من خلال التفكير العسكري التقليدي للقيادة المركزية الأميركية، بقيادة الجنرال لويد أوستن. وقد واصلت وزارة الدفاع الأميركية متابعة جهود التدريب والتسليح التي لم تؤت أؤكلها، كما أنّ استخدام قواتها الجوية للحصول على أكبر قدر من التأثير مازال لا يسير بالمرونة اللازمة.

التحركات الأميركية في العراق مازالت تكتسب أشكالها وصورها من خلال التفكير العسكري التقليدي

وقد خلق هذا النهج العسكري التقليدي تفرعا ثنائيا زائفا لأوباما وهو: إمّا أنّه يتعيّن على الولايات المتحدة تكثيف التزاماتها على نحو هائل، وفقا لهذه النظرية، أو أن تعتمد على المستوى الحالي للموارد وتمضي على نحو بطيء.

وقد كانت إحدى أولى مبادرات القيادة المركزية الأميركية الدفع باتجاه محاولة مبكرة لتحرير الموصل، عاصمة تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق. وقد نتج عن إستراتيجية “الموصل أولاً” برنامج تدريب وتسليح كبير يهدف إلى بناء ألوية هجوم جديدة كليا للجيش العراقي من أجل تحرير المحافظة. واستخدمت وزارة الدفاع الأميركية نهج “قاطع الكعكة” لتصميم صندوق تدريب وتجهيز العراق الذي تبلغ قيمته 1.6 مليار دولار، وهو نسخةٌ مصغرة للبرامج الأميركية الضخمة التي أنتجت نسخا عراقية مطابقة للألوية العسكرية الأميركية في الفترة ما بين 2005 و2008.

لكنّ صندوق تدريب وتجهيز العراق كان دون المستوى، حيث تم تدريب 9 آلاف جندي فقط من بين 24 ألف جندي كان من المقرر تدريبهم وتجهيزهم بحلول يونيو 2015. ويعود ذلك جزئياً إلى أنّ الولايات المتحدة ليست في وضع مشابه لذلك الذي كان قائما في العام 2005؛ إذ لم تعد لديها الموارد أو الوقت لمقاربة بطيئة تقوم على نهج التجربة والخطأ في بناء وحدات كاملة.

وحمل صندوق تدريب وتجهيز العراق على عاتقه بناء ألوية عسكرية شديدة التعقيد على الطراز الأميركي، يتم إمدادها جميعا بمجموعاتٍ كاملة من المعدات توفرها الولايات المتحدة. ومع ذلك، أشار العراقيون إلى أنهم لا يستطيعون استيعاب ذلك الكم من المعدات الجديدة أو صيانته بسبب قدراتهم اللوجستية غير المتطورة. وفي الوقت نفسه، لم تكن الكثير من المعدات التي وعدت بها الولايات المتحدة متوفرة حتى في مخزونها الفائض، وعلى سبيل المثال، لم يكن بالإمكان إيجاد سوى حوالي 9 آلاف بندقية من طراز “إم4-” في المخزون الأميركي من بين 43.200 بندقية مطلوبة للأغراض العسكرية في العراق.

الأميركيون مطالبون بالتخلي عن البرامج الكبيرة لتحل محلها مساعدات مركزة أكثر استهدافا وابتكارا تسرع من وتيرة الحرب

وعبر تبني جهدٍ كبير وثقيل للتدريب والتسليح، تعثرت أعمال وزارة الدفاع الأميركية من قِبَل نقاط ضعفها الإجرائية الخاصة بها؛ فقد أُسس نموذج شديد البيروقراطية لتنفيذ استحواذ صندوق تدريب وتجهيز العراق على المعدات من مخزونات الدفاع الأميركية الفائضة، ومصنّعي المعدات الأميركيين، ومن الباعة الخارجيين. ونتيجة لذلك، وصلت المعدات إلى العراق على نحو متقطع، ومتأخرة شهورا في كثير من الحالات، لتؤخر نشر الوحدات الجديدة.

تقييد القوة الجوية

تشكل القوة الجوية نقطة أساسية من نقاط قوّة الولايات المتحدة، ولكن العام الماضي شهد إعاقة تلك القوّة، التي تعدّ الأقوى في العالم، في العراق عبر مزيجٍ من قواعد الاشتباك الصارمة والعدد القليل جدا من راصدي الأهداف “الموثوقين” على الأرض في ما يتعلق بشن الغارات الجوية.

ووفقا لتقييم الولايات المتحدة هناك أعداد صغيرة فقط من القوات الخاصة العراقية والكردية التي دربتها تعتبر جديرة بالثقة لتحديد الأهداف، وهو ما يعطّلها، ولذلك يجب على وزارة الدفاع الأميركية أن تنزع عنها الهواجس التي تقول بأنّ العراقيين يستغلون قواتها الجوية لتصفية حسابات شخصية.

ويأتي التحدي الحقيقي للقوة الجوية الأميركية عندما تكون المبادرة لدى تنظيم “الدولة الإسلامية”، كما يحدث غالباً، ويحاول حلفاء أميركا حينها استدعاء المساعدة. وفي ذلك الحين يقع الطيارون الأميركيون ضحية لنقص المعلومات الاستخباراتية على الأرض ولقواعد اشتباك مقيدة. وتظرّ تلك العرقلة حتما بالجنود المشتبكين ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذين يحاولون امتصاص محيط من الدعم الجوي عبر قصبة صغيرة، وهو ما يعرقل العديد من المعارك على الأرض، ويبطئ من نسق تقدّم الجيش العراقي.

الجيش الأميركي يحتاج إلى قليل من الإبداع؛ وقد يعني ذلك تكييف معدات بسيطة جاهزة للاستخدام مثل كاميرات رأس “جو برو”، واتصالات صوتية

ويتمثل التحدي التقني لهذه الحرب في كيفية توفير دعمٍ جويٍ قريب ومرن و”دون شركاء” (هو مصطلح عسكري للغارات عندما لا يكون المتحكمون في الضربات الجوية الأميركية على الأرض) أينما يهاجم تنظيم “الدولة الإسلامية” قواتٍ برية حليفة. وتحتاج الولايات المتحدة، بطريقة أو بأخرى، العناية بمسألة الشركاء على الأرض والحصول على أكبر عدد موثوق فيهم.

ويجعل هذا التمشي مهمة إيجاد طريقة مبتكرة لتغذية بيانات موثوقة من أجهزة الاستشعار على الأرض إلى الطائرات الحربية الأميركية التي تقاتل تنظيم “الدولة الإسلامية” أمرا ملحا. وقد يعني ذلك بناء “فرق أسلحة جوية” عراقية خاضعة للتدقيق تكون قادرة على الاندماج مع أنواع مختلفة من الوحدات؛ كالجيش العراقي والبيشمركة الكردية، وحتى مقاتلي العشائر السنة.

ومع وجود المزيد من المعلومات الاستخباراتية على الأرض، يتعين على الولايات المتحدة أيضا أن تعمل على تخفيف قواعد الاشتباك الخاصة بها للسماح للجيش الأميركي بالإقدام على مخاطر محسوبة لإنقاذ أرواح العراقيين. وفي الرمادي، على سبيل المثال، حدّت القيود المفروضة على الضربات الجوية من فعالية القوة الجوية الأميركية، مما نتج عن ذلك إعدام مئات العراقيين في مناطق استولى عليها تنظيم “الدولة الإسلامية”. وهو ما يطرح سؤالا ملحا مفاده؛ هل أنّ قواعد الاشتباك الصارمة القائمة في الاستراتيجية الأميركية تتجنب بالفعل وقوع قتلى مدنيين، أم أنها تتجنب مسؤولية الولايات المتحدة المباشرة عن مقتل مدنيين فحسب؟

الثابت وفق هذه المفارقة أنّ الجيش الأميركي يحتاج إلى قليل من الإبداع؛ وقد يعني ذلك تكييف معدات بسيطة جاهزة للاستخدام مثل كاميرات رأس “جو برو”، واتصالات صوتية، وأجهزة نظام تحديد المواقع العالمي، لكي تستطيع القوات الخاصة العراقية والكردية التي تم تدقيقها إعطاء التحالف صورة قريبة من الأرض عن ساحة المعركة. وهذا هو بالضبط ما يفترض أن تفعله مبادرات وزارة الدفاع الأميركية، أي مواجهة المتطلبات العملياتية الملحة باستجابة تكتيكية واستحواذ استباقي، لا بتلكؤ وقيود تعرقل جهود الجيش العراقي على الأرض.

7