سياسات مالية قمعية لوقف انهيار الليرة السورية

تشكيك في عقوبات النظام السوري على المتعاملين بغير الليرة في محاولة لتفادي انهيار العملة المحلية.
الاثنين 2020/01/20
جميع البضاعة بأقل من دولار واحد

كشفت الحكومة السورية محاولاتها المستميتة وإجراءاتها المالية القمعية اليائسة لوقف السقوط الحرّ لقيمة الليرة بعد انغلاق جميع نوافذ تمويل الحكومة السورية في ظل الأزمة المالية في لبنان وانقطاع الدعم من طهران المنشغلة بأزمتها الاقتصادية الخانقة.

دمشق - يعكس تشديد العقوبات بحق كلّ من يتعامل بغير الليرة السورية، الذي جاء في مرسوم تشريعي أصدره الرئيس بشار الأسد، حجم الأزمة المالية العميقة، بعد انهيار غير مسبوق في قيمة العملة المحلية خلال الأسابيع الأخيرة.

وأوردت حسابات الرئاسة على مواقع التواصل الاجتماعي أن الأسد أمر “بتشديد عقوبة كل من يتعامل بغير الليرة كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية، سواء كان ذلك بالقطع الأجنبي أم المعادن الثمينة”.

جمال الدين شعيب: الشهر المقبل سنوزع حصصا شهرية تشمل السكر والأرز والشاي
جمال الدين شعيب: الشهر المقبل سنوزع حصصا شهرية تشمل السكر والأرز والشاي

ورفع المرسوم العقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات بعدما كانت تنص على الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، مع غرامة مالية.

ويقول محللون إن الأوضاع المالية للحكومة السورية في حفرة مغلقة ولم يعد أمامها أي منفذ للتحسن بعد انقطاع أكبر مصادر تمويل دمشق مع توقف تهريب العملة الصعبة من لبنان والدعم من طهران الغارقة في أزماتها
الخانقة.

وشهدت الليرة في الأسابيع القليلة الماضية انخفاضا قياسيا، وبات الدولار في السوق السوداء يعادل أكثر من 1200 ليرة لأول مرة في تاريخها، فيما لا يزال سعر الصرف الرسمي عند 434 ليرة. وقبل اندلاع النزاع السوري في مارس عام 2011 كان الدولار يساوي 48 ليرة سورية.

وتزامن انخفاض قيمة الليرة مع ارتفاع قياسي في أسعار معظم المواد الغذائية والتموينية، بينها السكر والأرز وحليب الأطفال. وأعلنت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قبل أيام بدء توزيع عدد من المواد الأساسية الضرورية عبر نظام البطاقة الذكية بدءا من مطلع الشهر المقبل.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن معاون الوزير جمال الدين شعيب قوله إن “التوزيع سيكون شهريا ويتضمن مادة السكر بمعدل كيلوغرام واحد للشخص على ألا تتجاوز حصة الأسرة 4 كيلوغرامات، ومادة الأرز كيلوغراما للشخص بحيث لا تتجاوز حصة الأسرة ثلاثة كيلوغرامات والشاي 200 غرام للفرد على ألا تتجاوز الكمية كيلوغراما واحدا للأسرة”.

وأكدت الوزارة أن “هذا الإجراء يأتي في إطار الجهود الحكومية لاستمرار توفير المواد الغذائية ومنع الاحتكار والحدّ من تداعيات الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب المفروضة على سوريا”.

ويكرر مسؤولون سوريون أن بلادهم تواجه حربا جديدة تتمثل بالحصار الاقتصادي والعقوبات. ويعزو محللون تسارع “انهيار” الليرة مؤخرا إلى الأزمة الاقتصادية في لبنان المجاور، حيث يودع التجار السوريون الملايين من الدولارات في المصارف التي فرضت قيودا مشددة على عمليات السحب في ظل أزمة سيولة حادة.

ويأتي تراجع قيمة الليرة السورية بعد أزمة وقود حادة شهدتها مناطق سيطرة القوات الحكومية خلال الصيف، وفاقمتها العقوبات الأميركية على إيران بعدما توقف منذ عدة أشهر خط ائتماني يربطها بإيران لتأمين النفط بشكل رئيسي.

وتشهد سوريا نزاعا داميا منذ العام 2011، تسبب بمقتل أكثر من 380 ألف شخص وألحق دمارا هائلا بالبنى التحتية والقطاعات المنتجة وأدى إلى نزوح وتشريد الملايين من السكان.

تواصل انحدار العملة السورية
تواصل انحدار العملة السورية

ويجمع المراقبون على أن الأزمة المالية اللبنانية قطعت أحد أهم مصادر تمويل الحكومة السورية، بعد ارتباك عمل المصارف ومكاتب الصرافة وفرض قيود على حركة الأموال إلى الخارج.

وكانت تقارير محلية قد تناولت في السنوات الماضية ظاهرة دخول كميات كبيرة من العملة السورية لسحب الدولارات من السوق اللبنانية لتمويل حاجات الحكومة السورية التي تعاني من أزمات مالية عميقة بسبب العقوبات الدولية.

وأعلن البنك المركزي اللبناني في نوفمبر الماضي عن إحباط “محاولة 3 صيارفة إدخال عملات نقدية عربية إلى الأراضي اللبنانية لتبديلها في أسواق بيروت إلى الدولار” في إشارة واضحة إلى تهريب العملة السورية بحسب محللين.

كما تفاقمت أزمة تمويل الحكومة السورية بسبب اختناق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات الأميركية، حيث انهمكت طهران بأزماتها العميقة وانفجار الاحتجاجات، ولم تعد قادرة على مساعدة دمشق ولا حتى تزويدها بالنفط الخام.

جهاد يازجي: الليرة السورية تأثرت بصعوبة شراء الدولار من لبنان
جهاد يازجي: الليرة السورية تأثرت بصعوبة شراء الدولار من لبنان

ويعكس انخفاض قيمة الليرة مدى انهيار الاقتصاد نتيجة تقلص المداخيل والإيرادات وانخفاض احتياطي القطع الأجنبي في ظل خضوع الحكومة السورية لعقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية تفاقم اختناقها الاقتصادي.

وقال أحد التجار في البلدة القديمة في دمشق، مفضلا عدم ذكر اسمه إن الجميع يُعيد تسعير بضاعته على الدوام وفق سعر صرف الدولار المتغير باستمرار. وأكد أن الأسعار تضاعفت أكثر من مرتين خلال الشهرين الماضيين، وأن ذلك يمتد من المواد الغذائية والتموينية إلى المواصلات وجميع السلع الأخرى.

وكان رئيس تحرير النشرة الاقتصادية الإلكترونية “سيريا ريبورت” جهاد يازجي قد ذكر أن أسباب انخفاض قيمة الليرة متعددة، وأن أحدها مرتبط بالأزمة في لبنان.

وأوضح أن “سوريا تقليديا تشتري جزءا مهما من الدولار من السوق اللبنانية وقد زاد اعتمادها عليها منذ عام 2011 ولذلك فإن سوريا تأثرت اليوم بصعوبة شراء الدولار من لبنان.

ومع تشديد العقوبات الاقتصادية على سوريا، لجأ الكثير من رجال الأعمال السوريين إلى لبنان لفتح أعمال جديدة لهم، ووضعوا الأموال في مصارفه واستخدموه طريقا لمرور الواردات إلى سوريا.

وأدت أزمة السيولة في لبنان وتحديد المصارف سقفا لسحب الدولار، إلى انحدار سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق الموازية إلى أكثر من 2200 ليرة للدولار، رغم تثبيتها رسميا عند 1507 ليرات للدولار منذ  تسعينات القرن الماضي.

وتشير التقديرات إلى أن الليرة السورية خسرت أكثر من 40 بالمئة من قيمتها منذ بدء الحراك الشعبي في لبنان ضد الطبقة السياسية في 17 أكتوبر الماضي. ويرى محللون أن الأزمات الاقتصادية في سوريا تتفاقم بوتيرة أسرع مما يحدث في لبنان منذ بدء الاحتجاجات.

ويقول تجار في أسواق دمشق إنهم يستوردون ما يبيعونه من لبنان، وإنهم تأثروا بشكل مباشر من ارتفاع سعر صرف الدولار هناك، وأصبحوا مضطرين لزيادة الأسعار.

وذكر أحدهم أن “كل ذلك سينعكس في النهاية على السوق، وليس بمقدور الجميع الدفع وفق الأسعار الجديدة.. نخشى المزيد من الانهيار”.

وتكاد حالة التشاؤم تطبق على جميع الأوساط الاقتصادية والشعبية في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة السورية بسبب وتيرة انهيار الأوضاع المعيشية، خاصة في ظل انعدام أي بصيص أمل بتحسنها في المستقبل القريب.

10