سياسات واشنطن المرتبكة تنبئ بانسحابها من الشرق الأوسط

الاثنين 2014/11/03
انسحاب واشنطن من العراق دون إيفائها بوعودها فتح المجال أمام تغلغل الميليشيات المدعومة من إيران

القاهرة - أوضحت دراسة صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات للباحث محمد عباس ناجي، أنّ السياسة الأميركية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بالتلكؤ، خاصة في ما يتعلق بالمعضلة السورية والأزمة العراقية اللتين زادت حدّتهما مع تغوّل تنظيم “الدولة الإسلامية”، بدأت تنبئ، في بعد من أبعادها، ببحث واشنطن عن صيغة تحافظ من خلالها على مصالحها بعد انسحابها الذي أصبحت ملامحه تتجلى يوما بعد يوم، مما يجعل المنطقة مفتوحة على سيناريوهات عدّة.

على مدى عقود عديدة، مثلت منطقة الشرق الأوسط أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي تحولت من قوة دولية تمتلك مصالح إستراتيجية محددة في المنطقة، إلى فاعل إقليمي بامتياز يمثل رقما مهما في معظم الملفات إن لم يكن مجملها.

هذه الأهمية الإستراتيجية تعود إلى مصالح رئيسية ثلاث سعت واشنطن إلى الحفاظ عليها في الفترة الماضية:

- أولها، ضمان تدفق النفط إلى الدول الغربية باعتباره محورا مهما لا يمكن الاستعاضة عنه بسهولة في اقتصادات تلك الدول، حيث أنّ أي توتر في المنطقة يؤثر بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية.

- ثانيها، الحفاظ على أمن إسرائيل باعتبارها الحليف الإستراتيجي الأول لواشنطن في المنطقة.

- ثالثها، الحيلولة دون ظهور أي قوة إقليمية تسعى إلى تهديد المصالح الأميركية.

لكن خلال السنوات الأخيرة، وبالتحديد مع وصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2008، بدأت الولايات المتحدة في إجراء تغيير في أولويات سياستها الخارجية، وتوجيه إشارات متعددة بإمكانية انسحابها تدريجيا من بعض مناطق الأزمات، على غرار الانسحاب العسكري من العراق سنة 2011، ثم أفغانستان سنة 2014. ومن دون شك، فإن هذا التغيير لا يكمن في المصالح التي لا تتغير بسهولة، وإنما في السياسات، أو بمعنى أدق، الأدوات التي تتم من خلالها حماية تلك المصالح.


أين برزت ملامح السياسة الجديدة؟


جاءت الأزمة السورية، التي تصاعدت منذ اندلاع الثورة على نظام بشار الأسد في مارس 2011، لتكشف بوضوح عن اتجاه واشنطن إلى تنفيذ سياساتها الجديدة، فبعد أن حددت إدارة الرئيس أوباما ما سمّته “خطوطا حمراء” حذرت نظام الرئيس السوري بشار الأسد من تجاوزها، وتتعلق باستخدامه للأسلحة الكيميائية، تراجعت الإدارة عن تنفيذ تهديدها بتوجيه ضربات لقوات النظام عندما قام الأخير باستخدام تلك الأسلحة ضد المدنيين في شهر أغسطس 2013، بعد أن تقدمت روسيا، حليف الأسد، بمبادرة لتفكيكها.

عديد الاتجاهات الجديدة تشير إلى أن التغيرات في السياسة الأميركية تكشف عن توجه يدفع نحو الانسحاب من المنطقة

هذا التراجع الأميركي فرض تداعيات إقليمية عديدة لم تصب في صالح واشنطن، لاسيما أنها لم تقتصر فقط على دفع النظام السوري إلى تصعيد مواجهاته العسكرية ضد قوى الثورة المسلحة، وإنما امتدت أيضا إلى تصاعد التوتر في العلاقات مع حلفاء واشنطن في المنطقة، الذين قرؤوا ذلك على أنه بداية لتخلي واشنطن عن أخذ مصالح حلفائها بعين الاعتبار عند إقدامها على إجراء أيّ تغيير في سياساتها، خاصّة أن ذلك تزامن مع الإعلان عن توقيع اتفاق جنيف المرحلي بين إيران ومجموعة “5+1” حول الملف النووي، في الـ 24 من نوفمبر سنة 2013، والذي سبقه إجراء محادثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عمّانية بدأت في مارس 2013.


أيّ تداعيات للانسحاب الأميركي؟


أي انسحاب أميركي محتمل من المنطقة سوف يفرض تداعيات مهمة يمكن تناولها على النحو التالي:

*تصاعد حدة الصراع


إن تلك القوى سوف تسعى إلى محاولة ملء الفراغ الإستراتيجي الناتج عن أي انسحاب أميركي محتمل، ويمثل الصراع الإيراني- العربي نموذجا لذلك، حيث تبدو معظم الملفات الإقليمية الرئيسية مرتبطة بتطورات هذا الصراع. ففي لبنان، ما زالت أزمة الفراغ الرئاسي دون حل بسبب تعنت الطرف الإيراني، المستند إلى حلفائه الداخليين. ورغم أن ثمة محاولات عديدة بذلت من أجل تقليص حدة التوتر بين الطرفين، خاصة بعد التوافق على تشكيل حكومة تمام سلام، بشكل كان يوحي بوجود توافق إقليمي لإنهاء أزمة الفراغ الرئاسي، فإنّ ارتباط تلك الأزمة بالصراع في سوريا، خاصّة مع تحول حزب اللـه إلى طرف رئيسي فيه، أدى إلى عرقلة الجهود التي بذلت في هذا السياق، نتيجة إصرار إيران على دعم الأسد على حساب الإرادة الشعبية السورية. ففيما تقدم إيران مساعدات كبيرة، على المستويين المالي والتسليحي، لنظام الأسد، تسعى القوى الإقليمية العربية إلى مساعدة قوى المعارضة المعتدلة من أجل تمكينها من تحقيق مكاسب نوعية ضد قوات النظام والميليشيات المتعاونة معه بهدف تحقيق حريتها في النهاية.

كذلك يبدو اليمن ساحة أخرى للصراع الإيراني ـ العربي، حيث تحاول إيران ضمان موطئ قدم لها بالقرب من الحدود الجنوبية للسعودية ومن خطوط الملاحة العالمية، من خلال تقديم دعم غير مباشر للحوثيين وقادة الحراك الجنوبي الذين يحاولون الانفصال عن اليمن، بشكل يفرض تحديات قوية على اليمن، التي وجهت اتهامات عديدة إلى إيران بالتدخل في شؤونها الداخلية وبالمسؤولية عن تصاعد حالة عدم الاستقرار في الداخل.

من جهة أخرى، ومنذ عام 2006 تحول العراق إلى محور رئيسي في الصراع الإيراني ـ العربي، في ظل الدعم الواضح الذي قدمته إيران لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي تبنّى سياسة داخلية وإقليمية أثارت استياء واضحا من جانب القوى الإقليمية العربية، وفرضت حالة مستمرة من التوتر والتصعيد بين الطرفين، خاصة في ما يتعلق بتعمده تهميش القوى السنية، وتقديم مساعدات قوية لنظام الأسد ليقتل شعبه.

فيما تقدم إيران مساعدات للأسد، تسعى القوى العربية إلى مساعدة المعارضة المعتدلة من أجل تمكينها من تحقيق حريتها

* استمرار الأزمة السورية دون حل


لم تقدم الولايات المتحدة من المؤشرات ما يفيد برغبتها في تسوية الأزمة السورية خلال الفترة الماضية. ففضلا عن عدم قدرتها على مواجهة “الفيتو” الروسي ـ الصيني، الذي تم استخدامه أربع مرات داخل مجلس الأمن للحيلولة دون صدور قرارات إدانة ضد النظام السوري، فقد عزفت واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية ضد هذا النظام بعد اتهامه باستخدام الأسلحة الكيميائية في أغسطس 2013، وما زالت مترددة في مسألة تقديم دعم عسكري نوعي لقوى المعارضة، خشية وقوعه في أيدي الجماعات المتطرفة على غرار تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). وقد أدى ذلك إلى تكريس حالة من “توازن الضعف” بين النظام السوري وقوى المعارضة كانت السبب في استمرار الأزمة حتى الآن دون حل، بسبب عدم قدرة أي من طرفي الصراع على حسمه لصالحه.

وهنا بدأت بعض الاتجاهات تشير إلى أن عزوف واشنطن عن التدخل بحسم في الصراع السوري يعود إلى اعتبارين: أولهما، الضغوط التي تمارسها إسرائيل ضد أي تدخل أميركي حاسم في الأزمة قد يؤدي إلى إسقاط النظام السوري دون إجراء أيّ ترتيبات داخلية في سوريا تمنع سيطرة القوى المتطرفة عليها، وهو السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة إلى تل أبيب التي تخشى من التداعيات السلبية التي يمكن أن يفرضها على أمنها ومصالحها، خاصة أنها ترى أن نظام الأسد هو “أفضل الخيارات السيئة” بالنسبة إليها في الوقت الحالي.

وثانيهما، رغبة واشنطن في استنزاف قدرات إيران في الصراع داخل سوريا بما يخدم انسحابها المحتمل من مناطق الأزمات.

سعي واشنطن إلى توريط إيران بشكل أكبر في الصراع السوري، يعود إلى إدراكها أن هذا الصراع يبدو صفريا بالنسبة إلى الأخيرة، التي لن تستطيع الاستعاضة عن الدور المهم الذي كان يمارسه النظام السوري في خدمة طموحاتها الإقليمية، إذ أنه يوفر الغطاء العربي لتمددها في الإقليم ويمثل “محور التواصل” مع حلفائها الآخرين.

*تصاعد دور الميليشيات


وهو ما يمثل إحدى نتائج الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الأميركية في المنطقة. فقد فشلت تلك السياسة في تحويل العراق، بعد عام 2003، إلى نموذج ديمقراطي سليم، بل إنها أدت في النهاية، خاصة بعد الانسحاب العسكري عام 2011، إلى تحويل العراق إلى “دولة فاشلة” لم تنجح في مواجهة مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذين نجحوا في السيطرة على مدن رئيسية في شمال العراق بعد انهيار قوات الشرطة والجيش.

لكن اللافت للنظر في هذا السياق، هو أن تصاعد دور تلك الميلشيات المسلحة، والذي كان أحد أسباب استمرار الأزمة السورية دون حل حتى الآن، يمكن أن ينتج تداعيات تمس مصالح الدول الغربية وأمنها وعلى رأسها الولايات المتحدة، خاصة أن بعض تلك الميليشيات، لاسيما “داعش”، نجحت، عبر آليات تجنيد عديدة، في اجتذاب أعداد ليست قليلة من مواطني تلك الدول، التي بدأ بعضها في التحذير من مخاطرها المحتملة خلال الفترة الأخيرة.


هل من بديل؟


اللافت للانتباه في هذا السياق، هو تزايد الحديث عن إمكانية حلول قوى دولية أخرى محل الولايات المتحدة في المنطقة، على غرار روسيا والصين، اللتين تمارسان دورا مهما في دعم نظام الأسد، إلا أن ذلك يبدو احتمالا ضعيفا لاعتبارات عديدة، أهمها عدم وجود مؤشرات تكشف عن رغبة موسكو وبكين في ممارسة دور أكبر في المنطقة، فالأولى ما زالت تعطي الأولوية لمواجهة التهديدات القريبة من حدودها، وهو ما يبدو جليا في تعاملها مع تطورات الأزمة الأوكرانية، في حين أن الثانية لا تسعى، على الأقل في الوقت الحالي، إلى الدخول في مواجهات أو صراعات إقليمية مع الولايات المتحدة، في منطقة الشرق الأوسط،.

وعلى الرغم من أنّ الأزمة السورية تمثل استثناء، في ضوء الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية التي تحظى بها سوريا لدى كل من روسيا والصين، لكن هذا الاستثناء لا يؤشر في الوقت ذاته على إمكانية دخول الطرفين في صراعات مفتوحة مع واشنطن في المنطقة، أو سعيهما إلى ملء أي فراغ محتمل.

7