سياسة أوباما الخاطئة أفقدت أميركا دورها في الشرق الأوسط

الأربعاء 2016/05/18
تردد أوباما ساهم في انتشار الإرهاب

عواصم- بعد أشهر قليلة من الآن، وتحديداً في يناير 2017، يغادر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، البيت الأبيض، بعد ثمان سنوات قضاها رئيسا للبلاد، والتي عادة ما تكون لسياساتها الخارجية تأثيرا كبيرا على الأوضاع في مختلف أنحاء العالم، خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، المتخمة بالأحداث الساخنة.

وبينما كان الانقسام في الرأي هو السائد عادة بشأن تقييم سياسات الرؤساء السابقين لأميركا، أجمع محللون وخبراء سياسيين عرب، بشأن انتقاد السياسية الخارجية لأوباما في الشرق الأوسط، لكن درجة الانتقاد تفاوتت بين من وصف سياسته بـ"الأسوأ على الإطلاق" مقارنة بتاريخ قاطني البيت الأبيض، وبين من اعتبرها "سيئة إلى حد ما".

مساوئ عديدة رصدها هؤلاء الخبراء لسياسة أوباما حيال الشرق الأوسط، من بينها: خذلان الثورة السورية، والتردد في المواجهة الذي عزز تنامي التنظيمات الإرهابية، وخاصة داعش الإرهابي، فضلا عن تعاظم النفوذ الروسي والإيراني بقوة في المنطقة مع تراجع الدور الأميركي، والفتور الذي شهدته العلاقات الخليجية - الأميركية.

لكن أحدهم رأى بعض الإيجابيات التي عادت على المنطقة بفضل السياسات الخارجية لإدارة أوباما، ومن أهمها: الدفع باتجاه نزع السلاح الكيماوي لنظام بشار الأسد، وإبرام الاتفاق النووي مع إيران، الذي قال إنه "سيساهم في إيقاف مشروع طهران النووي، لفترة لا تقل عن 10 سنوات قادمة".

وباراك أوباما، الذي ينتمي للحزب الديمقراطي، هو الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة، وأول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض في 20 يناير 2009، وذلك بعد فوزه في الانتخابات العامة، في 4 نوفمبر 2008، على المرشح الجمهوري جون ماكين. وفاز أوباما بولاية ثانية وأخيرة في انتخابات 6 نوفمبر 2012، حيث أطاح بمنافسه الجمهوري "ميت رومني".

أغرب وأسوأ أدوار أميركا

وحول تقييمه لسياسات أوباما في منطقة الشرق الأوسط، اعتبر محمد آل زلفة، الخبير السياسي السعودي، عضو مجلس الشورى (البرلمان) الأسبق، أن "الدور الأميركي في عهد إدارة أوباما كان من أغرب وأسوأ أدوار واشنطن في الشرق الأوسط".

وقال الخبير السعودي "في عهد أوباما رأينا ترديا للمحاولات الأميركية السابقة في البحث عن حل للقضية الفلسطينية (التي تشهد جمودا منذ العام 2014 بسبب مواصلة إسرائيل لأعمال الاستيطان)، وخذلان للثورة السورية، كما ظهر تنظيم داعش الإرهابي، واستأسدت روسيا على أميركا، واعترت العلاقات الخليجية الأميركية فتورا وتوترا لم تشهده من قبل".

وأضاف "رأينا سياسة أوباما تحدث فوضى عارمة في المنطقة، لم يسلم منها أي بلد عربي، ومنها مصر، وتونس، وليبيا، واليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، فكل هذه المناطق متوترة بسبب سياسات أوباما"، حسب رأيه.

وتابع آل زلفة "الثورة السورية التي كانت رمزا للثورات المطالبة بالحقوق والحريات - وهي من الدعائم الأساسية للسياسة الأميركية - نجد أن أوباما يخذلها، ويدخل سوريا في دوامة حرب تجاوزت مدتها 5 سنوات".

الخبير السعودي اعتبر أن "تردد إدارة أوباما" أدى أيضا، إلى ظهور تنظيم داعش في سوريا، ودخول روسيا وإيران إلى هذا البلد لمساندة نظام الأسد في مواجهة الثورة الشعبية، على حد قوله.

وتابع "نتيجة لتردد إدارة أوباما في سوريا، دخل هذا البلد العربي روسيا وإيران والإرهابيون، ومسلحو تنظيم داعش، الذين لم نعرفهم من قبل إلا أمام تردي سياسة البيت الأبيض، وترددها في اتخاذ مواقف حازمة".

وفيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، اعتبر آل زلفة أن "تردد إدارة أوباما في اتخاذ القرارات الحاسمة، شجّع على وجود الإرهاب، فداعش لم تنطلق إلا في عهده، لأنها وجدت المناخ المناسب، أيضا منظمات إرهابية أخرى لم تجد طريقها إلى سوريا إلا بسبب ما شاب السياسة الأميركية من وهنٍ وتردٍ".

وأضاف "أوباما يعتقد أنه بمقتل أسامة بن لادن (زعيم تنظيم القاعدة)، قد انتصر في حربه على الإرهاب، لكنه لا شك أنه بتردده خلّف الآلاف من بن لادن في المنطقة، ونتيجة لتلك السياسة، ستستمر الفوضى بالشرق الأوسط عدة سنوات".

سياسة أوباما أحدث فوضى عارمة في الشرق الأوسط

وعلى الصعيد الحقوقي، قال آل زلفة، إن "المنطقة بكل أسف لم تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان مثل ما شهدته في عهد إدارة أوباما من قتل وتدمير في العراق وسوريا، واختطاف للسلطة في لبنان، وفوضى في اليمن، وليبيا ومناطق أخرى، وأميركا كانت تتفرج على ما يحدث، ولم تجرؤ أن تقف في وجه الغطرسة الإيرانية، أو الغطرسة الروسية التي لم نشهد أن موسكو استأسدت على أميركا كما هو الحال في ظل إدارة أوباما".

وعن تقييمه للعلاقات الأميركية الخليجية في عهد إدارة أوباما، رأى آل زلفة أن "المنطقة الخليجية لم تشهد حالة من الفتور بل التوتر في علاقاتها مع أميركا مثلما حدث في عهد أوباما".

واستطرد في ذات السياق قائلًا "المنطقة الخليجية وعلى رأسها السعودية لم تشهد تخوفا في مستقبل علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية مثلما شهدتها في ظل إدارة أوباما، الذي نجده مترددا، كما هو حاله في كثير من المناطق، فهو يعطي وعودا فقط".

واعتبر أنه ردا على ذلك "أدركت الدول الخليجية أنها الوحيدة القادرة على إدارة شؤونها بنفسها، وأن تنشئ علاقات مع دول وكيانات سياسية مختلفة، كي تحافظ على أمن واستقرار المنطقة في ظل عدم ثقتها بإدارة أوباما".

وبخصوص إيران التي تراها دول خليجية مهددة لاستقرارها رغم نفي الأولى لذلك، قال آل زلفة إن "أوباما عزّز من نفوذها (إيران) في المنطقة". وذكر أن "إيران التي كانت بمثابة تحدٍ للولايات المتحدة، وتعتبر واشنطن الشيطان الأكبر، نجد أنها أصبحت الآن، الحليف الأكبر لأميركا في المنطقة، وواشنطن توقع معها اتفاقات لإطلاق يدها، في كل أنحاء المنطقة تدميرا، وتخريبا وإرهابا، ومن يحارب الإرهاب هي الحكومات الفاعلة، في المنطقة مثل السعودية وتركيا ومصر، أما إدارة أوباما فهي من عززت وجوده"، حسب قوله.

بدوره اتفق الخبير السياسي المصري مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية (مصري غير حكومي)، مع سابقه في أن "الدور الأميركي في الشرق الأوسط في عهد أوباما، كان من أسوأ الأدوار الأميركية على الإطلاق".

واعتبر غباشي، بأن "إدارة أوباما الأولى (يناير 2009 - يناير 2013) أيام وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، هي الوحيدة من قالت إنه باستطاعة أميركا توفير غطاء نووي لأمن إسرائيل، وليس فقط ضمانة أمنها كما كان يُردد من قبل".

أوباما وفق غباشي "تبنّى سياسة خارجية غير خشنة، كعادة سابقيه، وهو ما جعل الكثيرون يراهنون على حلّه القضية الفلسطينية، القضية الأهم بالمنطقة، غير أن هذه القضية بقت مجمدة مثلها مثل أي قضية بالمنطقة".

الخبير المصري، أشار أيضا، إلى تراجع الدور الأميركي أمام الدورين الإيراني والروسي في منطقة الشرق الأوسط، قائلا "الدور الإيراني خطف من نظيره الأميركي كثيرًا، وتغلغل في 4 ملفات عربية متعلقة بالعراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، وأصبح منافسًا لدور أميركا الذي أصبح سطحيًا، فضلا عن دور ملحوظ لإيران بالبحرين، وهو تمدد كان على حساب المصالح الأميركية، وليس تواجدها وهيمنتها المعروفة".

وأفاد أيضًا أن "الدور الروسي أحدث، كذلك، قلاقل لأميركا في الشرق الأوسط، لا سيما في سوريا، لذا ظهر دور واشنطن بهذا الضعف الذي نراه ماثلًا أمامنا".

غباشي اعتبر أن "الدور الأميركي في عهد أوباما فشل في مواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط، وسيكون أي دور آخر مثله، حيث أن الحل الأمثل بعيدًا عن الدور المسلح والاستخباراتي وخلافه، يتمثل في إنهاء القلاقل داخل البلاد أولا بحلول داخلية لوقف هذا التمدد الإرهابي"، وفقاً لتعبيره.

عبدالرحمن مكاوي، الخبير المغربي في العلاقات الدولية، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء، رأى أيضا، أن دور الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط "شهد تراجعا في عهد أوباما".

روسيا استأسدت على أميركا

وأوضح أن هذا التراجع "ظهر بشكل جلي بعد المفاوضات الناجحة التي تمت بين إيران والغرب، بقيادة الولايات المتحدة، فضلا عن توجه الرئيس الأميركي لآسيا خاصة الصين واليابان وكوريا الجنوبية"، كما اعتبر أن "تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط، سمح للروس بتسجيل نقاط مهمة لصالحهم، وعودتهم بقوة إلى المنطقة، خاصة في كل من سوريا والعراق".

ولفت مكاوي، إلى أن الرئيس أوباما، منذ حصوله على جائزة نوبل للسلام لعام 2009 "يسعى لعدم التدخل العسكري بشكل مباشر بدول المنطقة، ولا يريد إعادة سيناريو التدخل الأميركي في العراق (عام 2003)، والذي سمح بسقوط النظام القائم، آنذاك، نظام صدام حسين، مما سمح للقاعدة ولاحقا داعش بالاستحواذ على جزء كبير من البلاد". ورأى أن الولايات المتحدة لا تريد إسقاط نظام الأسد، خصوصا بعد تراجع دورها بالمنطقة، ودخولها في شراكات جديدة خصوصا مع إيران.

سياسة أوباما لم تخلُ من إيجابيات

محللون آخرون انتقدوا تراجع الدور الأميركي في عهد أوباما بمنطقة الشرق الأوسط، لكنهم رغم ذلك، رأوا بعض "الإيجابيات" التي عادت على المنطقة بفضل السياسات الخارجية لإدارته.

ومن هؤلاء، المحلل السياسي اللبناني، أمين قمّورية، الذي قال إن "الدور الأميركي في عهد أوباما تراجع نوعا ما في الشرق الأوسط، ولكن ليس بدرجة كبيرة"، مشيرا أن "الوجود العسكري الأميركي في بعض دول الشرق الأوسط ما يزال موجودا، والتأثير السياسي كذلك".

قمّورية رأى أن أوباما "استطاع تحقيق الكثير في الشرق الأوسط، مثل نزع السلاح الكيماوي السوري، وهو الأمر الذي عجز عنه قادة أميركيون قبله، وكذلك تمكن من إيقاف المشروع النووي الإيراني أقلّه إلى 10 سنوات قادمة".

وكانت دمشق وافقت في أكتوبر 2013 على التخلص من ترسانتها الكيماوية، بعدما هدّد أوباما بتوجيه ضربات جوية لقوات النظام السوري، ردا على تنفيذ الأخيرة هجوماً كيماويًا في ريف دمشق أودى بحياة المئات، وهو ما ينفيه النظام.

وفي أغسطس 2014، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن كل مكونات تصنيع الأسلحة الكيماوية السورية تم تدميرها على متن سفينة حربية أميركية في البحر المتوسط.

وبخصوص مآخذه على سياسة الرئيس الأميركي، في منطقة الشرق الأوسط، قال المحلل السياسي اللبناني إن "أوباما لم يفعل أي شيء بالنسبة لسوريا والعراق، وبالتالي هناك لوم كبير على إدارته في هذا الشأن"، مشيرا أن "هذا ربما يسيء لسجل الولايات المتحدة".

واعتبر قمّورية أن "الخطر من تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط، هو لصالح عدم الاستقرار العالمي مع وجود المشكلات بين إيران والعرب وإسرائيل".

وأضاف "رغم هذا التراجع في مكان ما، إلا أن أميركا ما زالت تملك حصة الأسد فيما يتعلق بسوريا واليمن والعراق وليبيا، رغم وجود لاعبين آخرين في بعض هذه الدول، مثل إيران وروسيا والسعودية وتركيا".

تفسيرات لسياسات أوباما

ولخبراء الشأن السياسي، تفسيراتهم للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط في عهد إدارة أوباما التي خرجت على هذا النحو. ومن هؤلاء خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط، الذي قال إن "الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة في عهد أوباما بالشرق الأوسط يقوم على ضمان وتحقيق الاستقرار في المنطقة بأقل تكلفة، ومساعدة إيران كي يكون لها وزن بالشرق الأوسط، مِن أجل ضمان أمن اسرائيل بطريقة غير مباشرة".

واعتبر يايموت أن "الإدارة الأميركية في عهد أوباما ترى أن هناك منافسين دوليين لهم شرعية التحرك، ولهم مصالح إقليمية داخل الشرق الأوسط". وأوضح أن "إدارة أوباما تحاول إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة، والتمكين لقوى أخرى مثل روسيا وإيران مقابل ضمان أوراق رابحة ثانية بمناطق أخرى خصوصا في آسيا الوسطى، وضمان مصالحها".

أميركا لم تجرؤ على الوقوف في وجه الغطرسة الإيرانية

ولفت أن أميركا ترى أنه "من الصعب أن تفي بمطالب شركائها في الشرق الأوسط، وخصوصا دول الخليج، حيث تحاول أن تبني علاقات مع إيران، وإعادة دمج طهران في العلاقات الدولية، وهو ما يضمن خلق تفاهم مع إسرائيل بطريقة غير مباشرة، وضمان أمنها".

ورأى أن الولايات المتحدة في عهد أوباما "لا تريد أن تنسحب من الشرق الأوسط، بل ترغب في إعادة بناء استراتيجية جديدة عبر خلق شراكات أخرى غير تقليدية، خصوصا مع إيران، إضافة إلى التخفيف من التواجد العسكري بالمنطقة".

وتابع قائلا "الولايات المتحدة لم تعد تحتاج بشكل كبير للطاقة التي توجد بالمنطقة، وضمنت أمن إسرائيل من خلال شراكة جديدة مع إيران، وهو ما يفسر تراجع دورها بالمنطقة".

وبخصوص عدم الوصول إلى نتائج كبيرة بشأن محاربة الإرهاب، رأى يايموت أن واشنطن "لا تريد أن تشارك بشكل تقليدي في محاربة الإرهاب، بل تكتفي بطلعات خاصة، وطائرات بدون طيار، وتريد من دول المنطقة أن تضطلع بمحاربته، على مستوى الأرض، ومستوى توفير الإمكانات المالية".

خالد الشيات، الخبير المغربي في العلاقات الدولية، قدّم بدوره تفسيراته للسياسة الأميركية في عهد أوباما في منطقة الشرق الأوسط، وقال في هذا الشأن إنها "قامت على التخفيف من التوتر مع إيران، حيث نجح في هذا التوجه، ما حقق انتصارا دبلوماسيا له".

وأبرز أن أميركا غيّرت من استراتيجية محاربتها للإرهاب، حيث تعتمد حاليا على منح وكالات لقوى إقليمية، خصوصا إيران، "حيث بدأت أميركا تلبس نظارات إيرانية في مواجهتها للإرهاب بالمنطقة، وهو ما ساهم في عدم التوصل إلى نتائج كبيرة في محاربته، وخصوصا داعش".

وأوضح أن التمكين الأميركي لإيران في المنطقة "كان له مقابل يتعلق بتقليص نفقات واشنطن في المنطقة، خصوصا أن التدخل العسكري الأميركي المباشر في الشرق الأوسط، كلّف الأميركيين في وقت سابق، خسائر مادية كبيرة؛ وهو ما جعلهم يكتفون الآن بطلعات جوية فقط".

1