سياسة إيران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي قائمة على تعميق التباينات

الثلاثاء 2015/04/28
خلافات مستمرة بين دول مجلس التعاون بشأن السياسة تجاه إيران

تتسم السياسة الخارجية الإيرانية بشكل عام، وتجاه مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، بقدر من الاستمرارية والتواصل من حيث المضامين والأهداف منذ العام 1979، على الرغم من أنّ أولويات وآليات وتحرّكات وأدوات هذه السياسة، إضافة إلى تكتيكاتها وطبيعة خطابها، تختلف من مرحلة إلى أخرى باختلاف الظروف الداخلية والخارجية وطبيعة السلطة والقوى المؤثرة فيها، طبقا لرؤية شحاتة محمد ناصر في كتابه “السياسة الإيرانية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.. الاستمرارية والتغيير” الصادر عن دار العين للنشر.

وعلى الرغم من كون الكتاب يرصد ويحلل ويقيم توجهات وأهداف وقضايا السياسة الإيرانية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي حتى سنة 2012، إلاّ أنه يغوص في مكونات تركيبة صنع القرار الإيراني الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وتأثيرها على السياسة الخارجية، ليضع المتلقي أمام إشكاليات حقيقية ليس مع صنع القرار والنظام الإيراني ونظرية ولاية الفقيه والمرجعيات الدينية والملالي فحسب، بل مع إشكاليات المجتمع الإيراني نفسه وثقافة الكراهية والعداء المستشرية فيه خاصة تجاه جيرانه العرب.

وإقرارا بالعلاقة التي تربط ثقافات المجتمعات بسياساتها الخارجية، حيث تؤثر الثقافة بمفهومها الشامل في التوجه العام للسياسة الخارجية تجاه منطقة أو شعب بعينه أو في مرحلة تاريخية معينة، تتجلّى ملامح تأثير المحدد الثقافي في سياسة إيران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي وفق مستويين: يتعلق الأول بسمات الشخصية الوطنية الإيرانية التي تتسم بالعديد من الصفات من أهمها الإحساس بالعظمة والتميز والغرور وتمجيد الذات والاستعلاء العرقي والحضاري، والدهاء والغموض، والاعتزاز القومي الشديد، والازدواجية التي تجعل الإيراني يفعل الشيء وعكسه، والبراغماتية وإعطاء أهمية كبيرة للقوة والبطولة، فضلا عن سمات ثقافية أخرى منها المبالغة في الخطاب السياسي والأهداف ووسائل تنفيذها، والشك في الآخر والخوف منه، والشعور الدائم بعدم الأمان، والإيمان بنظرية المؤامرة وغيرها.

أمّا المستوى الثاني فيتعلق بصورة العرب في الثقافة الإيرانية، حيث يقر الكتاب بوجود “نزعة ثقافية فارسية استعلائية لدى الإيرانيين تجاه العرب، تصل إلى حدّ إنكار انتصار العرب المسلمين على الفرس عند دخول الإسلام فارس.

وتتكاتف ثلاثة مصادر في تشكيل الصورة السلبية للعرب في الذهنية الإيرانية؛ أوّلها المصدر القومي، حيث روجت التيارات القومية الإيرانية خاصة في العهد الملكي بقوة لهذه الصورة، وثانيها المصدر التاريخي حيث يرى الشيعة أن العرب وفقهاءهم كانوا تاريخيا مؤيدين للحكم الاستبدادي ومشرعين له ومنقادين لسلطانه، وثالثهما المصدر المذهبي ويتصل تحديدا بالتشيع الصفوي الذي ساهم بقوة في تأجيج أسباب التعصب ومظاهر العداء بين الشيعة والعرب السنة.

وإذا كانت النظرة السلبية الثقافية الإيرانية عن العرب جميعهم، فإن عرب الخليج والجزيرة العربية ربما هم المستهدفون بها والمتضررون منها أكثر من غيرهم، لأنهم يمثلون الصورة التقليدية للعرب في مخيلة الشعوب الأخرى، ومنها الشعب الإيراني، إضافة إلى القرب الجغرافي والاحتكاك التاريخي الحاصل بينهما.
لعب طهران على التباينات التي تحصل أحيانا بين دول مجلس التعاون، يعدّ إحدى النقاط الأساسية التي ينبغي على دول مجلس التعاون أخذها بعين الاعتبار لأنّها مستمرة حتى الآن

وقد أدّت سياسات إيران المتشددة هذه تجاه العرب، وعلى جميع المستويات، إلى نشوب مواجهة قوية بينها وبين السعودية في منطقة الخليج وخارجها، ومن ثم مثلت عائقا أساسيا أمام تحقيقها لأهدافها، كما أدت برامج التسليح الإيرانية الضخمة إلى لجوء دول مجلس التعاون إلى الحصول على أسلحة متقدمة من الغرب بمليارات الدولارات، بشكل أحدث بعض التغيرات المهمة في التوازن العسكري في المنطقة لصالح دول مجلس التعاون، خاصّة في مجال القوة الجوية. أيضا أدى التشدد الإيراني في قضية البرنامج النووي بشكل أثار الشكوك حول طبيعة أهدافه، إلى إثارة قلق دول مجلس التعاون ومن ثم دفعها إلى تبني برامج نووية، وعلى الرّغم من الطابع السلمي لهذه البرامج فإنّها يمكن أن تتحول إلى برامج عسكرية، خاصّة لدى السعودية، إذا امتلكت إيران السلاح النووي في أيّ وقت.

ويخلص الكتاب إلى أنّ لعب طهران على التباينات التي تحصل أحيانا بين دول مجلس التعاون، يعدّ إحدى النقاط الأساسية التي ينبغي على دول مجلس التعاون أخذها بعين الاعتبار لأنّها مستمرة حتى الآن، حيث أنّه من بين أدوات السياسة الخارجية الإيرانية الكثيرة تُجاه دول مجلس التعاون الخليجي، فاللعب على التبايات بين هذه الدول والسعي لتوسيعها والحيلولة دون تكوين جبهة خليجية موحدة في التعامل مع إيران، هو الأداة التي اكتسبت نوعا من الاستمرارية خلال الفترات المختلفة التي مرّت بها هذه السياسة منذ العام 1979، على الرغم من اختلاف الظروف والمعطيات الداخلية والخارجية المحيطة بها.

وقد شجع على ذلك وجود خلافات مستمرة بين دول مجلس التعاون بشأن السياسة تجاه إيران، كانت تضيق وتتسع، إلاّ أنها لا تنتهي أو تتلاشى، خاصة في ظل عدم ثقة بعض تلك الدول في إدارة العلاقة مع طهران عبر إطار خليجي جماعي، ممّا دفع بعضها إلى إدارة تلك العلاقة بمفردها، بل رفض تدخل مجلس التعاون فيها في بعض الأحيان. ولعل رفض الكويت مناقشة قضية “شبكة التجسس الإيرانية” على أراضيها من قبل القمة التشاورية الخليجية التي عقدت في الرياض في مايو 2010 وتفضيلها التعامل مع المشكلة بمفردها كان أحد الأمثلة البارزة على ذلك.

6