سياسة الأحزاب المغربية بين التواضع واللامسؤولية

الجمعة 2016/10/28

التواضع في العمل السياسي قيمة إيجابية دون شك، متى كان يعني الالتزام بشروط الواقعية التي توفر النجاعة للممارسة السياسية في سياق عام وموضوعي محدد، غير أن هذا التواضع المعلن يتحول إلى نوع من اللامسؤولية الخطيرة، خاصة عندما يقترن بعدم أخذ معطيات الواقع بعين الاعتبار في مستويات محورية منه، هي التي تحدد طبيعة تموقع مختلف القوى والتنظيمات السياسية داخل هيكلة المشهد السياسي.

ذلك أن الهوة التي تفصل بين محددات التموقع وبين الوزن الفعلي على الساحة السياسية، لهذه القوة أو تلك، قد تنتهي، ما لم يتم التعامل معها بالجدية التي يقتضيها الموقف، إلى الإصابة بنوع من انفصام الشخصية السياسية، تختلط على من أصيب به المواقع ومستوياتها، فيستدعي موقعا عندما يكون واقع الجدل السياسي يهم موقعا آخر، لتبرير ضعف هنا أو فشل هناك، أو حتى ما يعتبره نجاحه الأساسي، في الوقت الذي ينظر إليه مجمل الفاعلين السياسيين على أنه موقع الفشل الحقيقي.

ولقد رأينا خلال الاستحقاق الانتخابي الأخير في المغرب، نماذج من هذه المعضلة، يمكن رصدها في تفكير وسلوك عدد من القوى السياسية، كبيرها وصغيرها معا، إن صح لنا التمييز بينها بهذين المعيارين الكميين والقابلين للتغير، نظريا على الأقل، عند كل استحقاق انتخابي تعرفه البلاد في المستقبل، على اعتبار أن جماهيرية أي قوة من القوى، رغم بعض المؤشرات الأساسية عليها، تظل من متغيرات الحياة السياسية.

ولعل أهم عامل محدد لهذه المسألة هو طبيعة سلوك الناخب. وهي مرتبطة بعوامل كثيرة منها موقف مسبق ومنخرط بشكل ما في الأوساط المؤيدة لقوة من القوى لأسباب أيديولوجية أو سياسية. ومنها طبيعة تقييم الناخب لأداء الحزب الذي كان قد سانده في استحقاق سابق إيجابا أو سلبا. وهذا ما يفسر التغيرات التي تطرأ على تراتبية القوى السياسية داخل المشهد السياسي من استحقاق انتخابي إلى آخر.

وإذا كان مفهوما تماما لدى كل قوة من القوى السياسية المتنافسة حول من سيكسب دعم أوسع شرائح المجتمع الممكنة، التحرك على أساس أن تصورها الفكري ورؤيتها السياسية وبرنامجها العملي هو الذي يجسد طموح وتطلع الشعب إلى العيش الكريم والتقدم إلى غير ذلك من الشعارات، المتشابهة في الواقع، فإن ما يدعو إلى التساؤل العميق والاستغراب الشديد هو لجوء بعض تلك القوى إلى أساليب، في الدفاع عن كل ذلك، أقل ما يقال فيها إنها منفصلة عن الواقع الفعلي، دون وعي، أو أنها تتعمد القفز على الوقائع والمعطيات الملموسة التي من شأنها إضعاف حجتها في كل جدل فكري أو سياسي حول طبيعة نتائج هذا الاستحقاق أو ذاك.

وإذا كان ضروريا التأكيد على عدة عوامل في تقييم السلوك الانتخابي، وفي النظر إلى نتائج الاقتراع في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن محاولة حصر هذا التقويم في عامل وحيد يدل على تهرب حقيقي من مساءلة العملية برمتها، إما بحثا عن إرضاء الذات الحزبية ودغدغة عواطف الأعضاء والمناصرين، وإما البحث عن مشاجب مختلفة تعلق عليها كل السلبيات هروبا من المساءلة الموضوعية وفتح الباب أمام إمكان القيام بأي نوع من أنواع النقد الذاتي بغاية تطوير الممارسة التي دون التعرف على حقائقها الملموسة يستحيل حتى الادعاء أن هناك إرادة سياسية فعلية في القيام بالعمل التطويري.

وهنا ليست سياسية في شيء محاولة القفز من عملية إحصاء عدد المقاعد المحصل عليها إلى إحصاء عدد الأصوات التي نالها هذا الحزب أو ذاك. ذلك أن التأثير الفعلي للحزب السياسي في تدبير الشأن العام من موقع الحكومة أو موقع المعارضة يقوم على عدد المقاعد وليس على عدد الأصوات المحصل عليها. إذا انطلقنا من أن التأثير يكون أساسا من داخل المؤسسات المنتخبة وليس من خارجها.

صحيح أنه بإمكان الحزب السياسي القيام بعمل إحصائي للأصوات التي حصل عليها لمعرفة الأوساط التي كان فيها لخطابه السياسي تأثير فعلي. وهو بهذا المعنى يدخل في نطاق تكوين صورة عامة حول وزنه لاعتماد خلاصات التجربة في الاستحقاقات المقبلة، أو محاولة بناء جسور من التواصل، وربما العمل التنظيمي، مع ما يمكن التعرف عليه من كتلته الناخبة، غير أن الدخول في عقد مقارنات مع أحزاب أخرى، على هذه القاعدة، ليس مجديا. اللهم إذا كان الهدف منه إقناع الذات بأن ما تم القيام به هو المثال الذي يحتذى وأن جماهيرية الحزب تتجاوز جماهيرية أحزاب أحرزت مقاعد لا يستهان بها في الاستحقاق الانتخابي. وهذا أمر آخر تماما لست أدري إلى أي حد هو مفيد في التعرف على الخارطة السياسية في البلاد ما دامت المقاييس التي يتم اعتمادها متباينة إلى هذا الحد.

وقد كشف هذا الاستحقاق الانتخابي أيضا عن خلل في التقييم العام لطبيعة المشاركين فيه ونوعية سلوكهم الانتخابي من حيث تفضيلهم لأحزاب دون غيرها. ويبدو أن جوهر هذا الخلل هو محاولة إيحاء البعض بأن من اختاروا الحزب الذي يقوده أو يساهم في تسيير شؤونه هم الناخبون الحقيقيون الواعون لطبيعة رهانات المرحلة الراهنة ويعول عليهم بالتالي، لرفع تحديات المرحلة بمختلف إشكالياتها ومستوياتها.

بينما الناخبون الذين اختاروا الأحزاب المنافسة خلال هذا الاستحقاق لا يرقون إلى المستوى المطلوب سواء لكون وعيهم قاصرا عن التمييز بين الأحزاب وبرامجها أو لكونهم خضعوا لإغراءات المال أو كانوا ضحية لهذه القوة أو تلك. أي أنهم ضلوا الطريق وصوتوا على من ليسوا في مستوى تمثيل مصالحهم الحقيقية أو هم أساس البلاء الاقتصادي والاجتماعي الذي يشكون منه ويعبرون عنه بمختلف الأشكال بما في ذلك من خلال المظاهرات التي ينظمونها لمواجهة هذا القرار أو ذاك.

وبطبيعة الحال، فإن هذا النوع من التقييم متهافت في منطقه وأساس محاكمته للواقع لأنه ليس مبنيا على أي دراسات ميدانية تحدد طبيعة الكتل الانتخابية المختلفة بل يقوم على مصادرة ذاتية يتم تقديمها كما لو كانت التجسيد الفعلي للتحليل الملموس. وليس خافيا على أحد أن مثل هذا المنطق هو الذي أدى في نهاية الأمر إلى إطلاق الكلام على عواهنه بخصوص من يمثل حقيقة الشعب المغربي ومن هو مفروض على هذا الشعب. كما أنه يفتح المجال أمام كل القوى للحديث عن انتصاراتها رغم ما تتم معاينته من نتائجها المتواضعة إلى أبعد الحدود على مستوى التمثيل السياسي.

انطلاقا من هذه الملاحظات، يمكن القول إن الاعتراف بالواقع من حيث الوزن السياسي للحزب هو عنوان التواضع الحقيقي الذي يفتح الباب واسعا أمام تطوير الممارسة السياسية، في حين أن تجاهل الوقائع القاطعة في وضوحها للالتصاق بما ليس مطروحا في الموازين أساسا، يشكل عائقا حقيقيا أمام التطور السياسي في بلادنا. إن الاستحقاق هو استحقاق سياسي برنامجي وينبغي مقاربته على هذا الأساس ولو كان استحقاقا نظريا وأيديولوجيا لكان مجاله مختلفا تماما ولكانت مفرداته مباينة لمفردات الاستحقاقات الانتخابية. فعلينا إذن أن نختار بين موقف التواضع السياسي أو اللامسؤولية في مقاربة قضايا الواقع؟ والاختيار المنتج للمعنى واضح تماما.

كاتب من المغرب

12