سياسة الإغراق "النهضاوية" تغرق تونس

السبت 2013/12/14

تصدر كل يوم مبادرات سياسية من أطراف الحوار الوطني التونسي، لكنها تختفي سريعا لتجد مبادرة أخرى قد لا تستمر ساعات، والسبب يعود للفيتو الذي تضعه حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في وجه الجميع، ثم تتولى هي اقتراح اسم أحد العجائز وتتمسك به لأسابيع مثل أحمد المستيري، لتضيف اسما آخر يستمر النقاش حوله أسابيع أخرى مثل مصطفى الفيلالي الذي فاجأه اختياره بالأمس، فقبل في البداية ثم تراجع.

والحقيقة أن “النهضة” تُتقن اللعب وربح الوقت والضحك على ذقون فرقائها، مثلما اعترف بذلك زعيم الجبهة الشعبية حمّة الهمامي، لكنها، للأسف، تضحك على نفسها وعلى البلاد التي تحكمها بفعل الصدفة، وتضحك على آلاف منتسبيها والناس التي انتخبتها تحت وقع شعار “الإسلام هو الحل”، و"هؤلاء يخافون الله".

ويكفي أن يطّلع المرء على ما يسجله أنصار “النهضة” على مواقع التواصل الاجتماعي من غضب على الحركة، ليكتشف أنها تُغرق نفسها في الوقت نفسه الذي تقود فيه سياستها البلاد إلى الغرق، فقد أغرقت أنصارها بالوعود الثورية والتغيير الراديكالي، لكنها لا تفعل الآن شيئا سوى أنها تؤجل كل شيء وتكتفي ببيانات من الصعب أن يصدقها منهم أحد.

وفيما أنصارها يعترفون بأنها فاشلة وعاجزة، ويدعونها صراحة إلى التنحي، فإن “النهضة” ما تزال متمسكة بالحكم بقوة، وترفض أن تستجيب لمنطق الوفاق الوطني الذي تقول دائما إنها تتبناه، وتسوّق خطابها “الوفاقي” للسفراء الغربيين الذين يلتقي بهم رئيسها راشد الغنوشي صباحا- مساء.

المفارقة أن حكومتها قد أوقفت تنفيذ كل شيء، وأصبحت البلاد سائبة أمام من يمتلك العضلات القوية ليحكمها. فهنا تجد السلفيين يفرضون أحكامهم وفتاواهم المتشددة بالقوة، ويجمعون السلاح من كل مكان ليرهبوا به الناس ويتحدوا به الجيش والشرطة.

وهناك تجد النقابيين يغلقون المصانع بالقوة ويعطلون وسائل النقل والإدارات رافعين مطالب تعجيزية على دولة مهترئة، وينتظر أن تعلن عجزها عن دفع رواتب آلاف الموظفين الذين لم يعد لهم من دور سوى تسجيل الحضور والاحتجاج وتعطيل مصالح الناس تحت شعار الحرية التي جلبت لهم “الثورة المباركة”.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا ستستفيد “النهضة” من الاستمرار في الحكم أشهرا أخرى، وهي ترى الفوضى تحيط بها من كل مكان، والناس تلعن سياساتها، وتحنّ لأيام الرئيس السابق الذي ثارت عليه.

لم يغب الفساد فقط توسّعت دائرة المستفيدين منه، وصار منهم عدد لا بأس به ممن “يخافون الله”، ولم تختف الرشوة بل أصبحت أمرا مكشوفا مفضوحا، ولم يتحقق من العدالة في توسيع دائرة التنمية سوى وعود كثيرة ومشاريع صغيرة لا تكاد ترى.

لكن الأسوأ أن الدولة تنهار، وصورة تونس تتراجع بشكل كبير عما زرعته الثورة من نموذج للاحتجاجات المدنية السلمية التي تنتصر على القمع والتعذيب والفساد، وهي ظواهر اختفت قليلا ثم عادت بقوة في ظل حكم الإسلاميين الذين بدأت الأصوات ترتفع داخلهم تقول إن الوهم انقشع، وأن الصفة الإسلامية لم تعد تغطي على الفشل.

ويكفي هنا العودة إلى التصريح القوي للشيخ عبدالفتاح مورو أحد المؤسسين للحركة منذ أن كانت تحمل “اسم الجماعة الإسلامية” لنعرف أن الحركة لم تعد لها حلول أو مبررات للاستمرار في الحكم، فهو يقول “نصيحتي للنهضة أن تخرج من الحكم، وأن تهتم بإعادة ترتيب أوراقها من الداخل، وعلى قياداتها التاريخية بإيجابياتها وبسلبياتها أن ترحل وأن تفسح المجال للشباب لأننا لم نعد ننفع″.

يشار إلى أن استقالات واسعة شهدتها الحركة في الفترة الأخيرة، بعضها مرّ في صمت، والبعض الآخر أثار ضجة مثل استقالة رياض الشعيبي عضو المكتب التنفيذي للحركة وأحد “المنظّرين” داخلها الذي اعتبر أن “الاستقالة تعبر عن موقف، فالوضع السياسي دخل نفقا خطيرا، وتحولت العملية السياسية من محاولة لتحقيق الانتقال الديمقراطي الفعلي إلى مجرد مفاوضات حزبية وراء أبواب مغلقة لتقاسم السلطة”.

وهنا سر الأزمة الحقيقي، فقيادة النهضة ركزت مهمتها الأساسية على إدارة اللعبة السياسية والبحث عن اتفاقات تحت الطاولة مع الخصوم الذين ابتلعوا الطعم بدورهم واستمرؤوا لعبة الإغراق والتأجيل واللقاءات وراء الأبواب المغلقة، وبعضهم يتوهم أن استمرار الاحتقان الاجتماعي سيخدمه في الحملة الانتخابية القادمة وسيوصله إلى الكرسي.

لكن الصورة التي يتهرب الفرقاء السياسيون من رؤيتها تقول إن فشل السياسيين سيكون أفضل هدية للمجموعات المتشددة التي تجمع السلاح وتتجهّز للانقضاض على البلاد لإقامة “إمارة إسلامية”.


كاتب صحفي تونسي

9