سياسة الثقافة

الخميس 2015/07/09

قد يبدو هذا العنوان متناقضا للبعض، أو يحتوي على مفارقة ما، كالفارق بين السماوي والأرضي أو الفارق بين الجسدي والروحي، كتعبير وحسب الوعي السائد عن دونية السياسة و مثالية الثقافة، لا سيما السياسة كما تمارس في عالمنا العربي الراهن.

وربما إحدى مشكلاتنا العربية هي في هذا الجدار الذي يبنيه البعض ويدافع عنه بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، لكن السؤال الحقيقي فعلا هو، هل هناك ثقافة بلا سياسة وسياسة بلا ثقافة؟ ما نعاينه في حياتنا يجيب عن الشق الثاني من السؤال، نعم هناك سياسة بلا ثقافة بل هي الحالة الأعم و الأكثر حضورا، حيث يزدهر الطغيان وتقتل الحرية كل يوم.

في خضم هذه الحياة العربية الجنائزية، في ظل هذا الموت اليومي، لا بد من أسئلة ما، هل الثقافة العربية تموت أيضا؟ هل هي في خطر؟ هل أصبحنا نعيش بلا ثقافة؟ الجواب بسيط، فطالما حياة الإنسان العربي، لاسيما في الدول التي أخذتها فكرة التغيير وانخرطت فيها، منتهكة وممزقة وبلا كرامة، طالما الإنسان هو نفسه في خطر بل في قمة الخطر، فمما لاشك فيه أن الثقافة أيضا في خطر.

يعمل كثير من الناس لا بل من المثقفين أنفسهم على تأجيل هذه الفكرة، لحسم الصراع مع قوى الاستبداد، لتأتي تاليا فكرة الثقافة، لكن هل حقا يمكن أن يحصل التغيير المطلوب فقط في الشكل؟ هل ينحصر التغيير فقط في الخارج، وبإهمال هذه البنية العقلية التي ستكون قادرة على إعادة إنتاج مرة أخرى لنفس البنية السياسية، وإعادة نفس النظام السياسي، لا سيما أننا أمام شواهد حية في عالمنا العربي، حيث خرج الاستبداد من الباب وعاد من النافذة كما يقول المثل الشائع؟

لابد إذا من الثقافة ومن التوجه إلى العقل العربي، وتغييره من الداخل، لابد من إحيائها، وإعادتها إلى الحياة، والدفاع عنها لكي لا يكون هذا التحول ناقصا، لا بد من إعادة الاعتبار لها وإعادة الاعتبار للمثقف ولدوره في أي عملية تغيير.

كثر من هم فقدوا الثقة بالثقافة لا بل هناك مثقفون يعملون هم أنفسهم بقصد أو دون قصد، على تكريس هذا الانطباع. وصلنا إلى زمن صار فيه المثقف عدو نفسه، ولا أتكلم هنا عن المثقفين الجالسين على مائدة السلطة، فهؤلاء خارج أي فعل ثقافي، طالما هم أدوات بين يدي الطغيان.

لا شك أن الاستبداد أول أعداء الثقافة، طالما ستقود في النهاية إلى إضاءة العقل، وإلى فكرة الحرية، لكن المشكلة حين يكون طلاب الحرية أنفسهم بلا ثقافة ( دون الوقوع في خطأ التعميم)، لا بل صارت بالنسبة إلى الكثيرين منهم موضوعا للسخرية.

إننا في عصر تحول فيه المثقف إلى موظف، أو في أحسن الأحوال طالب وظيفة، وما بين سلطة المال و سلطة السياسة، تنازل كثيرا عن حقه في التغيير والبحث والتساؤل، وتنازل عن حقه في المطالبة بالحقيقة والتمسك بالحرية، لكن هل هناك ثقافة بلا حرية؟ بالتأكيد لا، ناهيك أيضا عن أصحاب النزعة الانعزالية، تحت ذرائع شتى، هؤلاء الذين يعيشون وهم الثقافة ووهم الحرية، إذا لا تسمى ثقافة، ولا يسمى مثقفا، من لا يكون عنصر تحوّل، ولا يفكر بإعادة خلق العالم، والمشاركة في صناعة المستقبل، ولا يكون جزءا من حركة التاريخ وحركة الحياة.

لا سياسة بلا ثقافة، كما لا ثقافة بلا سياسة، مهمة المثقف هي تقويض الجدران التي ترتفع كل يوم وهدم هذا السجن الكبير، الذي تعمل قوى كثيرة على رفع أسواره باسم الهدوء والاستقرار، وباسم الطغيان العالمي، والمحلّي، والاستعمار الذي دائما يجد طريقة ما ليظهر بشكل جديد، تقوض الجدران التي يبنيها الإرهاب وحاملي الفؤوس، تقويض كل ما من شأنه أن يشكل سدّا بين الإنسان والحرية، إذ لا ثقافة إن لم تكن شكلا ومضمونا في مستوى الحرية.

شاعر وكاتب من سوريا

14