سياسة الطرق الفرعية ومتاهة دي مستورا

السبت 2016/04/23

بالتزامن مع انهيار اتفاق “وقف الأعمال العدائية” في سوريا واستئناف القتال، وصلت المفاوضات السياسية في جنيف إلى طريق مسدود. ومع هذا التعثر الجديد، من المنتظر أن يلتقي الراعيان الدوليان للمفاوضات، أميركا وروسيا، من أجل فتح طريق فرعي، يجنبهما إعلان انهيار التسوية.

سياسة الطرق الفرعية باتت الاستراتيجية المفضلة لكل من موسكو وواشنطن في إدارتهما للأزمة السورية. إذ تتجنب كل منهما السير في الطريق الرئيسي الذي يقود إلى تسوية الصراع، وتفضلان إغراق الملف السوري بعدد غير محدود من الطرق الفرعية التي يديرها ستيفان دي مستورا، الساحر الذي لا يمكن أن تفرغ قبعته من المفاجآت.

الطريق الرئيسي واضح المعالم، وقد جرى تحديده في بيانات جنيف وميونيخ وفي قرار مجلس الأمن رقم 2254، وجميعها ترسم خارطة طريق بجدول زمني محدد. ولكن السير وفق خارطة الطريق لا يبدو بطيئا فحسب، كما يحاول السيد شديد التفاؤل دي مستورا أن يصوّر الأمر، بل هو متوقف.

إنه مأزق التناقض بين النص والواقع ذلك الذي أوقعت واشنطن وموسكو الجميع فيه. فلدينا نص طموح وشديد الوضوح، مقابل واقع معقد وشديد الغموض، وفوق ذلك يرفض الرضوخ للنص. حدّد المجتمع الدولي ستة أشهر من أجل تشكيل جسم تنفيذي يقود المرحلة الانتقالية في سوريا، وقد انقضت أربعة أشهر دون الاتفاق بين المعارضة والنظام على اسم ذلك الجسم، هل هو هيئة انتقالية أم حكومة موسعة؟

من الواضح أن من يعيق السير في خارطة الطريق المتفق عليها دوليا هو النظام السوري الذي يهيمن على الواقع ويجد نفسه في حالة تناقض مع النص. ولكن عوضا عن حل التناقض، لجأ الراعيان الدوليان روسيا وأميركا، إلى سياسة خلق عدد لا متناه من الطرق الفرعية تؤدّي إلى إحداث متاهة تشوش على النص وتسلبه مضامينه.

المثال الأوضح على سياسة المتاهة تلك هي قضية وفود المعارضة السورية التي تخوض المفاوضات مقابل النظام في جنيف. فمع التحضير للمفاوضات، كان من المنتظر أن يلتقي وفدان فقط، أحدهما يمثل المعارضة والآخر يمثل النظام. ولكي يكون وفد المعارضة واسعا وتمثيليا على درجة كافية، استضافت الرياض اجتماعا استثنائيا حضرته معظم مكونات المعارضة السورية، بما في ذلك هيئة التنسيق الوطنية التي اعتادت التصادم مع الائتلاف الوطني لقوى المعارضة. كان الأهم هو حضور المعارضة العسكرية، وهو ما أعطى الجسم الذي ولد في نهاية المؤتمر، الهيئة العليا للتفاوض، ثقلا وتنوعا لم تشهد الساحة السورية مثيلا له خلال السنوات الماضية.

فرضت تلك الحقيقة نفسها على المجتمع الدولي، بما في ذلك روسيا، الذي اعترف بكون الهيئة العليا للمفاوضات هي الممثل الوحيد للمعارضة. لكن ذلك بقي على صعيد النص، أما الواقع فكان مختلفا. لجأ ديمستورا إلى سياسة فتح الطرق الفرعية التي من شأنها أن تحوّل قضية وفد المعارضة السورية إلى متاهة معقدة. ونجح المبعوث الدولي بشكل مثير للإعجاب في ذلك، إذ عمل بصمت خلال الأشهر الماضية، فاستدعى وفدا يسمى بـ”مجموعة القاهرة” يضمّ بضع شخصيات عقدت مؤتمرا في يوم ما في العاصمة المصرية، كما استدعى “مجموعة موسكو” التي تضمّ بدورها شخصيات اجتمعت في العاصمة الروسية، وأضاف إليهم شخصيات من “المجتمع المدني”. ثم، لم يتردد الساحر الإيطالي في إخراج “المجلس الاستشاري النسائي” من قبعته الدبلوماسية ليدفع به إلى جنيف. وأخيرا تدخلت روسيا لزيادة تعقيد تلك المتاهة، فعقدت اجتماعا لشخصيات تدّعي أنها معارضة سورية في مطار حميميم الذي تستخدمه القوات الروسية في سوريا، وشكلت منها وفدا لحضور مفاوضات جنيف. دعا ديمستورا كل تلك المجموعات إلى الجولة الثالثة من مؤتمر جنيف التي انتهت بتعليق الهيئة العليا للمفاوضات مشاركتها.

من الواضح أن هنالك جهدا حثيثا تقوم به أطراف عديدة، وبمساعدة المبعوث الدولي، من أجل إفساد وحدة وفد المعارضة السورية. وليس المهم في ذلك هو إفساد وحدة الجسم المعارض، عبر خلق أجسام عديدة، بقدر ما هو إفساد لوحدة الرؤية الخاصة بالانتقال السياسي. فعندما تكثر الرؤى المتخالفة والمتناقضة تتم تنحية النصوص الواضحة المتفق عليها في جنيف وميونخ جانبا، ويجري الاحتكام إلى “الحلول الممكنة”. وهذا ما يريده النظام السوري الذي يتمسك بوجود واقع عنيد محاب له ولا يمكن للنصوص الجاهزة أن تفرض نفسها عليه. على النص أن يتغيّر لكي يلائم الواقع وليس العكس، يقول النظام السوري علنا. أما في السر، يبقى الأمثل بالنسبة للنظام هو تدمير النص تماما والاحتكام إلى الواقع فحسب. وهذا الأخير يقول إن الحل الممكن هو “حكومة موسعة” وليست “هيئة حكم انتقالي”، الحل الممكن هو تعيين ثلاثة نواب للرئيس السوري وليست استقالته أو الإطاحة به.

أدركت الهيئة العليا للمفاوضات أن استمرارها في جنيف سيكفل لديمستورا، مواصلة عمله المفضل؛ فتح طرق فرعية جديدة وتعقيد المتاهة، وصولا إلى مرحلة لا يمكن معها أن تخرج منها.

كاتب فلسطيني سوري

9