سياسة العصا الغليظة لا تكسر عزيمة العراقيين للتغيير

البرلمان العراقي يعقد جلسة لمناقشة تداعيات الاحتجاجات المتواصلة للمطالبة بإقالة الحكومة وحل البرلمان وتعديل الدستور.
الأربعاء 2019/11/13
اصرار العراقيين متواصل

بغداد - وحدت الانتفاضة الشعبية للعراقيين الطبقة السياسية ومكوناتها التي استشعرت خطرا محدقا بات على مقربة منها ويهدد أركانها فصارت تقف عند خط شروع واحد من أجل التخلص من التظاهرات بأي طريقة ممكنة، لم تخلو من التحذير والتهديد والوعيد مرورا بقمع التحركات العفوية باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع ما أوقع العديد من القتلى والجرحى.

وتجددت المظاهرات الاحتجاجية في بغداد وعدد من المحافظات العراقية الأربعاء، لليوم العشرين على التوالي، للمطالبة بإقالة الحكومة وحل البرلمان وتعديل الدستور العراقي.

وانضم عشرات الآلاف من طلبة المدارس والمعاهد والكليات في ساعات الصباح الأولى إلى ساحات التظاهر في بغداد وتسع محافظات بجنوب البلاد، بعد أن أعلنت نقابة المعلمين والنقابات الاتحادية الأخرى الانضمام إلى ساحات التظاهر تأييدا لمطالب المتظاهرين.

وأعلن البرلمان العراقي أنه سيعقد الاربعاء جلسة لمناقشة تداعيات المظاهرات، إلى جانب استضافة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت.

ويأتي استمرار المظاهرات وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار قوات إضافية في الشوارع والساحات وأمام الأبنية الحكومية والمصارف والمدارس، تحسبا لوقوع المزيد من أعمال العنف.

وتسعى الأمم المتحدة لأن تكون عرابة الحل للأزمة العراقية من خلال وضع خارطة طريق واجتماع عقدته مع المرجعية الدينية الشيعية الأعلى في العراق الاثنين، بعد توصل الأحزاب السياسية في البلاد من خلال تدخل الجارة إيران إلى اتفاق على بقاء النظام.

لكن ذلك لم يردع الشارع حتى الآن، فأغلقت معظم المدارس والجامعات في جنوب العراق أبوابها الثلاثاء، بعدما أعلنت نقابة المعلمين إضراباً عاماً في محاولة لإعادة الزخم إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي تعم البلاد منذ أسابيع.

وكان دوي الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية ما يزال مسموعة قرب ساحة التحرير، رد عليها المتظاهرون برشق الحجارة والقنابل الحارقة.

ورغم دعوات السلطات لـ"العودة إلى الحياة الطبيعية"، واصل المتظاهرون المطالبة بنظام حكم جديد وتغيير الطبقة السياسية في بلد يعد من الأغنى بالنفط في العالم، وبين الدول الأكثر فساداً على حد سواء.

"نريد فقط وطنا"
"نريد فقط وطنا"

ومنذ الأول من أكتوبر الماضي، أسفرت الاحتجاجات الدامية عن مقتل 319 شخصاً، بحسب أرقام رسمية. ومنذ نهاية أكتوبر، تحول الحراك في جنوب البلاد ذات الغالبية الشيعية، إلى موجة عصيان مدني.

وأعلنت ممثلة الأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت بعد لقائها السيستاني الاثنين في النجف، إن المرجعية أقرت خارطة الطريق التي عرضتها المنظمة وتتضمن مراجعة قانون الانتخابات في غضون أسبوعين.

من جهتها، أعلنت للجنة البرلمانية لحقوق الإنسان التي تنتقد السلطات، أنها ستعد في هذا الاجتماع تقريراً عن إدارة الأزمة.

وقالت بلاسخارت، التي تحل الأربعاء ضيفة على البرلمان العراقي، إن السيستاني الذي لا يتحدث أبداً للعلن، "يشعر بقلق لرؤية القوى السياسية غير جادة بما يكفي لتنفيذ إصلاحات مماثلة".

وتحاول القوات الأمنية مجدداً سد كل الطرقات المؤدية إلى التحرير بالكتل الإسمنتية، بعدما أقدم المتظاهرون على إسقاطها أول مرة.

وخلف تلك الكتل، تتمركز قوات مكافحة الشغب التي تواصل إطلاق الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، وقال المتظاهر علي كاظم "نحن متفائلون بالأمم المتحدة وزيارتها للسيستاني".

وأضاف الشاب الذي يلف علم العراق حول عنقه "نحن نريدهم أن يتدخلوا، الشعب مات (من المعاناة) وجاع، فعلوا بنا كل شيء"، في إشارة إلى الطبقة السياسية.

ورفع متظاهرون لافتات كتب على إحداها "بلدنا أعز مني ومن ابني الوحيد"، خصوصاً وأن السواد الأعظم من المتظاهرين هم ممن دون الخامسة والعشرين من العمر.

واتفقت الأحزاب العراقية بعد اجتماعات أشرف عليها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني على تجفيف الشارع وإنهاء الاحتجاجات، وبقاء حكومة عادل عبد المهدي في السلطة.

لكن الأمم المتحدة تواصل التوسط بين الأطراف العراقية، وطالبت بإطلاق سراح كل المتظاهرين المعتقلين وإلقاء الضوء على عمليات الخطف التي تستهدف ناشطين وأطباء يعتقد المدافعون عن حقوق الانسان أن مجموعات مسلحة تقف وراءها.

كما طالبت بإجراء استفتاء حول إصلاح دستوري خلال ثلاثة أشهر، وإعادة النظر في القانون الانتخابي خلال أسبوعين، واتخاذ إجراءات إضافية لمكافحة الفساد.

ومساء الثلاثاء، كتب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على تويتر إنه تحدث عبر الهاتف مع عبد المهدي "ليطلب منه حماية المتظاهرين والاستجابة لمطالبهم المشروعة".

وحث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الثلاثاء، رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي على "الاستجابة" لمطالب المتظاهرين.

جاء ذلك في مكالمة هاتفية بين الجانبين، وفق بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، اطلعت عليه الأناضول.

وأبلغ بومبيو عبد المهدي بأن "المظاهرات السلمية هي عنصر أساسي في جميع الديمقراطيات".

واستنكر سقوط "قتلى بين المتظاهرين نتيجة القمع من جانب الحكومة العراقية واستخدام القوة المميتة بحقهم، فضلا عن التقارير التي تتحدث عن اختطاف المتظاهرين"، وفق البيان.

وحث وزير الخارجية الأميركي، رئيس الحكومة العراقية على "اتخاذ خطوات فورية لمعالجة المظالم المشروعة للمتظاهرين من خلال سن الإصلاحات ومعالجة الفساد".

وأكد بومبيو من جديد "التزام الولايات المتحدة الدائم بدعم عراق قوي وذو سيادة ومزدهر بناءً على اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين"، كما تعهد بـ"بومبيو بمواصلة دعم قوات الأمن العراقية في محاربة داعش".

وكان البيت الأبيض قد دعا في بيان الثلاثاء إلى إجراء انتخابات مبكرة في العراق لنزع فتيل أزمة الاحتجاجات.

ويشهد العراق، منذ مطلع أكتوبر الماضي، احتجاجات شعبية في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، تطالب برحيل حكومة عادل عبد المهدي، التي تتولى السلطة منذ أكثر من عام.

والغالبية العظمى من الضحايا هم من المحتجين، وسقط الضحايا خلال مواجهات بين المتظاهرين من جهة وقوات الأمن ومسلحي فصائل شيعية مقربة من إيران من جهة ثانية.

ويشكل الشباب 60 في المئة من عدد سكان العراق البالغ 40 مليون نسمة. وتصل نسبة البطالة بينهم إلى 25 في المئة، بحسب البنك الدولي.

وكانت البطالة من أهم دوافع الاحتجاجات التي انطلقت في الأول من أكتوبر، وأسفرت حتى اليوم عن مقتل 319 شخصاً على الأقل، بحسب أرقام رسمية.

ويرفض عادل عبد المهدي الاستقالة، ويشترط أن تتوافق القوى السياسية أولًا على بديل له، محذرًا من أن عدم وجود بديل "سلس وسريع" سيترك مصير العراق للمجهول.