سياسة النظام تقود الأتراك إلى الفقر

الحكومة التي تبتعد كل يوم عن القانون والعدالة والمساواة، وتعتبر الحرية تهديدا لنفسها، تنقل جميع موارد القطاع العام إلى الدائرة الضيقة القريبة منها.
السبت 2020/01/25
الشباب المحروم من التعليم والعمل آليات تساعد على بقاء نظام أردغان

يواجه الاقتصاد التركي أزمة كبيرة وإن أنكرتها السلطة السياسية الحاكمة. ولكي نؤكد صحة تلك الأطروحة يكفي أن نلقي نظرة سريعة على معطيات معهد الإحصاء التركي الخاصة بأوضاع القوة العاملة في البلاد.

تكشف الأرقام الرسمية ارتفاع معدلات البطالة في تركيا، وأن آلاف العاطلين عن العمل ينضمّون إلى جيش العاطلين كل شهر. في حين أن عدد الأشخاص الذين فقدوا الأمل في الحصول على وظيفة وتوقفوا عن البحث يصل إلى مليون. أما العمال الحاليون الذين يخافون من فقدان أعمالهم، والطلاب الجامعيون الذين يخشون من عدم الحصول على وظائف بعد تخرجهم فيزداد عددهم يوما بعد يوم. أضف إلى ذلك أن أفراد العوائل تزداد مديونياتهم بحيث يواجهون خطر فقدان كل ما يملكون إذا فقدوا أعمالهم الحالية. بمعنى أن الجميع باتوا مهددين بالفقر في المستقبل.

لم يعد معهد الإحصاء التركي قادرا على إخفاء خطورة الوضع. ومع أن عدد العاطلين عن العمل، بمعناه الضيق، ارتفع إلى 4 ملايين و396 ألفا، لكن وفقا لتقرير مركز أبحاث اتحاد نقابات العمال الثوريين فإن أرقام البطالة، بمعناها الواسع، تتجاوز 7 ملايين. وإن استثنينا العاملين في مجال الزراعة فإن البطالة ارتفعت من 13.6 في المئة إلى 15.7 في المئة، الأمر الذي يظهر أن الفقر في المدن والمحافظات في ازدياد.

وعلى الرغم من أن تركيا تتفاخر بأن ترتيبها في مجال مقايضة الائتمان الافتراضي تراجع إلى 267، متغاضية عن أنها خرجت من خانة الدول الهشة لتدخل ضمن مجموعة الدول التي تضم مصر ورواندا وكينيا، إلا أن الواقع هو أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها منذ ثلاث سنوات تحولت بالفعل إلى أزمة اجتماعية خطيرة.

سبب هذه الأزمة الاقتصادية هو النظام الوراثي الذي تمّ إنشاؤه خطوة بخطوة منذ عام 2015. فالحكومة التي تبتعد كل يوم عن القانون والعدالة والمساواة، وتعتبر الحرية تهديدا لنفسها، وترفض الخضوع للشفافية والمساءلة، تنقل جميع موارد القطاع العام إلى الدائرة الضيقة القريبة منها بشكل مباشر أو غير مباشر، وتضع التكاليف الباهظة للأزمة على ظهر الجماهير.

تشهد تركيا إغلاق العشرات من الشركات كل شهر. وكذلك مئات الأشخاص الذين يعدون أنفسهم محظوظين لأن لديهم منزلا ووظيفة ودخلا يكفي لهم حتى نهاية الشهر يصبحون أعضاء جددا في جيش العاطلين عن العمل في كل شهر. فقد تعرض 564 ألف شخص للفصل من عملهم في العام الماضي، وأصبح 209 آلاف شخص عاطلين عن العمل بسبب إغلاق أماكن عملهم.

قطاع الصناعة هو الذي يشهد أكبر تراجع في الإنتاج وعدد العمال. في الفترة بين عامي 2010 و2016، انخفض معدل الأجور في قطاع الصناعة من 43.6 في المئة إلى 35.6 في المئة. كما أن القطاع، خاصة قطاع البناء، توجه نحو توظيف مؤقت وغير مضمون.

وفي الوقت نفسه، فإنّ فترة البطالة أصبحت طويلة أكثر من السابق. فبسبب نموذج النمو القائم على قطاع البناء لحكومة حزب العدالة والتنمية، يتزايد عدد الأشخاص الذين يعملون بأجور متقلبة ومنخفضة للغاية. وفقا لبيانات معهد الإحصاء التركي يعمل 1 مليون و631 ألف شخص في وظائف مؤقتة وغير مضمونة.

الشباب والنساء حظهم أسوأ من الفئات الأخرى. ذلك أن ثلث الشباب ونصف النساء عاطلون عن العمل.

عدد الأشخاص القادرين على العمل لكنهم توقفوا عن البحث عن وظيفة يتجاوز الآن مليوني شخص. تراجع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 53 في المئة في العام الماضي بنسبة انخفاض بلغت 0.7 نقطة يدل على أن الناس فقدوا الأمل في العثور على وظيفة. وقد تزايد عدد الأشخاص الذين ليس لديهم أمل في العثور على وظيفة بنسبة 38 في المئة ليرتفع إلى 668 ألفا. وهذا هو الأسوأ.

فترة البطالة الطويلة لا تؤدي إلى تدمير شجاعة الناس على الأمل فحسب، بل تؤدي أيضا إلى فقدان الوظائف والمهارات. ففي العام الماضي اختفت 537 ألف فرصة عمل، وانخفض معدل العمالة إلى 45.9 في المئة بنسبة انخفاض وصلت إلى 1.6 نقطة مئوية سنويا.

والأسوأ من ذلك أن معيار توظيف نظام أردوغان الذي يستبعد الجدارة ويعطي الأولوية للموالاة بدلا من المعرفة والمهارات والتعليم، لا يترك الشباب يائسين فحسب، بل يخفض أيضا من قيمة التعليم ويدمر مستقبل المجتمع. وهذا الوضع ينعكس اليوم في الإحصائيات كمجرد رقم في عدد الطلبة الجامعيين العاطلين فقط، ولكن الخسارة الحقيقية أكبر من ذلك، حيث إن انخفاض قيمة التعليم خطر يهدد مستقبل المجتمع.

ومع أن السلطات لا تقف عند انخفاض قيمة التعليم  كثيرا ولا تولي أهمية تذكر لها، ولكن إذا نظرنا إليها مع وضع واقع هجرة الأدمغة في الاعتبار، لرأينا أنها قضية خطيرة تفصل تركيا عن بقية العالم، ولا تترك لأطفالنا أي خيار سوى الاضطرار إلى وظائف غير مضمونة أو اللجوء إلى دول توفّر عيشا كريما.

السلطة السياسية لا تكتفي بخفض قيمة التعليم، بل تجعل ذلك وسيلة لإضفاء نوع من البقاء والأبدية على نظام الحكم في البلاد، استنادا إلى سياسة تختزل التعليم في التعليم الديني وتبعد التعليم العلماني، وتقطع العلاقة بين التعليم والعمل. لقد أقدمت السلطة على توسيع نطاق مسؤولية مؤسسة الشؤون الدينية في التعليم على نحو يشمل الفترة ما قبل المدرسة الابتدائية. لكن الغالبية الفقيرة التي لا تستطيع إرسال أبنائها إلى المدارس الخاصة هي التي تدفع الثمن الباهظ للاستغلال السياسي لكل من الدين والتعليم والفقر.

يقول الكاتب والأكاديمي كمال جان “لقد كلفت الحشود الفقيرة في تركيا بدعم القائد الذي يتحدى نخب العالم، والتفاخر بإنجازاته، والاهتمام بالأعداء الذين يحددهم هو، ومن ثم التأمل والتوقع بأن يتحقق كل ما يريدونه بالاعتماد على ذلك القائد فقط. كما لم يبق اليوم شيء يمكن انتزاعه من النخب ‘مصاصي الدماء’ وتوزيعه على الفقراء، كذلك استمرت عجلة وعملية نقل الموارد إلى النخب القديمة والجديدة على حدّ سواء وبصورة صارخة. فضلا عن ذلك، دع عنك نقل الأموال من هؤلاء النخب إلى الفقراء فإنه حتى حصول هؤلاء الفقراء على دين من الأغنياء أصبح اليوم من قبيل المستحيل.

وإزاء هذا المشهد الذي أفرزته الأزمة الاقتصادية فإن الخطاب الموجه إلى ‘غير الراضين’ تغير بسرعة كبيرة. إذ بدأ القائد يتحدث عن ‘الناكرين للجميل’ الذين يعجزون عن إدراك حساب الرصاصات التي يطلقها الجنود، حراس الوطن، في سبيل بقاء تركيا وحكومتها بالتالي، ويقول في كبر وغطرسة: وجودكم وبقاؤكم مرتبطان بوجودي وبقائي”.

ذلك الكبر وتلك الغطرسة وصلا إلى درجة جعلت تركيا تقفز إلى الصدارة في امتلاك السيارات الرسمية، ويتجاوز أسطول طائرات أردوغان أسطول بلدان مثل ألمانيا وفرنسا.

نتيجة هذه السياسة واضحة وظاهرة أمامنا. كل بيان جديد يكشف ارتفاع عدد المحرومين من التعليم والتوظيف ووصول نسبتهم إلى معدل رهيب قدره 26 في المئة. باختصار، فإن هذه السياسات جعلت المجتمع محكوما عليه بالفقر.

لسوء الحظ، فإن النظام الجديد، الذي تتمثل أولوياته في إنشاء آليات لنقل الموارد لحماية سلطته والمحافظة عليها، لا يهتم بهذا ولا يشعر بالقلق منه، بل إنه مسرور بذلك، إلى درجة أنه ينصح بالزواج المبكر وإنجاب ثلاثة أو خمسة أطفال للشباب المحرومين من التعليم والتوظيف على حد سواء. ذلك لأنه ينظر إلى الشباب المحرومين من التعليم والعمل على أنهم آليات تساعد على بقاء نظامه الوراثي وتدير عجلات نظامه الاقتصادي القائم على الريع.

9