سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: تذبذب وغموض

زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى البيت الأبيض تعكس حالة من عدم اليقين بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.
الاثنين 2018/03/12
ترامب ليس وسيطا محايدا

واشنطن  - توماس سايبرت - عكست زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى البيت الأبيض حالة من عدم اليقين بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، حيث كشفت عن فجوة متزايدة بين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسمية كوسيط سلام محتمل وخطوات عملية تتعارض مع هدف خطة السلام التي روج لها في الآونة الأخيرة.

والتقى ترامب مع نتنياهو بعد أسابيع فقط من إعلانه نقل مقر السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في 14 مايو، وهي الذكرى السبعون لتأسيس دولة إسرائيل.

وفي الوقت الذي قرر فيه ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل الذي شكل صدمة للرأي العام العربي والدولي ونتج عن ذلك تزايد مشاعر الغضب والإحباط لدى الشعب الفلسطيني تجاه واشنطن، أقر ترامب بأن هذا الإعلان من شأنه أن يزيد من فرص التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين.

خطة السلام

ألمح ترامب في بداية اللقاء إلى إمكانية عودة السلطة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات، وقال “الفلسطينيون يريدون حسب رأيي العودة إلى طاولة المفاوضات”، مستدركا بقوله “إذا لم يأتوا، لن يكون سلام وهذا أمر ممكن”.

واعتبر الرئيس الأميركي، أنه في حال تم تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهذا “سيكون شيئا كبيرا للعالم، ولهذا نحن نحاول”.

 لكن لم يفسر ترامب لماذا على الفلسطينيين أن يوافقوا على إجراء مفاوضات بعدما حققت الولايات المتحدة رغبة جامحة ورئيسية للإسرائيليين وهي الاعتراف بالقدس عاصمة لهم، قبل حتى أن تبدأ المفاوضات. كما لم يوضح أيضا ما إذا كان سيسافر إلى إسرائيل لافتتاح السفارة في مايو القادم.

وبدا موقف ترامب غامضا بشأن تفسيره لحيثيات خطة السلام التي وعدت بها إدارته في الشرق الأوسط. وقال أن فريقه، بقيادة صهره غاريد كوشنر، يعمل على الخطة التي توفر فرصة جيدة لتحقيقها، لكنه لم يقدم أي تفاصيل عن ميعاد إعلان هذه الخطة.

وعقب انتهاء الاجتماع في البيت الأبيض، علق نتنياهو على تصريحات ترامب بشأن إمكانية عدم وجود خطة للسلام، وقال “أنت لا يمكنك أن تجري مفاوضات للسلام من دون الفلسطينيين”، معتبرا أن “الوضع المرغوب فيه هو أن يرغب الفلسطينيون في حل النزاع.. فهم يهربون من المفاوضات بكل وسيلة”، وفق زعمه.

 

كشفت التصريحات المتناقضة للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب عن خلافات داخل فريقه الحكومي وعن استراتيجية غير واضحة في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط وخاصة مع حلفائها بالمنطقة. ورغم إعلان ترامب عن خطة للسلام لصالح حليفتها إسرائيل إلا أن لقاءه الأخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألمح فيه إلى إمكانية عودة الفلسطينيين إلى التفاوض دون توضيح لمآل هذه الخطة، ما كشف عن فجوة بين الحليفين، إضافة إلى تذبذب موقفها من دور قطر التخريبي بالخليج ومساعي الأخيرة للبحث عن دعم إقليمي دون الاكتراث لمصالح دول الخليج، لذلك تبدو وجهة الإدارة الأميركية في التعامل مع ملفات المنطقة غير واضحة.

ويشير مراقبون إلى أن الآراء اختلفت بين الجانبين حول الخطة الأميركية للسلام، وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية أحمد رفيق عوض في تصريحات صحافية إن “الولايات المتحدة لا تريد أن تضع خطة للسلام، مع رئيس وزراء تحيطه ملفات فساد داخل إسرائيل، ربما تطيح به”.

ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا بعنوان “زيارة نتنياهو قد تكون الأخيرة للولايات المتحدة في منصب رئيس الوزراء”.

ويقول ديفيد هلفنجر، كاتب المقال، إن “زيارة نتنياهو إلى العواصم السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة، يمكن أن تكون الأخيرة له كرئيس للوزراء، فقد أوصت الشرطة بتقديم لائحة اتهام بالرشوة ضده، واصطف المقربون السابقون منه للشهادة ضده هو وزوجته”.

وبشأن القلق الأميركي من الدور الإيراني التخريبي بالمنطقة والعالم فقد أعرب نتنياهو لترامب خلال الاجتماع عن رغبة إسرائيل في مغادرة الولايات المتحدة الاتفاق النووي التي أبرمته الدول الكبرى مع طهران صيف 2015. وأشار الرئيس الأميركي، الذي سيتعين عليه اتخاذ القرار في مايو المقابل، إلى أنه مازال مترددا بين تعديل الاتفاق أو تفكيكه بصفة نهائية.

من جانبه، دعم نتنياهو في حواره مع الرئيس الأميركي حليفه التاريخي واتخذ موقفا متشددا ضد طهران واستخدم خطابا تصعيديا في مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية في واشنطن الذي عُقد بعد يوم من لقائه مع ترامب، محذرا ما وصفه “بالتهديد المتزايد للتوسع الإيراني في الشرق الأوسط”.

وأوضح نتنياهو قائلا “الظلام يخيم على منطقتنا. إيران تبني إمبراطورية عدوانية”.

وخلال اجتماع البيت الأبيض، أشاد ترامب ونتنياهو بجهودهما كحلفاء. وقال ترامب “العلاقة بيننا لم تكن أبدا أفضل من ذلك”، مضيفا أنه يرى أن استضافة نتنياهو “شرف عظيم”.

مواجهة إيران

من أجل مواجهة إيران، تريد الولايات المتحدة من إسرائيل إقامة تحالف مع القوى السنية في الشرق الأوسط. لكن الأزمة القائمة في الخليج بسبب رفض السعودية والإمارات والبحرين إضافة إلى مصر تورط قطر في دعم الإرهاب وتوجهاتها التي لا تأبه للأمن القومي لدول الخليج، لذلك من شأن تعنت قطر ورفضها عن التخلي عن الدور التخريبي أن يحبط الجهود الرامية إلى توحيد المعسكر السني.

وقد وفد مؤخرا مبعوثان أميركيان إلى الدوحة للمساعدة في التغلب على الخلاف لكن لم ترد أي أنباء عما إذا كانا قد حققا أي تقدم يذكر بخصوص هذا الملف.

لا تعتبر واشنطن وسيطا نزيها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل تعتبر قوة متحالفة مع جانب واحد على حساب الطرف الآخر

وفي الوقت الذي اعتبرت الولايات المتحدة قطر شريكا مهما وأعلنت الموافقة على استثمار ما تبلغ قيمته حوالي 200 مليون دولار لتحديث القاعدة العسكرية بالدوحة فإن الفجوة بين دول الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة قد تتسع بسبب رؤية أميركية غير واضحة في تعاملها مع الحلفاء من جهة ولأن الدوحة ستبحث دائما عن مصالحها الخاصة، وستقوم بتحويل رهاناتها مع الأصدقاء خارج دول مجلس التعاون الخليجي

وبحسب تصريحات وكالة التعاون الأمني ​​الدفاعي، وهي ذراع وزارة الدفاع الأميركية فإن “هذا الاستثمار المقترح سيسهم في تعزيز السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة على تحسين أمن دولة صديقة كانت، ولا تزال، تشكل قوة مهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في منطقة الخليج العربي”.

 لكن متابعين يشيرون إلى أن البيت الأبيض بات يفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي وفي حالة تذبذب واضح بسبب مواقف متناقضة من ملفات خطيرة. وفسر هؤلاء حالة التذبذب بسبب حركة الاستقالات الكبيرة للمستشارين في فريق ترامب، الأمر الذي يجعل عملية إنشاء استراتيجيات طويلة الأمد أصعب.

وكانت استقالة كبير المستشارين الاقتصاديين في حكومة ترامب، غاري كوهن، هي الأحدث في سلسلة من استقالات مسؤولي الإدارة الأميركية التي تركتها تكافح من أجل وضع خطط سياسية متماسكة.

وقال أوري نير، الناطق باسم منظمة “أميريكانز فور بيس ناو”، وهي منظمة في واشنطن تعمل لمناصرة التوصل إلى تسوية سلمية بين إسرائيل وفلسطين “من الواضح أن هذه الإدارة لا تعرف وجهتها. يبدو أن خطة ترامب للسلام لن تشمل على الأرجح أي شيء يمكن أن يأتي في صالح الفلسطينيين”.

 وبسبب دعمها الواضح لإسرائيل لا تعتبر الولايات المتحدة وسيطا نزيها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل تعتبر قوة متحالفة مع جانب واحد على حساب الآخر.

وفي الوقت الذي دعم فيه ترامب نتنياهو قرار قطع المساعدات عن الفلسطينيين وأشاد بعلاقة بلاده مع تل أبيب وخاصة العسكرية، لأنه “لم يسبق لها أن كانت أفضل”، وفق تعبيره علقت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل لزيارة نتنياهو بأن “آمال ترامب في أن يصبح رجلا محايدا قد ولت منذ فترة طويلة”.

7