سياسة بايدن في الشرق الأوسط ستأتي مختلفة عن أوباما

نشر الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان عناوين فضفاضة في الحملات الانتخابية الأميركية لم تعد تنطلي على أحد.
الأربعاء 2020/10/21
المنطقة تحتاج إلى نظرة مختلفة

ليس من السابق لأوانه التفكير في ما سيعنيه انتصار المرشح الديمقراطي جو بايدن للشرق الأوسط خلال الانتخابات الأميركية المقررة بعد أقل من أسبوعين من الآن، خاصة وأن هناك الكثير للبناء عليه من أجل معرفة سياسته الخارجية تجاه المنطقة، والتي ستركز على تقوية السمعة الدولية للولايات المتحدة وإعادة بناء تحالفات توترت في عهد الرئيس دونالد ترامب، ولكن على الأرجح ستكون دبلوماسيته مختلفة حتى عن الرئيس الأسبق باراك أوباما، وذلك بالنظر إلى تغيير المزاج العام بالمنطقة العربية في ظل عدة شواهد أثبتت فشل تجربة تيار الإسلام السياسي، والتي تسببت في “فوضى خلاقة” زعزعت الاستقرار.

القاهرة- يستقي هذا التحليل مضمونه الرئيسي من احتمال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن على منافسه الجمهوري الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، حيث تعرضت الكثير من الكتابات إلى المقارنة بين موقفيهما من قضايا منطقة الشرق الأوسط، وانصبت أخرى على أحاديث تؤكد أن بايدن عاقد العزم على إعادة إنتاج توجهات وسياسات الرئيس السابق باراك أوباما.

ويعتمد الاستنتاج الثاني على معطيات مفادها أن المرشح الديمقراطي عمل نائبا لأوباما لمدة ثمانية أعوام، وكان قريبا منه طوال هذه الفترة، ويعلم جيدا ما هي السياسات والاستراتيجيات التي يجب أن تتبع الولايات المتحدة حتى تحافظ على مصالحها.

ويوحي الدعم الذي يقدمه أوباما في الوقت الحالي لبايدن في حملته الانتخابية بأنه سوف يسير على درب الرئيس السابق في التصورات الداخلية والخارجية، وهو ما جعل بعض القوى، وخاصة الإسلاموية، والتي استفادت كثيرا من توجهات الإدارة الأميركية في عهد أوباما، تتفاءل بأن ربيعا عربيا ثانيا على وشك البزوغ الفترة المقبلة.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تأرجح كفتي كل من ترامب وبايدن في السباق إلى البيت الأبيض، وتبدو حظوظ المرشح الديمقراطي كبيرة، كما أن تصريحات المرشح الجمهوري الطامح إلى ولاية ثانية، تقول إنه لن يستسلم بسهولة للهزيمة حال حدوثها، بما يعني أن نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة قد تدخل معركة قانونية طويلة، وربما تطرأ ارتباكات متعددة على السياسة الخارجية.

وإحدى مهام التحليل السياسي الاستشراف والتعامل مع المعطيات وما يرشح من معلومات لرسم صورة للمستقبل، حيث زادت الأمنيات لدى التيار الإسلامي، وتنتظر قياداته وقواعده اللحظة التي يتم فيها ري ظمأهم والإعلان عن فوز جون بايدن، أملا في إعادة الكرة مرة أخرى التي بدأها أوباما، وكادت تحقق نجاحا حاسما.

تطورات مؤثرة

الدعم الذي يقدمه أوباما لبايدن في حملته الانتخابية يوحي بأنه سوف يسير على درب الرئيس السابق في التصورات الداخلية والخارجية
الدعم الذي يقدمه أوباما لبايدن في حملته الانتخابية يوحي بأنه سوف يسير على درب الرئيس السابق في التصورات الداخلية والخارجية

مرت السنوات الأربع الماضية ثقيلة على تيار الإسلام السياسي في المنطقة العربية، فقد تعرض إلى المزيد من التقويض والاستهداف، وخفتت أصوات مناصريه في دول عدة، عكس السابق، ووضعت الجماعة الأم، الإخوان المسلمين، على لوائح الإرهاب في دول عديدة.

واللافت في هذا التوقيت بالذات هو إصدار ترامب قرارا مطلع أكتوبر الجاري برفع السرية عن رسائل البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، والتي كشفت عن بعض الأسرار عن مخطط كبير كانت تقوده إدارة أوباما لدعم جماعة الإخوان كرأس حربة في إعادة ترتيب المنطقة.

وتسعى الجماعة وحلفاؤها إلى استهلاك الفترة القليلة المقبلة انتظارا لفوز بايدن، باعتباره الحصان الذي سوف تمتطيه القوى الإسلاموية ويعيد إليها البريق السياسي في الدول التي انطفأ فيها، دون إدراك أن أربعة أعوام كافية لإحداث تغييرات في العالم بأكمله وليس في الولايات المتحدة، وتشي بصعوبة نزول الشخص للنهر مرتين.

ويراعي واضعو السياسات في البيت الأبيض التحولات التي جرت في العالم، ولن يتغافلوا عن التطورات والتداعيات التي حدثت في المنطقة العربية، وليس بإمكانهم تبني إجراءات ثبت اختبارها وفشلت.

أميركا

كما أن الجهات المستهدفة خبرت الكثير من الحيل، ولن تنطلي عليها إعادة تجارب سابقة ولو تبدل الأشخاص، ناهيك عن التدهور الذي أصاب الأدوات التنفيذية التي اعتمدت عليها إدارة باراك أوباما.

وإذا حالف الحظ بايدن وانتخب رئيسا للولايات المتحدة في الاقتراع المقرر في الثالث من نوفمبر المقبل فسيجد نفسه أمام عالم جديد يموج بتفاعلات بعيدة عن تلك التي خبرها وهو بجانب أوباما متشربا بكثير من قناعاته وأفكاره، فالسنوات التي قضاها ترامب قصيرة في عرف الأمم والشعوب وطويلة في ما حملته من معان ومضامين سياسية كفيلة بأن ترخي بظلالها على تصرفات المرشح الديمقراطي.

ومن المؤكد أن بايدن ومستشاريه يعلمون هذه المسألة جيدا، وعندما اقتربوا من قضايا الشرق الأوسط خلال الحملات الانتخابية لم تكن غالبية تعليقاتهم خيالية حالمة تماما، حيث استخدمت سرديات وعبارات مطاطة، أعادت في جزء منها تكرار بعض العناوين العريضة بخصوص الحريات وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية.

وكل تلك ملفات لم تغب عن إدارة ترامب، غير أنها لا تمثل أولوية واضحة طالما تتعارض مع قضايا تتعلق بمصالح حيوية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رأت فيها واشنطن أن تصديرها غير مجد، ويمكن أن يؤدي لخسارة حلفائها.

ثوابت وتغيرات

أميركا

تحمل تلك الملفات جانبا مهمّا في صميم القيم الأخلاقية المعلنة، التي تأسست عليها الولايات المتحدة، وتتولاها وترعاها مؤسسات ليست حكرا على إدارة جمهورية أو ديمقراطية، وقد يتصاعد مستوى التركيز عليها أو ينخفض، لكنه في النهاية جزء من منظومة متكاملة في صميم الثوابت الأميركية، ومن الممكن تسخيرها لتحقيق أهداف سياسية معينة.

ويتجاهل الحالمون بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات في النهاية، يتم فيها رسم السياسات الاستراتيجية على مستوى عال من الدقة.

ويلعب الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وجماعات الضغط، أدوارا في صناعة القرار، علاوة على نسبة التأثير التي يملكها الرئيس، وهي في المحصلة عوامل تسهم في تحديد خطواته، بصرف النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه.

وفي حال أصبح بايدن الساكن الجديد للبيت الأبيض ويدخل وهو في ذهنه تحقيق مصالح الولايات المتحدة أولا، وليس العمل على تمكين الإخوان، والتبشير بالديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، أو الانتقام من بعض الأنظمة العربية، التي خذلت أوباما، فكل هذه القضايا تتخذ ذريعة للوصول إلى الغرض الأسمى الذي تراه الجهات المؤثرة في صناعة القرار، وهو الحفاظ على الأمن القومي الأميركي.

ويتغير الرؤساء والإدارات، وتتبدل السياسات، ويظل الهدف واحدا، وما يتغير هو الأدوات، وربما يكون ترامب في نظر البعض رئيسا متغطرسا وله توجهات غريبة، لكن لا أحد يستطيع التشكيك في نزاهته، لأنه إذا ثبت ذلك تتم محاكمته على الفور، الأمر نفسه سيقوم به بايدن، فالعبرة تكمن في حجم الأضرار المتعمدة، ولم يكن ترامب ذكيا عندما ألغى الاتفاق النووي مع إيران، أو كان أوباما غبيا عندما وقع عليه.

ولجأ أوباما إلى دعم ما يسمى بـ”الربيع العربي”، وسعى إلى تعزيز مكانة الإخوان في السلطة، لأن ذلك يتوافق في التقدير العام للدولة ويحقق مصالحها، كما أن اللجوء إلى توظيف جماعات متطرفة في أنحاء مختلفة كان لهذا الغرض، والآن تغيرت معطيات كثيرة لن يكون من المفيد التعامل معها بنفس المنهج.

وكل الخطوات التي يتخذها أي رئيس وتبدو كأنها تسير في اتجاه عكسي، مثل احتلال العراق والانسحاب منه، والتدخل في أفغانستان وتوقيع اتفاق سلام مع طالبان، تحقق من وجهة نظر متخذي القرار مصلحة أميركية صرفة، ولا تكشف عن تناقض أو تبني الرئيس الجديد سياسة مناهضة لسلفه.

أميركا

وما يشير إلى أن سياسة بايدن لن تصبح منسجمة مع توجهات أوباما السابقة، أن هناك مجموعة من المحددات سوف تلعب دورا مهمّا في هذا التغيير، أبرزها أن الشرق الأوسط، الذي جرى التعامل معه في عهد أوباما ليس هو الحالي، في القابلية للخداع أو الانسياق وراء شعارات براقة تدغدغ مشاعر الشعوب، واللعب على عواطف الشباب.

وقد نجم التدمير الحاصل في المنطقة في حيز كبير منه عن تصورات الإدارة التي قادها أوباما، وأي ترديد للشعارات إياها من قبل بايدن وإدارته لن يكون محل ثقة.وسيدخل المرشح الديمقراطي إذا كتب له النجاح في تصويت الأميركيين على منصب الرئيس، مقر الحكم في واشنطن وهو محمل بميراث سلبي ثقيل لن يمكنه من تكرار نماذج سابقة حرفيا، فقد استفادت الدول من تجارب السنوات الماضية، والكثير منها اكتسبت خبرات تساعدها على التصدي لأي محاولة لتعويم الإخوان مثلا.

وربما يكون التصاق بايدن بهذا المشروع من أسباب فشله في المنطقة، وبعد سلسلة الفضائح التي كشفها بريد هيلاري كلينتون والممارسات التي يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيتم التعامل مع أي رؤية في هذا الاتجاه بمزيد من الحذر، ما يعزز القناعات بأن سياسات بايدن سوف تأتي مختلفة عن أوباما.

7