سياسة تركية ملتوية في العالم العربي وشرق المتوسط

الترويج إعلاميا لضرورة حماية مليون ليبي من أصول عثمانية، ما يحمل معه بذور صراع عرقي جديد لم يعرفه قط المجتمع الليبي في تاريخه.
السبت 2020/01/11
تحالفات مغلفة بالمصالح

تحولت السياسة التركية من قاعدة تصفير المشكلات إلى صفر هدوء واحتقان دائم في العديد من القضايا والأوضاع في دول المنطقة، ويطرح كل هذا تساؤلات عديدة حول الخلفيات والأهداف التي تنتهجها أنقرة مع كل من يفترض أن يكونوا حلفاءها الأصليين، ومع من هم في فرضية أعدائها أو خصومها التاريخيين خاصة في ظل انتهاجها سياسة تقوم على المصالح المغلفة بالعمق الأيديولوجي الحالم بإعادة أمجاد الدولة العثمانية.

باريس - تمر تركيا اليوم بتحولات سياسية وتقلبات متناقضة مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي يجمعها بها حلف شمال الأطلسي، مقارنة بمحاولات التنسيق مع الجانب الروسي والإيراني في نفس الوقت.

وتعددت ساحات بؤر التوتر التركي مع معظم دول الجوار الجغرافي العربي لتشمل العراق وسوريا ومصر بمحاولة إحياء النزعة العثمانية في العالم العربي أملا في استعادة دور قديم مفقود، أو تحقيق أطماع وزخم أيديولوجي موعود. وهي الآن بصدد التمهيد لتدخل عسكري في ليبيا بعد اتفاقيتها الأخيرة، مستفيدة من الاعتراف الدولي بحكومة فايز السراج.

هنا يطرح التساؤل الحقيقي عن سعي تركيا لامتلاك قواعد عسكرية في كل من قطر، ومقديشو في الصومال، وفي قبرص التركية غير المعترف بها دوليا باستعداء نيقوسيا واليونان، ومحاولة إقامة قاعدة بحرية في جزيرة سواكن السودانية قبل سقوط نظام حسن البشير، وهو وضع لا يترجم فقط نية من يريد تصعيد الحرب بين الفرقاء الليبيين بتوجهه المباشر إلى الانخراط عسكرياً في الأزمة الليبية، بل يهدف إلى جعل البوابة الليبية منفذا لتوسيع نفوذ تركيا في عمق العالم العربي وشرق المتوسط، بالرغم من كونها بعيدة عن ليبيا جغرافيا ولا علاقة لها بها أمنيا.

التدخل في الجوار

أمام التصعيد المتزايد، تقدم كل تطورات السياسة الخارجية التركية في تعاملها مع جوارها شواهد كافية على أن هذه السياسة تحاول الاستفادة من إشعال الشرق الأوسط عبر صب الزيت على النار، وأيا كان الهدف النهائي لتركيا في العراق وسوريا وليبيا وشرق المتوسط، إشعال حرب شاملة، أو تأجيج التوتر، وتأزيم الموقف بحثا عن صفقات مشبوهة في بلدان تعاني أصلا من حالات الاحتقان السياسي والديني، فإن تداعيات وعواقب ما تقوم به تصب في خلخلة التوازنات الإقليمية الراهنة وخلط الأوراق.

كل هذا يعني خلق حالة اضطراب مستمرة، وربما فوضى غير محدودة النطاق، حيث اتضح بالملموس هذا النهج العدائي في احتلال المنطقة من جرابلس إلى عفرين فإدلب والهجوم على شمال شرق الفرات، ما يُذكر في الحقيقة بأطماع تاريخية مكرسة في حدود خارطة الميثاق الملي التركي لعام 1920، والخاص باستعادة شمال سوريا تحت ستار مكافحة القوى الكردية اليوم. كما ظهرت هذه السياسة العدائية في قيام الجيش التركي في أواخر مايو 2019 بعملية عسكرية في شمال العراق، حيث توغلت القوات التركية أكثر من 25 كلم، شملت جبال قنديل وصولا إلى حدود منطقة سنجار.

وإذا كانت التدخلات التركية قائمة في شمال العراق بين الفينة والأخرى، ثم لا تلبث أن تعود أدراجها بانتهاء مهمتها بعد متابعة فلول حزب العمال الكردستاني، فإن التدخل الأخير يعد عنوانا جديدا لتثبيت تواجد دائم عبر الإعلان عن إقامة ثلاث قواعد عسكرية جديدة ليصل المجموع إلى 15 قاعدة عسكرية بعضها يقع في إقليم كردستان العراق، وقد أطلقت عليها تسمية “المخلب 1” و“المخلب 2”، ما يعني أن أهداف العملية العسكرية بحسب وزير الدفاع خلوصي آقار تتجه إلى ترسيخ حضور قار، وكاستمرار للتواجد التركي في العراق بخاصة في منطقة بعشيقة التي تبعد 150 كلم عن الحدود التركية.

عرقلة مسار التعاون

النهج العدائي التركي في الكثير من القضايا يذكر بأطماع تاريخية مكرسة في حدود خارطة الميثاق الملي التركي لعام 1920
النهج العدائي التركي في الكثير من القضايا يذكر بأطماع تاريخية مكرسة في حدود خارطة الميثاق الملي التركي لعام 1920

هذه السياسة العسكرية التركية المتزامنة على الحدود السورية والعراقية، ليس لها ما يفسرها إلا تكريس واقع احتلال الشريط الحدودي داخل كل من سوريا والعراق، مستغلة فرصة تفكك القرار المركزي وضعف الحكومة في بغداد، والسكوت المريب لإدارة إقليم كردستان عن هذا الوضع، إذ استغلت تركيا هذا الوضع السياسي المتردي تماما كما فعلت باستغلال تحركات المسلحين في سوريا للقيام بعمليات متكررة بدءا من 2016 عبر “درع الفرات”، ثم “غصن الزيتون” في 2018 التي قامت باحتلال أراضي سورية في كل من جرابلس، وأعزاز، والباب وصولا إلى عفرين، وإدلب وإلى أبواب حلب، وحماة.

أدى اكتشاف حقول الغاز في شرق المتوسط في كل من حقول تمارا، واللوثيان، وأفروديت، وحقل ظهر إلى اندلاع شرارة صراع معقد، وقابل للاشتعال في ظل استمرار المشكلة القبرصية، والنزاع العربي – الإسرائيلي، والحرب الأهلية في سوريا، واضطراب الوضع في العراق، وجدل محاولات ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.

هنا تبرز طبيعة النزاعات الجيوسياسية ذات الدافع الاقتصادي، فباتفاق مع حكومة فايز السراج في ليبيا تريد تركيا الحفاظ على صفقات تجارية وعقود قديمة تصل إلى حوالي 20 مليار دولار في كل من بنغازي وسبها وطبرق ومناطق في الجنوب الليبي نظير تقديم دعمها العسكري لحكومة الوفاق.

تُضاف إلى كل هذا مواجهة اتفاقية مصر – قبرص، ووضع معيقات أمام اليونان في تحركها للدفاع عن نيقوسيا وتوحيد الجزيرة من جديد. ثم إن مذكرة التفاهم تخول لتركيا، اعتمادًا على مبدأ الجرف القاري الذي يمتد إلى أكثر من200 ميل، الادعاء بأن كونها تملك أطول شريط بري ساحلي في شرق المتوسط يمنحها حق إجراء تنقيب دون عوائق جغرافية وسياسية في مساحات شاسعة تصل إلى أكثر من 800 كلم في منطقة البحار العليا، وهو منطق منافٍ لقانون البحار، وبالتالي حرمان الجزر اليونانية المتاخمة لها من حقوقها البحرية الخاصة.

لذلك فإن الاتفاقية البحرية هدفها الأساسي هو تطويق كل من مصر وقبرص في شرق المتوسط، بإعادة رسم ملامح الوضع الجيو – سياسي القائم حاليا من جهة، ثم إنه يستهدف اتفاقية قبرص – اليونان، ووضع حجر عثرة أمام خط الأنابيب المعروف بـ”إيست ميد” من جهة أخرى، كما أنه في العمق يهدف إلى الزيادة في مساحة منطقتها الاقتصادية الخالصة لتصل إلى 189 ألف كيلومتر مربع، بينما ستضيق بفعله المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص المعترف بها ومصر، لصالح إسرائيل.

الاتفاقية البحرية المبرمة مع حكومة السراج هدفها تطويق كل من مصر وقبرص في شرق المتوسط، بإعادة رسم ملامح الوضع الجيوسياسي القائم حاليا

وهنا يبرز للعلن الخلاف الطويل تاريخيا بين قبرص وتركيا، وعدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بقبرص التركية وهذه الأخيرة بقبرص اليونانية، ما يضيف إلى اكتشاف غاز شرق البحر المتوسط اختلافا في المصالح الاقتصادية والحدودية، حيث قامت قبرص التركية بإعطاء ملكية حقوق التنقيب لشركة تركية، لكن العديد من بلدان شرق المتوسط عمدت إلى تبني قواعد اتفاقية 1982 لقانون البحار لترسيم الحدود البحرية بينها، وهو ما كان بين مصر وقبرص واليونان، وبين لبنان وقبرص حيث تنتظر الاتفاقية المبرمة أن يصادق عليها مجلس النواب اللبناني.

ومن ثم، فإن قيام تحالف ثلاثي بين اليونان وقبرص ومصر، وقفت منه تركيا موقف العداء لأنها تريد أن تكون نقطة تجميع محورية من دون غيرها في تصدير الطاقة سواء من الشرق إلى الغرب، أو من الجنوب إلى الشمال.

 كما تعتبر علاقات تركيا مع جيرانها متوترة جراء سياساتها الخارجية مع كل من مصر وقبرص واليونان التي تطالب بحل للأزمة القبرصية بناء على قرارات الأمم المتحدة، وهو ما ترفضه تركيا، إذ تدعي تركيا أن 44 بالمئة من المنطقة الاقتصادية الخاصة تعود إليها، وهو ما يفسر توقيع اتفاقية بحرية مع حكومة فايز السراج، والتي توسع حدود الجرف القاري التركي على حساب قبرص واليونان وجزرها، وتحديدا كريت ورودس.

عمليا، قامت تركيا بمحاولات عرقلة عديدة لوقف عمليات تنقيب الشركة الإيطالية “إيني” في جنوب غرب قبرص بتوجيه بوارج تركية في 9 فبراير 2019، متذرعة بحق قبرص التركية في المناطق رقم 1 و2 و3 و8 و9 و12 و13 التي تدخل في إطار ترسيم قبرص اليونانية لحدودها البحرية مع جميع بلدان شرق المتوسط والتي لا تعترف بها تركيا، وهو ما عدته قبرص عملا عدائيا موجها ضدها، كما أنها قامت بالتنديد بإجراء مصر واليونان مناورات ميندوزا5 العسكرية البحرية.

إجمالا، يستهدف الاتفاق التركي البحري مع حكومة الوفاق اتفاق مصر واليونان وجعله غير ذي أهمية، كما أن تركيا لا تنظر بعين الرضا للتحالف الذي يحاول ضم كل من مصر ولبنان والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية وقبرص واليونان وإسرائيل في الاستفادة الجماعية من حقول شرق المتوسط، ووضع خط أنابيب ممتد إلى أوروبا، وهو ما تعتبره تركيا وإيران موجها ضدهما. كما أن الإعلان عن منتدى مصدري الغاز الجدد في شرق البحر المتوسط بقنوات وصل جديدة يونانية وإيطالية، يثير مخاوف كبرى لدى تركيا وإيران من أن يكون مستقبلا نواة تحالف جديد في الطاقة.

وبالتالي، فإن الاتفاق البحري الجديد مع حكومة الوفاق يقطع الطريق على إمكانية نقل الغاز من أماكن متنازع عليها شرق البحر المتوسط إلى أوروبا من دون التفاوض مع الجانب التركي، وهو ما تسعى إلى فرضه في الحقيقة تركيا.

استشعرت العديد من بلدان شرق المتوسط مبكرا أطماع تركيا، وسعت إلى ترسيم الحدود البحرية بينها تفاديا لنزاعات أو الدخول في صراعات عسكرية كبيرة من شأنها أن تهدد مصالحها في الاستكشاف والتنقيب والاستغلال.

ولكل هذا عمدت قبرص إلى عقد عدة اتفاقيات مع دول المنطقة، وفي هذا الاتجاه منحت عدةَ شركات أميركية وروسية وفرنسية عدة رخص  للتنقيب حتى تتمكن من ردع التحرشات شبه العسكرية التي تقوم بها القوات البحرية التركية.

وبالتالي هددت قبرص باعتقال أي طاقم تركي يسعى إلى التعرض لسفن التنقيب التابعة لها، كما عمدت اليونان والبحرية الليبية إلى سدِّ منافذ طرق جزيرة كريت البحرية في وجه السفن التركية، وأرسلت فرنسا فرقا عسكرية إلى قبرص، ثم قامت إيطاليا في 10 ديسمبر الحالي بإرسال الفرقة البحرية “مارتيننجو” إلى ميناء لارنكا القبرصي، ثم تبنى الكونغرس الأميركي في 17 نوفمبر 2019 قرارين برفع حظر بيع السلاح إلى قبرص الساري المفعول منذ ثلاثين سنة، فيما قدم القرار الثاني دعما أمنيا لقبرص، وأدان الاتحاد الأوروبي تركيا في عمليات التنقيب الجارية، ثم قامت قبرص بشراء طائرات دون طيار لحماية منطقتها الاقتصادية الخاصة (ZEE).

انتشار عسكري يعزز النفوذ التركي
انتشار عسكري يعزز النفوذ التركي

هذا الموقف يجعل تركيا في عزلة تامة عن جميع الفرقاء المعنيين بالطاقة في شرق المتوسط دون استثناء، ويبرر ذلك خشيتها من محاولة ظهور لاعبين جدد في مجال الطاقة، بخاصة منتدى غاز شرق المتوسط ورغبته في مد أنابيب غاز موصولة مباشرة بأوروبا دون المرور بأراضيها أو نقاطها البحرية، لذلك قامت بحفر حوالي 73 بئرا في عام 2018، ثم وضعت أجندة حفر حوالي 140 بئرا في عام 2019، حيث تريد أنقرة الحصول على النصيب الأوفر من الكعكة.

رغم الأهداف الخفية والمعلنة، لا يمكن أن يوضع الاتفاق الليبي – التركي بين أردوغان والسراج إلا في خانة التلاعب بتناقضات ظرفية في هذه اللحظة من المناوشات الإقليمية والدولية المتفاقمة وتعدد أحلافها في شرق المتوسط. لكن ليبيا لا تقع في الجوار التركي، ومكوناتها بعيدة عن أي علاقات استثنائية تبرر الإعلان عن هذا التدخل السافر فيها، هذا في الوقت الذي وضعت حكومة الوفاق أنفها في مشاكل أكبر منها دون إدراك التكلفة باهظة الثمن على مسار الحل السياسي الداخلي، ومضاعفة التعقيدات بخيوط الأزمة الراهنة في ليبيا.

إن منطق السياسة التركية الحالية يقوم على حرب أيديولوجية على قاعدة الإسلام السياسي  يتبناها حزب العدالة والتنمية كسلاح في مواجهته مع الجميع، ومن ثم تخبط سياسة تركيا الخارجية، فهي عاجزة عن أن تميز بين الأصدقاء والأعداء والحلفاء والمنافسين على حد سواء، ذلك أن الانشغال بقضايا أيديولوجية دينية من شأنه أن يغذي المزيد من الأوهام داخل أنصار الحزب وتيارات الحركات الإسلامية السياسية في العالم العربي، ويجعلها وقودا جديدا لإشعال حرائق جديدة تجعل العالم العربي لقمة سائغة في أيدي قوى خارجية.

نفوذ في ليبيا

هنا يكمن في الواقع الفرق بين سياسات الدول وسياسات الأحزاب، ويفسر تحول حزب العدالة والتنمية التركي إلى طرف رئيسي في النزاع الليبي مبكرا، وهو بذلك كعادته يحاول التنفيس عن أزمات أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية في الداخل التركي.

ويقيم في تركيا منذ وقت مبكر قياديون من مجلس شورى بنغازي الملاحق دوليا بتهمة الإرهاب، ومن أبرزهم طارق بلعم وأحمد المجبري اللذان منعت السلطات البريطانية دخولهما إلى أراضيها في نوفمبر 2017.

كما بدأ الحديث عن الترويج إعلاميا لضرورة حماية مليون ليبي من أصول عثمانية، ما يحمل معه بذور صراع عرقي جديد لم يعرفه قط المجتمع الليبي في تاريخه. وهي في الواقع سياسة تبحث عن تجنيد أعضاء جدد وتبرير أطماع من منطلقات دينية ورهانات عرقية تخلط المصالح السياسة بمواقف أيديولوجية دينية حزبية، ما يجعل سياسة تركيا الخارجية تائهة بين مقتضيات التحالف مع الأصدقاء مثلا في حلف الناتو، ومتطلبات المصالح مع خصومها، كما أنها في العالم العربي تتصرف بمنطق سياسات الأحزاب الدينية لا بمنطق سياسات الدول القائمة على احترام السيادة والجوار وحرية الشعوب في تقرير مصيرها.

7