سياسة خارجية إماراتية فاعلة عنوانها المبادرة وخدمة التنمية

الأحد 2014/05/04

تمثل السياسة الخارجية الإماراتية نموذجا للسياسة التي تجمع بين تعزيز مكانة الدولة على الساحتين الإقليمية والدولية وخدمة أهداف التنمية في الداخل ورعاية المواطن الإماراتي في أي مكان يحل فيه خارج الوطن، سواء للدراسة أو السياحة أو العمل أو العلاج. وهذا ما عبرت عنه بجلاء “استراتيجية وزارة الخارجية 2014-2016″ حينما أكدت أن رؤيتها تتلخص في: “أن نكون نموذجا رائدا في الدبلوماسية النشطة لتعزيز مكانة الدولة ورعاية مواطنيها”، وحددت الاستراتيجية أهدافها في: المحافظة على مواقف سياسية واضحة تدعم علاقة الدولة مع شركائها الإقليميين والدوليين. والمساهمة في دعم السياسات الاقتصادية الاستراتيجية وتسهيل نمو العلاقات الاقتصادية واستثمارات الدولة في الخارج، وتعزيز مكانة الإمارات العربية المتحدة كقائد إقليمي في المجالات المتخصصة، مثل حقوق الإنسان، والطاقة والتغير المناخي، والتعاون الأمني الدولي والمساعدات الخارجية وضمان رعاية المواطنين في الخارج وتقديم خدمات قنصلية ذات جودة عالية.

في ضوء ما سبق، فإن أهم ما يميز سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخارجية، أنها تستند إلى رؤية واضحة منذ نشأة دولة الاتحاد في عام 1971 تقوم على إقامة علاقات طيبة مع دول العالم المختلفة في الشرق والغرب والشمال والجنوب قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمصالح المشتركة، فضلا عن التوازن، والعمل على خدمة السلام العالمي، والمشاركة الإيجابية في كل ما من شأنه دعم التعاون الدولي في مواجهة التحديات الكونية المشتركة.

وفي هذا السياق شهدت العلاقات الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة نموا كبيرا ونشاطا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، وهذا ما يتضح من مؤشرات عدة، أهمها توسيع خيارات التحرك الخارجي تجاه القوى الإقليمية والعالمية المختلفة خاصة الصاعدة منها، وهنا تمكن الإشارة إلى الجولة الأخيرة للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات، حاكم دبي، التي شملت المكسيك والبرازيل والأرجنتين وتشيلي، والتي حققت نتائج مهمة خاصة فيما يتعلق بتعزيز علاقات دولة الإمارات العربية المتحدة مع أمريكا اللاتينية التي غدت ذات أهمية كبيرة على المستوى الدولي بما تتيحه من فرص اقتصادية واستثمارية من ناحية، وما تنطوي عليه من تجارب تنموية مهمة وناجحة وصاعدة من ناحية أخرى. كما تمكن الإشارة كذلك إلى الجولة الآسيوية للفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في شهر فبراير الماضي التي شملت كلا من اليابان وكوريا الجنوبية، وعززت التوجه الآسيوي في السياسة الخارجية الإماراتية، وخرجت بنتائج مهمة، سياسية واقتصادية؛ صبّت في تعميق العلاقات بين الإمارات وقوتين آسيويتين على درجة كبيرة من الأهمية.

وإضافة إلى الحيوية والنشاط والتحرك الفاعل تجاه مناطق العالم المختلفة، فإن السياسة الخارجية الإماراتية تتميز بالمبادرة، ولعل دورها في مجال تعزيز السلام العالمي وتعميق القيم التي تشجع على هذا السلام هو مثال بارز على هذه المبادرة، وهنا تمكن الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى آخر المبادرات الإماراتية المهمة في هذا الشأن، والتي تمثلت في “مؤتمر دبي العالمي للسلام” الذي أقيم برعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خلال الفترة من 17 إلى 19 أبريل 2014، حيث حضر فعالياته نحو 60 ألف شخص، وطرحت في جلساته ومناقشاته الكثير من الأفكار المهمة حول تعزيز أسس وقيم السلام والحوار بين دول العالم وحضاراته وثقافاته.

يضاف إلى ذلك أيضا المنتدى العالمي “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” الذي أقيم في أبوظبي خلال شهر مارس الماضي تحت رعاية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، وخرج بتوصيات مهمة لعل أهمها إنشاء “مجلس حكماء المسلمين” تكون مهمته العمل على تعميق السلام في المجتمعات الإسلامية، وتخصيص جائزة سنوية لأفضل مبادرة في هذا الخصوص وإصدار مجلة أكاديمية تعنى بالبحوث العملية في مجال دعم السلام في المجتمعات المسلمة. ومن المبادرات العالمية المهمة في هذا الخصوص إنشاء المركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف “هداية” الذي افتتحه الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان في ديسمبر من عام 2012، حيث كانت هذه الخطوة تأكيدا للدور العالمي لدولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز السلام العالمي من خلال ترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح في مواجهة نزعات العنف والإرهاب.

وتحرص الدبلوماسية الإماراتية في تحركاتها الخارجية في الشرق والغرب على أن يكون أي تحرك خارجي في خدمة التنمية في الداخل، إعمالا لمبدأ أساسي من مبادئ السياسة الخارجية الإماراتية، وهو أن: السياسة الخارجية في خدمة التنمية. وهذا ما يتضح من الكم الكبير من اتفاقيات التعاون في المجالات التنموية التي يتم توقيعها خلال الجولات الخارجية للمسؤولين الإماراتيين. ولعل ما يساعد الدبلوماسية الإماراتية على آداء هذا الدور أن الإمارات تعد نموذجا تنمويا رائدا تحرص الدول المختلفة في العالم على إقامة علاقات اقتصادية وتجارية متميزة معه.

رعاية المواطنين في الخارج هي أحد الأهداف الأساسية أيضا للسياسة الخارجية الإماراتية، وهناك عشرات الأمثلة على التحرك الفاعل لوزارة الخارجية للتعامل السريع والفاعل مع حالات تعرض بعض المواطنين في الخارج لبعض المشكلات، ولعل آخرها الحادث المؤلم الذي تعرضت له أسرة مواطنة في أحد فنادق بريطانيا، حيث حرصت وزارة الخارجية منذ البداية على متابعة الحادث وتقديم كل مساعدة ممكنة للأسرة المواطنة، واهتمت القيادة الرشيدة على أعلى المستويات بتوفير كل مساعدة لهذه الأسرة في إطار نهج مستمر وثابت في التعامل مع المواطنين خارج البلاد ورعايتهم والتدخل المباشر لحل أي مشكلة يمكن أن يتعرضوا لها. ولعل من أبرز مظاهر رعاية السياسة الخارجية الإماراتية للمواطنين الإماراتيين في الخارج وحرصها على إتاحة حرية التنقل لهم من دون قيود أو معوقات هو نجاحها في الحصول على تصويت البرلمان الأوروبي، لمصلحة إلغاء تأشيرة الـ «شنغن» لمواطني دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما ينطوي على مردودات إيجابية عدة للمواطنين، حيث سيسهل لهم حرية السفر والتنقل في دول الاتحاد الأوروبي، علاوة على أنه سيوفر كثيرا من الوقت والجهد والمال، وينهي الإجراءات المعقدة للحصول على تأشيرة هذه الدول.

وما كان للخارجية الإماراتية أن تحقق كل الإنجازات الكبيرة التي حققتها وتحققها في مجالات عملها المختلفة، لولا كفاءة الجهاز الدبلوماسي الذي يقوم بتنفيذ هذه السياسية برئاسة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الذي أضفى حيوية غير عادية على أداء وزارة الخارجية، وخاصة فيما يتعلق بإعداد كوادر إماراتية قادرة على التعامل مع تطورات البيئتين الإقليمية والدولية ومستجداتهما، وتتميز بالكفاءة والمبادرة والثقة بالنفس، فضلا عن الوعي الكامل بالموقع المتميز لدولة الإمارات العربية المتحدة على الساحة الدولية.

أخيرا، فإن القاعدة الثابتة هي أن: السياسة الخارجية ما هي إلا انعكاس للسياسة الداخلية، وقوة السياسة الخارجية لأية دولة تنبع في المقام الأول من قوتها الداخلية، وهذا ما ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث إن تجربتها التنموية الرائدة على المستوى الداخلي وما تتمتع به من استقرار سياسي واجتماعي، عزز من حضورها الخارجي وجعلها قوة مؤثرة في إطاريها الإقليمي والعالمي.


باحث إماراتي

5