سياسة روسيا في ليبيا بين اجتماع موسكو ومؤتمر برلين

مراقبون يرون أن بوتين نجح في وضع بلاده في قلب الحدث الليبي ونجح في جعل روسيا رقما صعبا داخل أي تسوية سياسية تتعلق بمآلات الصراع في ليبيا.
الخميس 2020/01/23
دبلوماسيون أوروبيون: موقف بوتين من الشأن الليبي براغماتي

موسكو - تسعى الدبلوماسية الروسية إلى الترويج لدور بات أساسيا لروسيا للتوصل إلى أي حل متعلق بالأزمة في ليبيا، وهي بذلك تحاول ترميم ما اعتبره المراقبون فشلا حدث قبل ذلك في العاصمة الروسية في 13 يناير الجاري حين رفض المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي التوقيع على اتفاق الهدنة في ليبيا فيما وقّع الاتفاق رئيس حكومة الوفاق فائز السراج.

ولم تخف منابر روسية انزعاج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيا من موقف حفتر ومغادرته روسيا على عجل في 14 يناير، فيما أشارت أنباء روسية إلى أن حفتر عاد لاحقا وأرسل رسالة شكر لبوتين واعدا بزيارة موسكو بعد انتهاء أعمال مؤتمر برلين، وهو ما اعتبره المراقبون محاولة روسية لترميم الصورة التي واكبت مداولات الهدنة في موسكو.

وتقول مصادر روسية دبلوماسية مراقبة إن روسيا، التي نسجت علاقات ممتازة مع حفتر خلال السنوات الأخيرة، قد فوجئت بموقف الأخير الذي شكل صفعة صادمة غير متوقعة لجهود بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف، مع العلم أن كثيرا من المراقبين رجحوا أن يكون موقف حفتر منسقا مسبقا مع القيادة الروسية لمآرب لاحقة.

غير أن المؤشرات السريعة بعد ذلك أظهرت أن موقف حفتر يعبر عن مزاج إقليمي دولي لم يستسغ ميل موسكو إلى الضغط على قائد الجيش الليبي الوطني للقبول بالتوقيع على وثيقة تطالبه بانسحاب قواته إلى خطوط ما قبل 4 أبريل الماضي متخليا بشكل مجاني عن المنجزات التي حققها عسكريا منذ الإعلان عن حملة تحرير طرابلس.

مواقف الرئيس الروسي بشأن الأزمة الليبية براغماتية تميل إلى الانتهازية وتهدف إلى الفوز في أي صفقة سياسية مقبلة

ونقلت وسائل الإعلام المصرية غضبا من الموقف الروسي، بما أفصح عن مزاج القاهرة، وكشف عن تباين واضح بين مصر وروسيا، على الرغم من التنسيق العالي بين البلدين، في الأزمة الليبية. وتعترف مصادر روسية أن موسكو، ومن خلال موقف حفتر والإعلام المصري، اضطرت لتعديل مواقفها والتموضع وفق قواعد تأخذ بعين الاعتبار رؤى شركائها الأساسيين في المنطقة.

غير أن اللافت أن بعض المصادر التركية برأت من جهتها مصر والإمارات وفرنسا من أي ضغوط مورست على حفتر للانسحاب من وثيقة الهدنة التي صاغتها روسيا، موجهة الاتهام في هذا الصدد إلى الولايات المتحدة.

ورغم عدم توفر معطيات تؤكد ذلك، إلا أن مراقبين في موسكو لم يستبعدوا الأمر، خصوصا أن لحفتر، وبسبب إقامته الطويلة في الولايات المتحدة قبل سقوط نظام معمر القذافي، علاقات وثيقة مع واشنطن. ويضيف هؤلاء أن روسيا تأخذ هذا الأمر بالحسبان وأن أداءها لاحقا في مؤتمر برلين أظهر سلوكا أكثر حصافة وتوازنا.

ويرى خبراء في شؤون السياسة الخارجية الروسية أن بوتين الذي حظي بضوء أخضر أميركي إبان عهد الرئيس السابق باراك أوباما قبل الشروع بالتدخل العسكري في سوريا، ما زال يعمل في هذا البلد وفق تلك “الوكالة” التي صادق عليها المجتمع الغربي بأكمله. ويضيف هؤلاء أن الرئيس الروسي يدرك أن مستقبل سياساته السورية مرتبط بإيجاد تسوية مع واشنطن، وأنه دون ذلك لن يستطيع إقناع دول الاتحاد الأوروبي ودول عربية أساسية في تغطية العملية السياسية في سوريا والإفراج عن الأموال اللازمة من أجل إعادة الإعمار في هذا البلد.

في المقابل يرى الخبراء أن سياسة موسكو بالنسبة لليبيا تأخذ مسالك مختلفة. فعلى الرغم من أن مقاربة موسكو الأولى تمثلت في فتح علاقات مع حفتر في استعادة للعلاقات التي كانت بين جيش الاتحاد السوفييتي والجيش الليبي في عهد القذافي، وفي الإجهار باحتمال دعمه عسكريا من خلال زيارات قامت بها قطع بحرية روسية إلى شواطئ ليبيا، إلا أن الرئيس بوتين عاد وعدّل تلك السياسة لجعلها أكثر توازنا من خلال فتح علاقة مع طرابلس ودعم مؤتمر الصخيرات واستقبال رئيس حكومة الوفاق فائز السراج.

سياسة موسكو بالنسبة لليبيا تأخذ مسالك مختلفة
سياسة موسكو بالنسبة لليبيا تأخذ مسالك مختلفة

ويصف دبلوماسيون أوروبيون موقف بوتين من الشأن الليبي بأنه براغماتي يميل إلى الانتهازية ويهدف إلى الفوز في أي صفقة سياسية مقبلة، وأنه يوزع رهاناته على حفتر والسراج على نحو لا يرقى إلى مستوى الاستقطابات الدولية والإقليمية المتعلقة بليبيا.

ويرى هؤلاء أنه إذا صدق أن موقف واشنطن يلتقي مع موقف مصر والإمارات وفرنسا في رفض إضعاف حفتر، فإن خطة بوتين قد انكشفت، وأن حلفاءه في المنطقة باتوا حذرين من مرامي السياسة الروسية، خصوصا وأن الورشة الروسية استندت على تعاون وتنسيق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ويخلص الدبلوماسيون إلى أن دولا عربية وأوروبية وحتى الولايات المتحدة لا تريد ولادة حالة سورية في ليبيا تتيح لموسكو وأنقرة تقاطعا في المصالح على الرغم مما يصدر عن بوتين من إدانة لإرسال تركيا مرتزقة إلى ليبيا وما يصدر عن أردوغان من إدانة لتواجد مرتزقة روس في هذا البلد.

بيد أن مصادر دبلوماسية روسية تسعى للتسويق لنجاح حققته روسيا داخل مؤتمر برلين الذي انعقد الأحد الماضي.

وتقول هذه المصادر إن الضغط الروسي هو الذي دفع المؤتمرين إلى تبني الخيار السياسي كحل للأزمة الليبية، وأن موسكو هي التي دفعت باتجاه دعوة السراج وحفتر إلى برلين فيما كانت خطة المؤتمر تقصيهما عن الحضور.

وتضيف المصادر أنه صحيح أن الشخصيتين لم تكونا حاضرتين داخل قاعة المؤتمر، لكن تواصل المؤتمرين معهما كان ضروريا ومحفزا لتصويب قرارات وتصحيح أفكار بشأن الحل الأمثل في ليبيا.

غير أنه وبغض النظر عما تعلنه موسكو من إنجازات حققتها في برلين، يجمع المراقبون على أن بوتين نجح في وضع بلاده في قلب الحدث الليبي ونجح في جعل روسيا رقما صعبا داخل أي تسوية سياسية، ستليها تسويات اقتصادية، تتعلق بمآلات الصراع في ليبيا. ويضيف هؤلاء أن بوتين الذي يعول على شراكة مع الأميركيين في الميدان السوري، نجح في جر أوروبا نحو شراكة تخفف من حشر العلاقة بين الطرفين داخل أزمة أوكرانيا وضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

7