سياسة قطر الشيء ونقيضه: تتوسط للمصالحة وتدعم المتمردين

نجحت قطر في تحقيق اختراقات خطيرة في صفوف مختلف المجتمعات من الشرق الأوسط إلى العمق الأفريقي من خلال اتباع سياسة الشيء ونقيضه. تشبه هذه السياسة إلى حد ما مبدأ التقية عند حلفائها الإيرانيين، حيث تظهر ما لا تبطن، لكن في شكل مختلف يقوم أساسا على التعامل مع الطرفين المتناقضين؛ فهي من جهة وسيط سلام ومن جهة أخرى تمد المتمردين بالسلاح.
الأربعاء 2017/06/14
حليف لا يؤتمن

في بدايات انخراط قطر في صراعات الأقطار الأفريقية لم يتنبه الكثيرون لأساليب ذلك الانخراط وتداعياته، ولم يتوقف أحد عند محطات فارقة سُمعت فيها أصداء تطورات كانت تستحق التأمل، ومن أمثلتها أن تعلن إثيوبيا، في بيان رسمي، في إبريل العام 2008 عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر وتقول في بيانها إن الدوحة “تقدم مساعدات مباشرة وغير مباشرة للمجموعات الإرهابية”.

وبعدئذ يتوغل الإثيوبيون في اليقين بما أعلنوه، ويقولون بلغة بلاغية، وبالرغم من محاولات تنقية الأجواء بين البلدين “إن قطر لم تدع حجرا في إثيوبيا لم تقلبه، فيما هي تقتش عن أقصر السبل لإيذاء الأمن القومي الإثيوبي”.

أيامها، كان رد الدوحة من النمط المعتاد، وقد جاء فيه أن قطر فوجئت بالاتهامات الإثيوبية، وأن هذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها إثيوبيا لقطر مثل هذه الاتهامات. فقد سمعتها الدوحة من إثيوبيا من قبل، لكنها فضّلت عدم الرد، لعل الحكومة الإثيوبية تكفّ على سلوكها الخاطئ.

لم تكن تلك واقعة منعزلة، ولا هي الملاحظة الوحيدة التي تؤشّر على ضلوع الحكم في قطر، في شؤون الجماعات المتطرفة وتعاونها معها. وعلى الرغم من ذلك، لم تر الدول الأعضاء في مجلس التعاون وجوب التوقف طويلا أمام مثل هذه التوجهات لدى دولة عضو في المجلس.

وتُركت قطر تحدد خياراتها وتُنشىء علاقات غامضة بقدر ما هي مشهودة، مع المجموعات والتنظيمات المتطرفة، وقد تدخلت بشكل لافت في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وإثيوبيا والسودان واليمن والشيشان وغيرها. وفي كل هذه البلدان طرحت نفسها في الظاهر وسيطا لفض المنازعات أو تهدئتها والتوصل إلى اتفاقات، ويُصار أثناء ذلك وبعده إلى تقديم مساعدات مرتجاة على الصعيد الإنساني في البلاد المنكوبة غرضها كسب القلوب والعقول وإحراز تأثير ملموس لسياستها على الأرض.

الدوحة شاركت في اجتماعات المصالحة في الوقت الذي ظلت فيه تغذي النزعة الحربية والأصولية في ليبيا

من خلال اتباع سياسة خارجية متعددة المقاصد، لعب النظام القطري دورا مزدوجا حيال كل طرف أنشأ علاقة معه. ففي الوقت الذي يُظهر فيه أنه يحافظ على أسس العلاقة مع جيرانه ويلتزم بالمواثيق مع دول الخليج لا يكف عن توجهاته الكيدية في ممارسة علاقاته البعيدة، على النحو الذي لا يلقى ارتياح الجيران ويزعج السعودية بشكل محدد.

وعندما اندلعت الأحداث في ليبيا في العام 2011 تحولت قطر فجأة من النقيض إلى النقيض. ففي ذروة الخلاف السعودي مع نظام معمر القذافي، اقترب الحكم في قطر منه، وتلك واحدة من إشارات التجديف بعكس التيار السعودي الذي كان على خصومة مريرة مع القذافي.

وفي 2011، كانت قطر هي البلد العربي السبّاق إلى الانضمام للتحالف الدولي للإطاحة بنظام القذافي. وسرعان ما أصبحت الممول المالي الرئيسي للمتمردين على النظام، وأهم داعميهم عسكريا ولوجستيا، إذ زوّدتهم بالمعدّات الثقيلة ودربتهم على استخدام المدفعية المتطورة وأمدتهم بالمشتقات البترولية التي تكفيهم وزودت قوات حلف الناتو التي تهاجم ليبيا بست طائرات من نوع ميراج، قادها طيارون من الحلف، وقد ذكرت مصادر الحلف العسكرية أن تلك الطائرات لم تشارك في الضربات، وقد تصرفت في ذلك الصراع الدامي، كممثل أو متعهد نيابة عن المجموعة العربية التي تؤيد التدخل العسكري في ليبيا ولا تريد الحل بالطرق الدبلوماسية، مثلما أرادت البلدان الثلاثة الكبرى في الجوار الليبي، وهي مصر والجزائر والسودان.

وفي خضم ذلك، كانت قناة الجزيرة هي صوت ما يسمى “الربيع العربي”، غير أن بعض المقاصد تكشّفت سريعا بعد إطاحة نظام القذافي واغتيال الرجل بتلك الطريقة الهمجية. فقد اتضح أن قطر ليست في وارد إنهاء دورها بل إن العكس هو الصحيح، إذ انخرطت في الشؤون الليبية الداخلية، على صعيدي الاقتصاد البترولي والمصالحة الوطنية، بغية توجيه الأمور على النحو الذي يُمكّن القوى الأصولية من حكم البلاد.

وبهذا التوجه شاركت الدوحة في اجتماعات المصالحة، في الوقت الذي ظلت فيه تغذي النزعة الحربية وتساعد عفاريت الأصولية الذين عثروا على ضالتهم عندما انفتح لهم مسرح التواجد العسكري بعد قتل القذافي وسقوط النظام.

في 2011، كانت قطر هي البلد العربي السبّاق إلى الانضمام للتحالف الدولي للإطاحة بنظام القذافي

وفوجئ البعض في البداية بمعانقة القطريين لثورة الليبيين بدل الميل إلى لعب دور في التهدئة والوساطة والاستفادة من علاقات جيدة مع النظام، غير أن الذين تتبعوا خطى السياسة القطرية منذ وقت طويل، لم يُفاجأوا، ولم يروا في ذلك تحولا دراماتيكيا. فهؤلاء يدركون أن نظام آل ثاني يلجأ إلى لعبة الوساطة عندما يتعلق الأمر بنظام قوي ومستبد. عندها يتودد القطريون إليه وينشئوا معه علاقات تتجاوز الحرارة السياسية إلى الحميمية في العلاقات العائلية، دون أن يمنع ذلك ازدواجية مقاصدهم، وأن تكون لهم توجهات مستترة من وراء ظهر الصديق، للتشويش عليه في ساحات أخرى، انتظارا لترنحه وإلى اللحظة المواتية للغدر به.

ومن المفارقات، أن سياسة آل ثاني، وبعد أن تغيرت قواعد اللعبة مع الأقوياء المستبدين، انتقلت برشاقة إلى موقع آخر واستخدمت منهجها نفسه، لتكون في طليعة اللعبة السياسية الجديدة في مصر وسوريا. فعند النظر إلى طبيعة التوجه القطري وتدرجاته في هاتين الساحتين؛ يلاحظ أن الدوحة تردّدت في البداية ولم تعلن موقفا مناهضا للنظامين المصري والسوري. وكان النظام في قطر قد طوّر علاقاته مع النظامين في العام 2010. وعندما ظهر أن انتفاضتي الشعبين أوشكتا على إطاحة نظاميْ الحكم، تغير الموقف القطري.

تروي قصة الانخراط القطري في الصراع الليبي وحرص الدوحة على الاستمرار في تأجيجه حتى بعد إطاحة النظام وخروج الغول العشائري والمناطقي من القمقم؛ كيف نسجت الدوحة مبكرا علاقات وطيدة مع المتشددين الإسلامويين الليبيين، الذين أصبحوا يوالونها حصرا في ما بعد.

فقد استضافت قطر، في التسعينات، عددا مما كان يُسمى آنذاك “الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة” التي حاولت إطاحة القذافي وفشلت، فعادت لتسمي نفسها “الحركة الإسلامية الليبية للتغيير”.

كان أحد هؤلاء، وهو الإخواني علي الصلابي، قد سُجن في ليبيا على خلفية اتهامات بالتواطؤ في محاولة اغتيال القذافي، وأفرج عنه وانتقل إلى قطر في العام 1999، ثم عملت الدوحة على مصالحته مع نظام القذافي وعاد إلى ليبيا. وكانت خطة الحكم القطري تتعمد زرع العنصر الإخواني وإن اضطر الى إظهار الولاء والتسامح والاعتدال.

النظام القطري لعب دورا مزدوجا حيال كل طرف أنشأ علاقة معه

يتحدث حمد بن خليفة الأمير آنذاك عن ذريعته لقناة الجزيرة في سبتمبر العام 2011 حيث قال “أؤمن بأن الإسلاميين المتشددين الذين نشأت آراؤهم في ظل حكومات مستبدة، سوف يقتنعون بالديمقراطية وبالمشاركة السياسية، عندما تحقق الشعوب العدالة من خلال ثوراتها، وإنني على قناعة بأننا سنرى هؤلاء المتطرفين وهم ينتقلون إلى الحياة المدنية وينخرطون في المجتمع المدني”.

غير أن هذا الرأي، الذي يتجاهل ثقافة هؤلاء وتطلعاتهم، لم يكن إلا ذرا للرماد في العيون، لأن هؤلاء الذين يتحدث عنهم لم يقاتلوا ضد فكرة الديمقراطية والمواطنة ولم يفسدوا الثورات ذات المضامين الإنسانية والاجتماعية وحسب؛ وإنما أظهروا في سوريا وسواها أنهم مؤهّلون لتسميم النظام الاستبدادي نفسه ومضاعفة شططه وجنونه.

وفي وسع المرء أن يفترض أن منظومة العلاقات وإدارة التناقضات وما سعت إليه قطر لكي تحقق لنفسها نفوذا أو تأثيرا في السياسة الإقليمية قد انتهت إلى انكشاف تسبب في أزمة خانقة، لن تمر بالنسبة إلى قطر مرور الكرام. لقد كان أحد عوامل الدوزنة أو تدابير التأمين لإنجاح هذه المنظومة هو الجمع بين إيران وإسرائيل والإخوان، وثلاثتهم لا يرضون ببعضهم البعض، لا سيما في ظل صراع تجري حوادثه على رقعة أرض واسعة في الإقليم، مشحونة طائفيا، ومشحونة أكثر ضد إسرائيل. أما الإخواني، عندما يكون مؤمنا حقا، فلن يرى أن من علامات الإيمان، اجتماع إسرائيل و”الجماعة” في جوف واحد، سواء كان جوف تركيا أو جوف قطر.

كاتب وسياسي فلسطيني

7