سياسة واشنطن تجاه طهران عامل حيوي في المعادلة السورية

الجمعة 2013/08/30
عيون طهران باتجاه سوريا

الولايات المتّحدة الأميركية وجدت نفسها في مفترق طرق فيما يتعلّق بالأزمة في سوريا. فأوباما يخشى من جهة تصعيد ردّ الفعل ضدّ الأسد قد يؤثّر على المفاوضات النووية مع إيران؛ ومن جهة أخرى إذا كان الرد الأميركي وديعا جدا أو غير واضح فيمكن أن يضر بمصداقية أميركا أمام العالم.

إثر خطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن استخدام سوريا للأسلحة الكيميائية أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة ستقوم بضرب سوريا. وفي ذات السياق، يقول وزير الدفاع شاك هيغل إن القوات الأميركية جاهزة للانطلاق. وفي نفس الوقت يقوم المبعوثون بإبلاغ المتمردين أن القوات الغربية «يمكن أن تضرب سوريا في غضون أيام».

لكن في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة للهجوم فإن سوريا ليست فعلا قلب المسألة. فمثلما بيّن كيري في خطابه إن «معنى الهجوم على سلاح الأسد الكيميائي يتجاوز الصراع في سوريا في حد ذاتها».

فالهدف من وراء ذلك لن يكون ترجيح الكفّة لصالح أحد الأطراف في الحرب الأهلية السورية أو وضع حد للعنف بل تريد الولايات المتحدة الرد على الهجوم الموجّه لمصداقيتها والخرق المفضوح لقاعدة دولية. لكن هناك مخاطر، فما يبدأ كهجوم عسكري محدود لمعاقبة الأسد يمكن أن يتحول إلى تورط أعمق في سوريا أو يحبط الأولويات الإقليمية الكبرى لدى أميركا مثل محادثاتها مع إيران بخصوص المسألة النووية.

دفاع عن المصداقية


قبل أشهر أوضح الرئيس أوباما أنه لن يتسامح مع أي سوء استعمال للأسلحة الكيميائية في سوريا واصفا ذلك التجاوز «بالخط الأحمر».

لكن بالرغم من ثبوت استخدام دفعات من الأسلحة الكيميائية ضد السوريين لم تتحرك الولايات المتحدة إلى الآن بعد حدوث هجومات كيميائية الأسبوع الماضي خلّفت مئات من القتلى وأعدادا أكبر من الذين يعانون من صدمات نفسية.

وما جرى الأسبوع الماضي يشير إلى أن الأعمال الحربية الكيميائية أصبحت واسعة النطاق إلى درجة لا يمكن للولايات المتحدة أن تبقى في موقف المتفرج.

لذا بعد عامين من عدم التحرك بخصوص سوريا من الواضح أن ما تدافع عنه الولايات المتحدة فعليا ليس الشعب السوري بل الحظر الدولي لاستخدام الأسلحة الكيميائية بالإضافة إلى مصداقيتها. تجب معاقبة الأسد لأنه تخطى أحد خطوط أوباما الحمراء بطريقة واضحة وعلنية بالرغم من أن مئات من القتلى بمفعول الأسلحة الكيميائية لا تقارن بأكثر من مئة ألف شخص قضوا نحبهم في هذه الحرب الأهلية.

ومثلما شرحت منذ بضعة أشهر كان أمام الولايات المتحدة خياران أفضل من الأمر الواقع القاضي بالانزلاق شيئا فشيئا إلى الصراع وهما إما الدخول بقوة عن طريق تركيز منطقة حظر جوي وفعل ما يجب فعله من أجل اجتثاث العنف، أو الابتعاد عن طريق الثبات في موقف عدم التدخل.

واختارت إدارة أوباما الخيار الثاني لذلك كانت خطواتها متثاقلة في الرد على الاتهامات باستعمال الأسلحة الكيميائية لأول مرة. ويرى البيت الأبيض أن أحسن حل للمحافظة على نفس المسار هو استخدام أقل ما يمكن من القوة بشكل يستجيب للضغوط المتنامية للتحرك دون التورط أكثر.

وفي هذا الصدد صدر عن البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي أن «الخيارات التي نفكر فيها لا تتعلق بتغيير النظام». وبعد ذلك يمكنها العودة إلى دورها في القيادة من الخلف.

لكن أصبح من الصعب النجاح في ذلك فلو كانت هناك تحركات عسكرية محدودة ليست فيها مخاطر جر الولايات المتحدة بشكل أعمق إلى الصراع السوري لكان أوباما قد اختارها ردا على الموجة الأولى من الهجمات الكيميائية.

وسخرية الموقف تتمثل في أن الحد الأقصى الذي تعتبره المجموعة الدولية ردا غير مقبول لاستعمال الأسد للأسلحة الكيميائية ارتفع بشكل كبير منذ المرة الأولى منذ بضعة أشهر. فلو كان ذلك خطا أحمر إسرائيليا تم تجاوزه لرأينا ردة فعل تتمثل في ضربة فورية محدودة وجراحية.

لقد ترددّت الولايات المتحدة فوقعت فظاعة أكبر بكثير والآن تحتاج الولايات المتحدة إلى الدخول في رد أوسع للمحافظة على مصداقيتها وإرضاء حلفائها، وهو رد الفعل الذي يحمل مخاطر أكبر في جر الولايات المتحدة أكثر إلى المستنقع.

عمل يتجاوز المحدود

إذن ما الذي يعتبر عملا كافيا؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال لكن يبدو أنه من الواضح أن صاروخا أو اثنين من نوع كروز تصوب نحو مواقع محددة لتخزين الأسلحة في دمشق لم يعد عملا كافيا.

إن الوضع يتطلب عبارات حربية من كبار الدبلوماسيين الأميركيين وأعمالا تؤيدها تتمثل بالتأكيد في ضرب أهداف عسكرية أوسع بالإضافة إلى غارات جوية منتظمة. باختصار الموقف يتطلب نوعا من الأعمال التي تحمل دائما إمكانية تجاوز مداها المحدود.

المسألة الأخرى تتمثل في أن الكثير من أعضاء الائتلاف الذين يدعون إلى العمل العسكري يريدون نتائج مختلفة ويرحبون بمشاركة أميركية أكبر.

وعندما ترد الولايات المتحدة على الهجوم الكيميائي من المتوقع أن يحاول حلفاء مثل تركيا إظهار التدخل على أنه نقطة تحول في المجهود الحربي ويفسرون عمل أميركا على أنه دعم ضمني للمتمردين في مجهوداتهم لإزاحة الأسد.

كذلك يمكن أن يتسبب هذا العمل العسكري في مشاكل لأميركا في مفاوضاتها الدبلوماسية مع حلفاء الأسد. وخلافا لما حدث في ليبيا، حيث ساهمت الولايات المتحدة آخر مرة في قيادة هجوم دولي، تتمتع الحكومة السورية بدعم فعلي من بعض الفاعلين الدوليين إذ أن حلفاءها؛ روسيا وإيران وحزب الله كلهم يقفون بثبات في صف الأسد.

عائق النووي الإيراني

تعتبر سياسة واشنطن تجاه إيران عاملا حيويا لكنه متغافل عنه في المعادلة السورية إذ أن أكبر أولوية لدى الولايات المتحدة في المنطقة هي المحادثات النووية المرتقبة مع إيران فمن المنتظر أن تتصدر هذه القضية عناوين الأخبار في الأشهر المتبقية من هذا العام.

إذا كان رد الفعل الأميركي على استعمال الأسد للأسلحة الكيميائية جريئا جدا قد يغضب ذلك إيران ويتسبب في أفعال تصاعدية على أساس المعاملة بالمثل من شأنها أن تجعل البلدين غير مستعدين أو غير قادرين سياسيا على الدخول في مفاوضات مثمرة.

الضربة الغربية لسوريا تقترب

وإذا كان الرد الأميركي وديعا جدا أو غير واضح فيمكن أن يضر بمصداقية أميركا ويجعل الخطوط الحمر الأميركية بخصوص التقدم النووي الإيراني أكثر تشويشا في الرؤية ومن الصعب الالتزام بها.

عندما قال كيري إن أعمال الأسد «تتجاوز الصراع في سوريا نفسها» فهو يتكلم من وجهة نظر أخلاقية، لكن إذا قرأت ما بين السطور فهو يتكلم عن مصداقية أميركا.

إنه يتعلق بالحفاظ على الأولويات الأميركية في المنطقة كما يتعلق بإبعاد الرد العسكري الوشيك عن الحرب الأهلية في حد ذاتها.الولايات المتحدة صائبة في قرار التدخل العسكري في سوريا فالدفاع عن المقاطعة الدولية للأسلحة الكيميائية ومعاضدة خطها الأحمر تستحق العمل العسكري لكن ضمن حدود معينة.

وليس بوسعنا إلا التمني بأن تحافظ هذه الأعمال على محدوديتها.

7