سياسيون فضائيون

الثلاثاء 2017/09/26

الفضائيّات تتكاثر وساعات البثّ تتضاعف، ذلك هو المشهد السائد اليوم في العديد من الساحات العربية؛ فضائيات حكومية وحزبية وأخرى تجارية وغيرها قصيرة العمر ستلفظ أنفاسها بنفاد التمويل.

الحلم الذي يراود مالك الفضائية أو مؤسسها أو داعمها سوف يصطدم مباشرة بكم ونوع المادة المعروضة على الشاشة، مقارنة بما يُعرض على عشرات أو قل مئات الشاشات الأخرى إلى درجة الإحساس بالعجز عن المنافسة.

في الوقت ذاته لو أجريت مسحا للعديد من البرامج وخاصة برامج المقابلات والجلسات الحوارية وخاصة مع الساسة والمسؤولين لوجدتها تشبه بعضها بعضا فيما الاختلافات الوحيدة والبسيطة تكمن في اختلاف أسماء البرامج وأسماء مقدّميها والديكور. وأما ما عدا ذلك فالأسئلة تتكرر: ما رأيك بما قاله الوزير أو المسؤول الفلاني؟ ما موقفكم من المتغيّرات الجديدة على الساحة الفلانية؟

العراقيّون ورغم المحن التي أصابت بلادهم لا يتوقفون عن إطلاق النكات بحق الساسة الفاسدين، وهم من اخترع اسم الموظف والمسؤول الفضائي، وهو ذلك الكائن الذي يتسلّم راتبا شهريا منتظما من دون أن يؤدي عملا.

لكنّ هنالك فصيلة جديدة يمكن اشتقاق اسمها وصفتها من نفس الكلمة، إنهم السياسيون الفضائيّون وهم فصيلة غريبة من المشتغلين بالسياسة ملتصقين بالشاشات وهم ضيوف دائمون عليها حتى لو فقدوا مناصبهم وحتى لو انتهت مدة صلاحيتهم وحتى لو اتّهموا بالفساد فهنالك على الدوام رواية أخرى لدى الفضائية على كامل الاستعداد لسماعها.

قبل مدة جلبت إحدى الفضائيات العراقية سياسيّا من هذه الفصيلة، فهو على الرغم من انتهاء صلاحيته وفقدانه المنصب وثبوت فساده وارتشائه إلا أن الفضائية أوجدت له عذرا ورواية أخرى مفادها أنّ الإعلام قد ظلمه ولهذا نفضت تراب النسيان المؤقت عنه وقامت بما يلزم من تلميع وماكياج وأعادت تسويقه مجددا.

الفضائيات المتكاثرة وساعات البث الطويلة صارت واقعيا بيئة خصبة لمثل هذه الكائنات الفضائية العاطلة، فهي في الوقت والمكان المناسبين: بإمكان ذلك الكائن الفضائي/ السياسي أن يمتدح من يشاء ويردح لمن يشاء لأنه مرفرع عنه القلم وصار بعيدا عن نفوذ الساسة، وبإمكانه أن يأتي بأوراق وشهادات لا تعلم مصداقيتها تثبت براءته وبهذا يعاد إنتاج الكائن الفضائي مجددا وتلميع نجوميّته.

بالمقابل هنالك سياسيّون فضائيّون هم نجوم فضائيّات عربية بعينها سيطلون على المشاهدين وقت النوائب والأزمات والعراك السياسي، إنهم جاهزون ووصفتهم جاهزة، إنهم مع الفضائية وبالتالي مع مالكيها في معركتهم الجديدة وسيوجد واحدهم عشرات المسوّغات لإثبات أن أولئك القوم على صواب وأن خصومهم على باطل.

سياسيون أو محللّون سياسيون فضائيون شطّار حفظوا الدرس جيدا وأتقنوا الطبخة وهم جاهزون بالبدلات وربطات العنق والبرود القاتل الذي لا يُحسدون عليه وبلغة الجسد تشعر وكأن حواسهم لا تتفاعل وأن ماكنة اللسان هي وحدها التي تعمل بأقصى طاقتها وذلك تلبية لشروط ومتطلبات السياسي الفضائي الذي لا تستغني عنه عشرات الفضائيات العراقية والعربية، فهو لزوم ما يلزم من فوضى إعلامية عارمة وصراعات ومناكفات لا تنتهي تتيح مهنة جاهزة لهذا النوع من الساسة أو من يسمّون المحللّين السياسيين.

كاتب عراقي

18