سياسيون يتجولون محاطين بالحراس في معرض الكتاب

المثير للدهشة والخوف، هو أن السياسيين الذين يقودون تونس راهنا يعانون من فقر ثقافي وفكري مخيف يجعلهم دون مستوى أولئك الذين كانوا يقودونها في فترة النضال الوطني أو في فترة بناء الدولة.
الجمعة 2019/04/19
الثقة بالحراس والشك في الكتب

على مدى السنوات الثماني لما أصبح يسمى في تونس بـ“سنوات الانتقال الديمقراطيّ”، اعتاد زوار كل دورة من دورات معرض الكتاب مشاهدة زعماء أحزاب، وشخصيات سياسية، يتجولون في الأروقة محاطين بحرسهم الشخصي. وغالبا ما يغادر هؤلاء من دون أن يشتروا كتابا واحدا، أو يحضروا ندوة من الندوات، أو يشاركوا في جدل ثقافي أو فكري. فما يعنيهم بحسب ما يبدو ليس الثقافة ولا أهلها، بل التبجح، واستفزاز مشاعر الزوار بحضورهم الاستعراضي والمصطنع الذي لا يختلف عن ذاك الذي يلجأ إليه الصغار في مجال الفن أو كرة القدم.

ولعلهم يبتغون أيضا من خلال هذه الزيارات الحصول على المزيد من الشعبية، وكسب المزيد من الأنصار. ولكنهم مخطئون، إذ أن حراسهم الذين يرافقونهم في كل خطوة يخطونها، مراقبين الزوار بنظرات تنم عن الحذر والخوف من أيّ حركة بريئة تأتي من هذا أو ذاك، تبطل نواياهم، وتقصيهم بعيدا ليظلوا دائما في عالمهم المثير للسخرية والامتعاض. ولو كانوا محبين حقا للثقافة وللكتاب، لقدموا إلى المعرض مُتخففين من حراسهم، ومن كل ما يمكن أن يزيد من نفور الناس منهم، ومن استعراضاتهم المضحكة الفاقدة للذوق ولأبسط المشاعر الإنسانية.

وقد يكون هناك هدف آخر لسياسيّي فترة “الانتقال الديمقراطي”، ألا وهو إثبات تقديرهم لأهل الثقافة والفكر والفن. لكن الواقع سرعان ما يكشف زيف مثل هذا التقدير. فالبعض منهم لم يتردد في أكثر من مرة في نعت النخبة التونسية بـ“النكبة”. والسبب هو أن هذه النخبة لم تتفاعل معهم، لا سياسيا ولا فكريا، بل فضحت أطروحاتهم في هذا المجال أو ذاك، وأظهرت أنهم لا يترددون في اللجوء إلى وسائل خطيرة ودنيئة للوصول إلى السلطة، وليس لـ“خدمة الوطن والشعب”، كما هم يزعمون في الصباح الباكر، وفي آخر الليل.

ما يعني السياسيين الذين يزورون معرض الكتاب ليس الثقافة ولا أهلها، بل التبجح، واستفزاز مشاعر الزوار والترويج لأنفسهم

والأمرّ من هذا أن برامج هؤلاء السادة تكاد تكون خالية من كل ما يمكن أن يوحي بأنهم يعيرون الثقافةَ اهتمامًا حتى ولو كان ضئيلا. وهم لا يتذكرونها إلى مرة واحدة في السنة، أي في كل دورة من دورات معرض الكتاب. أما في بقية فصول السنة فهم غائبون تماما عن الندوات الأدبية والفكرية، والمهرجانات الفنية. وأبدا لم تصدر عنهم أية مبادرة جدية تدل على أنهم يقدرون النخبة المثقفة. وفي حملاتهم الانتخابية، هم يوزعون المكرونة ولحم الخروف لكسب  الأنصار. أما توزيع الكتاب ونشره، والتحريض على اقتنائه، وكل هذا منعدم في توجهاتهم.  بل قد يعتبرون ذلك مضرا بمصالحهم لأن الجهل المعمم هو الضمان الوحيد لبقائهم في السلطة، والفوز بالمزيد من الامتيازات.

بالإضافة إلى ذلك، فضح هؤلاءُ أنفسُهم سطحيتَهم في المجال الثقافي والفكري من خلال ظهورهم في وسائل الإعلام. فواحد منهم مثلا، وهو قائد بارز في حزب سياسي، أمضى عشر سنوات دراسته الجامعية في باريس، ثم عاد وهو بالكاد قادر على النطق بجملة صحيحة في لغة موليير. آخرون أمضوا عشرين سنة، أو أكثر  في عواصم أوروبية كبيرة من دون أن يتابعوا أحداثها الثقافية والفنية، بل  لعلهم حرموا أنفسهم من الاستمتاع  ولو مرة واحدة بمشاهدة فيلم أو مسرحية، أو بحضور حفل موسيقي، أو بقراءة رواية تحتل الرقم الأول أو الأخير في المبيعات.

كما أنهم أظهروا من خلال حضورهم في المشهد الإعلامي أنهم يجهلون التاريخ التونسي، والمرجعيات التونسية في مجال الأدب والفكر.  بل قد يسخرون من هذه المراجع، ولا يعيرونها أدنى اهتمام، لأنهم مفتونون بمراجع أخرى لا تمت بأي صلة إلى واقع البلاد، ولا إلى تاريخها القديم أو الحديث. وهناك “زعيم” يدافع بحماس ناري عن الفقراء أصدر كتابا بعنوان “المرأة والاشتراكية”. لكن حالما ننتهي من قراءة هذا الكتاب، نعاين أن هذا “الزعيم” يحدثنا عن امرأة وهمية وعن اشتراكية وهمية لا وجود لهما، لا في الزمان ولا في المكان، إذ أن الكتاب خلا تماما من المرجعيات الواضحة والدالة.

وما هو مثير للدهشة والخوف، هو أن السياسيين الذين يقودون تونس راهنا يعانون من فقر ثقافي وفكري مخيف يجعلهم دون مستوى أولئك الذين كانوا يقودونها في فترة النضال الوطني، أو في فترة بناء الدولة. تكفينا قراءة سير الطاهر صفر، ومحمود الماطري، والحبيب بورقيبة، والبحري قيقة، والدكتور الحبيب ثامر، وآخرين لكي نتبين أن أولئك كانوا يتمتعون بثقافة عالية جلبت لهم احترام كبار القادة في العالم بأسره. وعندما كانوا شبانا مبعدين في “برج البوف” الرهيب في قلب الصحراء في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، كانوا يقرأون فيكتور هوغو، والجاحظ، والمتنبي، وكتاب “الأغاني”، وكتبا عن التاريخ التونسي، والعربي.

14