سياسيو الفرصة الإعلامية

في تونس غلبت على المزاج العام ظاهرة تدعى "التأثير العدائي لوسائل الإعلام" تبنتها الجماهير الغاضبة ضد "سائسها" الإعلام، معلنة الثورة ضده.
الجمعة 2019/09/20
عقاب جماعي

كثر يمارسون السياسة، قليلون هم السياسيون. لا شك أن عدّة عوامل تتداخل لتصنع السياسي الناجح أو تبيّن تهافت السياسي الهاوي.

ولعل الإعلام أبرز العوامل، إذ ما فتئ يصنع نجوما في عالم السياسة ويطيح بآخرين. إن السياسيين سواء كانوا هواة أو محترفين لا يستطيعون العمل بمعزل عن الإعلام وإن كان بعضهم تصنعه ماكينات الإعلام فالآخرون يفرضون أنفسهم عليها فرضا.

وفي تونس وجد الكثيرون بعد الثورة أنفسهم في مضمار السياسة بعضهم عن اختيار وآخرون دون حول لهم لا قوة.

رمت الأقدار أشخاصا في مضمار السياسة ليكونوا بدائل مفيدة أحيانا أو لسد شغور أحيانا أخرى. فشل بعضهم فشلا ذريعا إذ أظهرت الأحداث أنهم لا يمتلكون أي مقومات للسياسي الموهوب. واستثمر آخرون الفرصة ونجحوا نجاحا عظيما.

ولعل أكثر الشخصيات التي فشلت فشلا ذريعا ولا يزال صدى فشلها يتردد هذه الأيام محمد المنصف المرزوقي الذي كان صناعة نهضوية بامتياز سرعان ما سحبت حركة النهضة الإسلامية رهانها عليه بعد أن تبين خواؤه السياسي.

حافظ قائد السبسي مثال صارخ آخر على الفشل إذ يكفي أنه كان السبب الرئيسي لتفجير حزب والده الباجي قائد السبسي، الذي كان سياسيا محنكا تدرج ليصبح رجل دولة بامتياز. مثّل قائد السبسي الابن القشة التي قصمت ظهر نداء تونس الحزب الذي كان مظلة توحد تحتها التونسيون في وقت من الأوقات ضد قوى الرجعية.

لو كان حافظ سياسيا بالفطرة لكان قد ترشح اليوم للانتخابات الرئاسية، يكفي أنه ابن الباجي لكن لأن لا موهبة سياسية له فقد كره تونسيون حزب والده من وراء أفعاله.

اليوم، يتابع تونسيون حلقات مسلسل الانتخابات الرئاسية التي شارفت على نهايتها، وصعد إلى الدور الثاني شخصان كلاهما حديث العهد بالسياسة، الأول قيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري الذي لا يمتلك أيّ ماض نضالي، لكنه صناعة جماهيرية بامتياز. أما الثاني فهو نبيل القروي الآتي من عالم الإعلانات وهو صناعة قناته التلفزيونية حصرا.

قلب الوصول إلى المرحلة الأخيرة من سباق الرئاسة المعادلة في تونس، باتت الجماهير تتنافس مع الإعلام، كل منهما يريد أن يصل مرشحه إلى سدة الرئاسة دون أن يتمكن أحد من التكهن لمن ستكون الغلبة بعد أسابيع قليلة.

في الأصل يقوم الإعلام بتعبئة الجماهير لكن في تونس غلبت على المزاج العام ظاهرة تدعى “التأثير العدائي لوسائل الإعلام” تبنتها الجماهير الغاضبة ضد “سائسها” الإعلام، معلنة الثورة ضده.

لا تعرف الجماهير إلا العواطف البسيطة أو المتطرفة لذلك فإن الآراء التي يحرض عليها أهل الإعلام تمثل لدى المتلقين إما حقائق مطلقة وإمّا أخطاء مطلقة، وهذا ما حدث بالضبط في الحالة التونسية.

لقد انقسمت الجماهير دون وعي منها إلى قسمين القسم الأول اعتبر كل ما قدم ويقدم في الإعلام أخطاء مطلقة وقد مثلت هذا القسم فئتا الشباب والمتعلمين اللتان اختارتا قيس سعيّد الذي مثل بالنسبة إليهم ثورة على الإعلام و”السيستام”. والقسم الثاني هم البسطاء وقد مثلتهم فئة غير المتعلمين وقد استطاع القروي عبر “أعماله الخيرية” التي لاقت تغطية واسعة في قناته من إقناعهم بانتخابه، فمثّل بالنسبة إلى هذه الفئة “البطل المنقذ”.

امتلك نبيل القروي شيفرة تحويل قناته الخاصة من وسيلة للترفيه إلى وسيلة للضبط الاجتماعي والتلاعب بالجمهور خاصة بعد التواطؤ مع بعض المثقفين الذين وظفوا كـ”كلاب حراسة” لتفادي اختراق الفئة الأولى لوعي البسطاء.

 تسعى الفئة التي انتخبت سعيّد إلى إرساء الديمقراطية الإعلامية أو على الأقل دمقرطة وسائل الإعلام وتحويلها من إعلام يخدع الجماهير إلى إعلام يعبر عن جميع الأفراد في المجتمع. بينما يبدو أن الفئة الثانية راضية بما يقدمه إعلام القروي حصرا.

في النهاية لا سعيّد ولا القروي سياسيين، هما يسعيان إلى ممارسة السياسة بإيعاز من منظومتين مختلفتين. ستثبت الأيام من يكون السياسي المقنع من الهاوي؛ أكيد، ستلفظه الجماهير في الانتخابات القادمة.

18