سياسيو تونس يسيسون الأمن

الجمعة 2017/02/03

التعديل الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب المتعلق بالانتخابات والاستفتاء أثار العديد من ردود الفعل في تونس. وأضاف التعديل إلى القانون فصولا وفقرات نصت على أنه “يُرسَّم بسجل الناخبين، العسكريون وأعوان قوات الأمن الداخلي في الانتخابات البلدية والمحلية دون سواهما”.

التونسيون أبدوا تخوفهم الكبير من هذا القانون الجديد الذي سيدخل القوات الأمنية في المعمعة السياسية وأن البداية ستكون بالانتخابات البلدية والمحلية ليأتي الدور في ما بعد على الرئاسية. فبعد الجدل الذي رافق عملية استحداث نقابات أمنية، كخطوة أولى أقدمت عليها المؤسسة الأمنية في 2011 بعد مغادرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، رغم ما تنص عليه التشريعات القانونية والمراسيم المثبتة في الدستور من ضرورة النأي بالمؤسستين العسكرية والأمنية عن كل استقطاب سياسي أو أيديولوجي، يأتي هذا المرسوم الجديد ليطرح أكثر من سؤال.

أسئلة عديدة طرحها المتابعون للمشهد السياسي في تونس، أولها لماذا يأتي هذا الاختيار في هذا التوقيت بالذات؟ لماذا تراجع الائتلاف الحاكم وخصوصا حركة النهضة عن التزاماته السابقة بضرورة تحييد المؤسستين العسكرية والأمنية عن كل ما هو سياسي؟ هل يدرك الفاعلون السياسيون حقيقة هذا الاختيار؟ وهل يتحملون مستقبلا تبعاته ومختلف التحديات التي سيتركها على التونسيين؟

يزداد الخوف ضراوة ويصعب معه التكهن بمآلات هذا الاختيار الجريء، الذي قد يؤدي إلى انقسام المؤسسات الأمنية في تونس في وقت أشد ما تكون بحاجة إلى أن تكون متماسكة ومترابطة أكثر بسبب التحديات التي يطرحها الملف الأمني على العديد من الواجهات.

تشهد الأحداث المتتالية بعد ثورة 14 يناير أن الآليات المستخدمة لتقسيم التونسيين وتشتيت أفكارهم والابتعاد بهم عن الزخم السياسي وما تطرحه الملفات الحارقة في المناطق الداخلية، باتت شغل مختبرات.

راهنت تونس خلال السنتين الأخيرتين على عامل استرجاع الثقة في مؤسستيها الأمنية والعسكرية وخصوصا لجهة الحد من منسوب العمليات الإرهابية وتفكيك العديد من الخلايا النشطة، لكن هذا الرهان أضحى في خطر استنادا إلى مواقف وآراء البعض من المحللين للشأن الأمني.

بعد مرور ست سنوات عجاف لم يتحقق فيها سوى القليل النادر من استحقاقات التونسيين، وخصوصا للجهات الداخلية المطالبة بالتنمية والتشغيل، يتواصل المشهد العام في تونس جد ملتبس وغامض. ما يفسر هذا الغموض هو تدني المقدرة الشرائية للمواطن، بالإضافة إلى الارتفاع المتصاعد والجنوني للمواد الاستهلاكية.

وسط كل هذه الخيارات المفروضة على التونسيين، على مرارتها، يفتح ينكأ ملف العائدين من بؤر التوتر خاصرة جديدةجراحا ظلت تؤرق القوات الأمنية منذ ست سنوات. فمنذ فترة ليست بالبعيدة ظل التونسيون يعيشون على وقع خطاب رنان وناعم يقدّمه الداعمون للإرهابيين تأهيلا لإمكانية عودتهم من بؤر التوتر بعد أن تسببت سياسة الترويكا الحاكمة سابقا في تحويل المئات من الشبان التونسيين إلى وقود للمحرقة الدائرة في سوريا والعراق وليبيا.

“الآن بات الأمن مضمونا” ربما هي عبارة تختزل ردا على ما سبق لزعيم حركة النهضة الإسلامية أن قاله في أكتوبر من العام 2012 وأعلن حينها عبر شريط فيديو تم تسريبه على الإنترنت من أن المؤسستين الأمنية والعسكرية في تونس “غير مضمونتين وأنهما مازالتا بيد العلمانيين”.

مطلوب أن يشغّل الفاعلون السياسيون وأصحاب القرار في تونس جميع الحواس والبناء على تجارب ممثالة، عربيا ودوليا، لإدراك تبعات هكذا قرار قد يؤدي إلى تقسيم التونسيين لا توحيدهم.

كاتب من تونس

4