سياسي مهزوم في وسائل التواصل الاجتماعي

الثلاثاء 2017/06/06

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي حيادية تماما ولم تعد لا شأن لها بمعادلة مع أو ضد. الإشكالية تتسع والمرونة التي تنطوي عليها تلك المنصات المكتظة بالناس صارت توفر للمستخدمين أشكالا شتى من الاحتمالات والخيارات. وسائل تواصل أكثر طواعية واستجابة مما يمكن تصوّره يكمّلها الذكاء وطريقة الاستخدام.

قسم كبير من الساسة صارت وسائل التواصل الاجتماعي تؤرّقه ويكنّ لها ولمستخدميها كراهية أو يعاملها بريبة. في العراق مثلا تمت مقاضاة مستخدمين لصفحات فيسبوك وصدر قرار يمنع الموظف الحكومي من كشف أي فضائح أو قضايا غير قانونية تجري في مؤسسته وفي حال مخالفته يتعرض لمحاسبة قانونية.

ناشطون ومعارضون في العديد من البلدان العربية تعرضوا للسجن بسبب بعض التغريدات المعارضة التي اعتبرت مدُرجة في باب التحريض والتشهير. الحاصل أن الكثير من الساسة يتمنون لو لم يوجد تويتر ولا فيسبوك أصلا، الدنيا قبلهما كانت بخير كما يقولون.

مؤخرا وخلال مؤتمر تكنولوجيا المعلومات بلوس أنجلوس قالت هيلاري كلينتون المرشحة الرئاسية السابقة إن “الخديعة والقصص الإخبارية الملفقة والكاذبة على موقع فيسبوك بالذات أسهمتا بشكل فعال في هزيمتها في الانتخابات”.

هو أمر نادر أن يعترف سياسي رفيع بأن وسائل التواصل الاجتماعي كانت سببا في هزيمته، ولكن ماذا يريد السياسي أصلا من وسائل التواصل الاجتماعي؟

تنتشر الصفحات الشخصية لساسة كثر بعضهم من فرط تواضعه يدير صفحته الشخصية بنفسه أو هو قريب منها يعلّق حينا ويجيب عن تساؤلات جمهوره أو يرد على الانتقادات حينا آخر، لكن من مهازل الزمن مثلا أن تجد في العراق (ساسة) مغمورين وهم يترفعون على أن يسمّوا صفحاتهم بأسمائهم بل ابتكروا بدعة (علاقات وإعلام النائب الفلاني أو الوزير الفلاني) وتجد أن الصفحة ليست إلا ألبوم صور يستعرض فيه السياسي لقاءاته وأسفاره وتصريحاته التي لا تغني ولا تسمن.

السياسي في هذا المثال يستخدم منصة التواصل الاجتماعي إلا أنه واقعيا لا هو يتواصل مع جمهوره ولا هو اجتماعي، بل هو يعيش في برجه العاجي وما صفحات التواصل الاجتماعي سوى جزء من المظاهر والترويج المزيّف.

واقعيّا صرنا اليوم بمواجهة ظاهرة السياسي في علاقته بمنصات التواصل الاجتماعي في ثنائية غريبة. السياسي يريد لوسائل التوصل الاجتماعي أن تسهم في نجاحه كما هي حالة السيدة كلينتون وتنأى بنفسها عن أي علامة من علامات النكوص والفشل، لكن الإشكالية هي في كون ردود أفعال الجمهور في صفحات التواصل الاجتماعي تتميّز بأنها فورية وقبل أن يرتدّ إليك طرفك حتى لم يعد بالمستطاع التخلص من (بوستات) انحشرت فجأة في خانة التعليقات وجاءت بما لا يفرح السياسي.

العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي صارا أرضية مجردة بإمكانها استقبال الخصوم كما الحلفاء بكل أريحية، وهو ما يقلق أكثر وأكثر أولئك الذين لا يريدون من تلك المنصّات سوى سماع ما يطربهم ويسرّهم، وهو أمر لم يعد ممكنا على الإطلاق.

السياسي ما قبل هزيمته يغرق صفحته بالوعود والأماني السعيدة وكما في الأفلام بعد عدة سنوات نعود إلى الصفحة نفسها لنجد السياسي وهو فيما يشبه محاكمة مع جمهوره لأنه لم يف بشيء من وعوده وعهوده واندرج في ثلّة السياسيين المهزومين في وسائل التواصل الاجتماعي.

كاتب من العراق

18