سيبيريا تكافح الاحترار المناخي للحفاظ على تربتها الصقيعية

سكان ياكوتسك يخشون من المخاطر الناجمة عن ذوبان الجليد، خاصة أن غالبية الأبنية التي تضم طبقات عدة في المدينة غير قادرة على مقاومة الاحترار المناخي.
الخميس 2018/12/06
آثار الاحترار تظهر سريعا على الشواطئ

ياكوتسك (روسيا) – يعرّض ذوبان طبقة الجليد الدائم الناجم عن الاحترار المناخي في ياكوتيا في سيبيريا، المجتمع برمته إلى الخطر بسبب الأضرار التي يلحقها بالأبنية.

ويشير إدوار رومانوف بإصبعه إلى مبنى من تسعة طوابق تزحزح من مكانه وبدأت تظهر عليه تشقّقات. ويوضح عامل البناء هذا والناشط في ياكوتسك عاصمة ياكوتيا، المنطقة السيبيرية التي تعتبر الأصقع في العالم، “لقد مال المبنى 42 سنتمترا” في غضون سنتين.

ويضيف “قد يميل بعد أكثر”، فيما ينشط حوله عمال آخرون غير آبهين بالحرارة التي تدّنت إلى 35 درجة تحت الصفر للقيام بأعمال صيانة طارئة في هذا المبنى.

والكثير من مباني هذه المدينة البالغ عدد سكانها 300 ألف نسمة مشيّدة مثل هذه البناية من ألواح من الإسمنت ترتكز على أوتاد تسمح بتهوية أسفل المبنى حتى لا يؤدي إلى ارتفاع حرارة التربة الصقيعية.

وتغطي هذه التربة المجلدة دوما حوالي 65 بالمئة من أراضي روسيا وياكوتيا برمتها قريبا. وتقع هذه المنطقة على المحيط الشمالي المتجمّد وتزيد مساحتها خمس مرات عن مساحة فرنسا.

سيبيريا

والتربة الصقيعية هي طبقة تجمّدت بفعل الجليد، وهي لا تبقى ثابتة إلا إذا كانت المياه جليدية. وفي حال ارتفعت الحرارة كثيرا يمكن للجليد أن يذوب ويؤدي إلى خسوف هذه الطبقة وكل ما هو عليها من طرقات وأبنية فضلا عن بحيرات وأراض زراعية خصبة.

ويخشى سكان ياكوتسك، أكبر مدينة في العالم مبنية على طبقة صقيعية، كثيرا من المخاطر الناجمة عن ذوبان الجليد. فغالبية الأبنية السوفييتية التي تضم طبقات عدة في المدينة غير قادرة على مقاومة الاحترار المناخي.

وفي الستينات كانت التقنية المعتمدة تقوم على تثبيت عوارض على عمق ستة أمتار في التربة المجمّدة الصلبة، لكن هذا لم يعد كافيا بحسب ما يوضح إدوار رومانوف.

وهدّمت عدة أبنية لأنها أصبحت خطرة جدا فيما تعاني أخرى من تصدّعات كثيرة يحاول السكان سدها للاتقاء من البرد.

ويقول رومانوف “كل ياكوتسك بخطر وأصحاب المباني قد يخسرون ممتلكاتهم وما من أحد مستعد لذلك”.

ويضيف “هذه المشاكل ستتضاعف في المستقبل علينا أن نبدأ بمعالجتها من الآن”.

وتفيد التقديرات بأن الحرارة في روسيا ترتفع بسرعة تفوق بـ2.5 مرة بقية العالم. ويروي سكان المدينة أنه قبل عشرين عاما كانت المدارس تقفل أبوابها لأسابيع عندما كانت الحرارة تتدنى إلى 55 درجة تحت الصفر. وكان الأطفال يمارسون رياضة الهوكي على الجليد.

لكن درجات الحرارة المتدنية هذه باتت نادرة وقد سجلت الحرارة بمعدل وسطي 2.5 درجة مئوية إضافية خلال العقد الأخير على ما يؤكد ميخائيل غريغورييف، نائب مدير المعهد الروسي للتربة الصقيعية في ياكوتسك، وهو الوحيد في العالم المتخصص بهذه الظاهرة.

وأشارت وزارة البيئة الروسية في تقريرها السنوي الأخير إلى أن تدهور التربة الصقيعية يطرح مشاكل كثيرة على السكان والطبيعة، إذ أن البنى التحتية المهددة تشمل قنوات المياه والمجارير وخطوط أنابيب النفط وبنى تخزين النفايات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية.

وقد يسرّع ذوبان التربة الصقيعية من انتشار الملوثات على ما جاء في تقرير.

وفي ياكوتسك “الاحترار ليس خطرا الآن” بحسب ما يفيد غريغورييف، لكنه قد يعرض المدينة للخطر خلال العقود المقبلة خصوصا وأن القساطل القديمة في الأبنية السوفييتية قد تساهم في تسريع الذوبان.

ويقلق غريغورييف خصوصا من التربة الصقيعية الموجودة جنوبا والتي تمر خصوصا بغرب سيبيريا الغني بالنفط، فالتربة هناك أقل برودة وسماكة وقد يؤدي الاحترار إلى “تشوهات في الأبنية وإلى كوارث”. ويؤكد “يجب أن نتحضر للأسوأ” وخفض المخاطر إلى الحد الأدنى.

سيب

وفي مختبر تحت الأرض تابع للمعهد حفرت شبكة أنفاق وقاعات في التربة الصقيعية. ويطور فيه علماء ومهندسون تقنيات بناء محسّنة ووسائل لتثبيت التربة المتجمدة عندما ترتفع حرارة الجو.

وثمة تقنية متوافرة راهنا تقوم على نصب أنابيب عمودية مبرّدة حول الأبنية للمحافظة على برودة التربة.

كما توجد تقنيات لحماية التربة الصقيعية إلا أنها مكلفة. ولا يفرض القانون استخدامها في تشييد الأبنية الجديدة غير المتكيف مع الاحترار المناخي على ما يقول بأسف فلاديمير بروكوبييف النائب في منطقة ياكوتيا. إلا أن الآثار واضحة إذ يسرّع تراجع التربة الصقيعية تآكل الشواطئ الروسية على المحيط المتجمّد الشمالي وتخسر ياكوتيا سنويا مترين من السواحل بحسب ما يؤكد هذا النائب.

وباتت المنطقة هذه السنة الأولى التي تقر قانونا حول حماية التربة الصقيعية. ويحدد القانون الحاجات في مجال الوقاية من أضرار التربة الصقيعية.

وهذه المسألة حيوية في وقت تنوي فيه روسيا تطوير المنطقة القطبية الشمالية. لكن رغم الضغوط التي تمارسها ياكوتيا، لا تزال موسكو تماطل ولم تتخذ أي إجراء على الصعيد الوطني.

ويؤكد النائب بروكوبييف “نحتاج إلى قانون وطني إذا أردنا المحافظة على التربة الصقيعية وتجنب أضرار بيئية كبيرة”.

20